مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: " الأمر الذي لا يمكن لأي لبناني شريف أن يقبل به أو يتجاوزه هو الإهانات التي صدرت من السفير السعودي وليد البخاري وهذا تدخّل سافر ووضيع في الشأن العام اللبناني وإهانة لكل الشعب".

العدد رقم 338 التاريخ: 2022-05-27

رئيسي في روسيا.. إيران تعزّز خيار التوجّه شرقاً

ابتسام الشامي

رئيسي في روسيا.. إيران تعزّز خيار التوجّه شرقاً

ابتسام الشامي

في الوقت الذي ينتظر فيه العالم ما ستؤول اليه نتائج مفاوضات فيينا لإعادة إحياء الاتّفاق النووي الموقع بين الجمهورية الإسلامية والدول الغربية، واصلت طهران توثيق تحالفاتها السياسية وشراكاتها الاستراتيجية. 

وأعطت خيار التوجه شرقاً قوة دفع إضافية بزيارة لافتة في التوقيت والمضمون للرئيس ابراهيم رئيسي إلى روسيا، على مسافة أيام قليلة من دخول اتفاقية التعاون الاستراتيجي مع الصين حيز التنفيذ.

إيران ومواجهة التحديات

لم يكن منتظراً من الجمهورية الإسلامية أن تقف مكتوفة الأيدي أمام الحروب التي شُنّت عليها، وهي التي اختبرت التحديات القاسية منذ انتصار ثورتها الإسلامية ونجحت في تحويل التهديدات إلى فرص، عززت بها صمودها السياسي ومَنعتها الداخلية، ووسعت دائرة حضورها الاقليمي وتأثيرها الدولي، وما اضطرار الدول الغربية إلى مفاوضتها ومن ثم توقيع اتفاق نووي معها عام 2015 سوى اعتراف بفشل سياسة الضغوط في منع مسيرة تقدمها العلمي والتكنولوجي وبناء قوتها العسكرية ونموذجها الحضاري. وهو فشل أعادت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الإسلامية اكتشافه في السنوات التي تلت قرار ادارة الرئيس الإسلامي دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي وفرض اقسى انواع العقوبات عليها، على أمل انهيارها او بالحد الادنى خضوعها، قبل ان تضطر مجددا إلى طرق ابواب طهران لاحتواء استراتيجية تخفيف التزاماتها بالاتفاق النووي، التي رفعت بموجبها التخصيب في منشآتها النووية من 3.67 - وفق ما ينص عليه الاتفاق - إلى 60%، الأمر الذي دفع بإدارة الرئيس جو بايدن إلى وضع العودة إلى الاتفاق في قائمة أولوياته  برغم اعتراض حلفاء واشنطن وشركائها في المنطقة.

التحالفات الاستراتيجية

لكن الرد الإيراني على العقوبات، لم يقتصر على "تحرير" البرنامج النووي من بنود الاتفاق فحسب، وإنما تعداه إلى بناء تحالفات استراتيجية من شأنها أن تقوّي موقع إيران في مواجهة أعدائها من جهة، وتعزّز تأثيرها في المعادلات الإقليمية والدولية من جهة ثانية، وهو ما أكد عليه، مستشار الإمام الخامنئي للشؤون الدولية د. علي أكبر ولايتي في معرض قراءته لزيارة الرئيس الإيراني إلى روسيا وأهمية توثيق العