مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: " الأمر الذي لا يمكن لأي لبناني شريف أن يقبل به أو يتجاوزه هو الإهانات التي صدرت من السفير السعودي وليد البخاري وهذا تدخّل سافر ووضيع في الشأن العام اللبناني وإهانة لكل الشعب".

العدد رقم 338 التاريخ: 2022-05-27

إيقاف التمركز الإيراني في سوريا.. يجب خفض التوقعات

إيقاف التمركز الإيراني في سوريا.. يجب خفض التوقعات

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

تقدم جهات استخبارية في إسرائيل تقديرات تفاؤلية بخصوص إيقاف التمركز الإيراني في سوريا والقدرة إلى دق إسفين بين الرئيس بشار الأسد وطهران. إلا أنهم في إسرائيل حتى الآن بعيدين من تحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثّل في إبعاد القوات الإيرانية ومبعوثيها من سوريا وتقليص نفوذها في الدولة، وتوقع أن يقوم الأسد وروسيا بهذا العمل لصالحها هو أمر خاطئ.

بناء على ذلك، المطلوب من إسرائيل المثابرة في المعركة المستمرة ضد التمركز العسكري لإيران ومبعوثيها في سوريا وإقامة تعاون مع مجموعات محلية، التي تعارض النفوذ الإيراني ونظام الأسد.

كجزء من تحقيق مجلس الشيوخ الأمريكي حول كيفية انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، اعترف كبار مسؤولي البنتاغون - وزير الدفاع، رئيس الأركان المشتركة وقائد القيادة المركزية الأمريكية - بأنهم كانوا مخطئين في الاعتماد على تقييم متفائل لعواقب الإخلاء. وفي إسرائيل، وفقاً لكلام رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية المنتهية ولايته تامير هايمن بخصوص الوضع على الساحة السورية، فإن "النشاطات الإيرانية مستمرة وتغير شكلها لكن تمركزها في سوريا توقف"، وأضاف أيضاً أن "حزب الله يبتعد عن الجولان". اللواء هايمن وصف صورة وضع وهي أنه يوجد في سوريا اليوم بعض مئات من الضباط الإيرانيين وحوالي عشرين ألف من مقاتلي الميلشيات الشيعية، التي تعمل تحت إمرة قوة القدس. وأشار أيضاً أن "الجيش الإسرائيلي سجّل عراقيل كبيرة في محاولة إيران بناءِ منظوماتِ صواريخ، وإخفائها في المناطق السكنية السورية كما في لبنان"، وأكد أن النشاطات في سوريا "جَبَتْ ثمناً مرتفعاً ليس فقط من الضيف (إيران) بل أيضاً من المضيف (سوريا)، وهذا أدى إلى كبح التمركز الإيراني، لقد خلقنا شرخاً (إسفين) بين الأسد والإيرانيين – لقد فهم أنه تلقى الكثير لاستضافته الإيرانيين".

صورة التمركز الإيراني

ولكن، صورة الوضع معقدة أكثر مما وصفها اللواء هايمن. التمركز العسكري والمدني لإيران في سوريا متواصل ومتلائم مع الظروف المتغيرة، حيث يجري على نطاق ضيق مقارنة بالخطة الأساسية. خطة قاسم سليماني، قائد قوة القدس، قبل أن يتم اغتياله على يد الولايات المتحدة بداية العام 2020، هدفت إلى خلق مساحة احتكاك مع إسرائيل في الجولان لتقييد الجهد العسكري الإسرائيلي للقتال على طول حدودها وفي نفس الوقت ردعها ومنعها من التركيز على بناء القدرة للمس بالبنية التحتية النووية في إيران نفسها. وبالفعل، إيران نجحت إلى حد معين في إقامة منشآت وبنية عسكرية في جبهة الجولان. وإسرائيل من جانبها ردت بحزم ومنعت موطئ قدم عسكرية إيرانية بالقرب من حدودها وعرقلت "ملف الجولان" التابع لحزب الله لبناء خلايا إرهابية في جنوب سوريا. 

التغيير في طابع التمركز الإيراني - الحد من ظهور القوات الإيرانية، وبناء ميليشيات محلية على أساس المجندين السوريين، واختراق نسيج الحياة المدني والديني في البلاد - يتأثر ليس فقط بنشاط الجيش الإسرائيلي، ولكن بتغيير الظروف بعد أكثر من عشر سنوات على الحرب في الدولة. طهران معنية بتجنب المواجهة مع روسيا وتنصت على مخاوف موسكو من انعكاسات استمرار الهجمات الإسرائيلية والمس بقوات الأسد وبمستقبل نظامه.

ولخلق صورة الحليف المسؤول الذي يتمسك بقواعد اللعبة التي تبلورها روسيا، استجابت إيران لطلب موسكو سحب حلفائها – بشكل خاص الميلشيات الشيعية، ولكن ليس حزب الله – من جنوب سوريا، وتقليص تدخُّلها في خطط بناء وتشغيل القوة العسكرية السورية. لكن طهران لم تهمل أهدافها الاستراتيجية طويلة الأمد: النفوذ في المنطقة السورية؛ بناء جسر بري من إيران عبر العراق إلى سوريا ولبنان، وفي نفس الوقت ممارسة الضغط لإخراج القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا وكذلك بناء قواعد لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة الهجومية على إسرائيل. 

لتعزيز هذه الأهداف، تركز إيران على عدد من مستويات العمل:

أ. تعزيز موطئ القدم في شرق سوريا – نشر قوات حليفة وتجهيزهم بوسائل قتالية متطورة، كنقطة انطلاق للسيطرة على المنطقة وعلى الحدود العراقية – السورية في اليوم الذي تخلي فيه الولايات المتحدة قواتها من المنقطة. وذلك من أجل الحفاظ على مشروع الجسر البري.

ب. مواصلة بناء القوة العسكرية – التي في أغلبها لا تعتمد على قوات إيرانية نظامية – بل على حزب الله، الميلشيات الشيعية والميلشيات الإيرانية التي انشأتها، امتلاك عشرات المواقع العسكرية في أنحاء الدولة؛ تحسين قدرات الإنتاج المحلّي ونقل الوسائل القتالية إلى سوريا وحزب لله في لبنان. حلفاؤها ينتشرون في مواقع وقواعد عسكرية في وسط سوريا. في الفترة الأخيرة سعت إيران على نقل ونشر منظومات دفاع جوي في سوريا والبقاع اللبناني لإحباط الهجمات الجوية الإسرائيلية؛ كذلك عمليات تهريب الطائرات بدون طيار الهجومية مستمرة. 

وزير الأمن بني غانتس قدّر أنه "خلال عدة سنوات سيكون بيد حلفاء إيران في سوريا مئات الطائرات بدون طيار"، أغلبهم مع قدرات هجومية. 

ج. إيران تعتمد أكثر على حلفائها – في المناطق التي تضطر فيها إلى تقليص بروفيل نشاطها، بشكل خاص في الجنوب.

د. الدخول إلى النسيج الاجتماعي لسوريا – أقامت إيران عشرات المراكز في سوريا، الذي تجري فيها نشاطات اقتصادية، دينية، تعليمية وتربوية، مساعدة إنسانية، خدمات طبية ومؤسسات اقتصادية – وعلى رأسهم مراكز تجارة رئيسية في دمشق وحلب. 

هل أفل نجم إيران بالنسبة للأسد؟

الرأي السائد وسط جهات التقدير في إسرائيل هو أن إيران أفل نجمها في نظر الرئيس السوري بشار الأسد. وذلك استناداً إلى تقارير بخصوص خطوة الأسد إبعاد قائد قوة القدس الإيرانية في سوريا، جواد غفاري، لكن يبدو أنه أنهى مهامه كما هو مخطط. 

التقديرات حول شرخ في العلاقات بين إيران والأسد مبالغ فيها. وفي هذه التقديرات هناك خللَيْن أساسيَّيْن: الأول، من الصعب الافتراض أن الأسد مستعد للتنازل عن شراكة استراتيجية مضمونة عمرها 40 سنة بين سوريا وإيران، مقابل فوائد محتملة في تحسين العلاقات مع دول الخليج الذين دعموا المجموعات المسلحة، التي كادت أن تسقط نظامه. ثانياً، المستشارون العسكريون الإيرانيون والميلشيات الشيعية لا زالت تعلب دوراً أساسياً في الدفاع عن سوريا، بينما الحرب في البلاد لم تنته بعد. 

إن توغّل إيران في أعماق الدولة والمجتمع في سوريا سيجعل أي محاولة لإزاحتها غير عملية. لا يزال لدى الأسد أسباب كثيرة للاعتقاد بأن عملية إعادة التأهيل الدبلوماسي ستتواصل حتى لو ظل قريباً من طهران.

خلاصة ومدلول

يجب تجنُّب التقديرات التفاؤلية بخصوص إيقاف التمركز الإيراني في سوريا. لا زالت إسرائيل بعيدة عن تحقيق الهدف الاستراتيجي بإبعاد قوات وحلفاء إيران من سوريا وتقليص نفوذها في الدولة، سواء عبر المعركة العسكرية المتواصلة (معركة بين الحروب) أو بتوقع قيام روسيا والرئيس بشار الأسد بفعل ذلك نيابة عنها. 

النفوذ في سوريا ضروري للمشروع الإيراني المصمّم على تحقيق الحضور في المشرق العربي وتحدي إسرائيل على حدودها في مرتفعات الجولان ولبنان. وعلى ضوء الظروف المتغيرة، بلورت إيران بدائل للحفاظ على نفوذها – سياسياً، عسكرياً، اقتصادياً ودينياً – في سوريا. 

أيضاً التفكير بأنه يمكن دق إسفين بين الأسد وطهران وإقناعه بإبعاد القوات التي تُشغّل من قِبَلِ إيران من بلاده هو تفاؤل غير واقعي. حتى الآن لا يسيطر على ثلث أراضي البلاد ويعرف أن الحكام العرب قد يأتون بهدايا، لكنهم لن يتمكنوا من كسب الولاء الذي فازت به طهران بثمن الدماء واستثمار واسع للموارد.

بناءً على ذلك، لا تستطيع إسرائيل بالاعتماد على الأسد بأن يقوم هو بإبعاد إيران من سوريا. عليها مواصلة المعركة المستمرة ضدّ التمركز العسكريّ لإيران وحلفائها في سوريا وإجراء تعاون مع مجموعات محلية تعارض النفوذ الإيراني ونظام الأسد. وفي نفس الوقت، من الضروري تعزيز الحوار الثلاثي مع روسيا والولايات المتحدة من أجل التأثير على بلورة مستقبل سوريا. 

مركز أبحاث الأمن القومي – أودي ديكل

 

إخترنا لكم من العدد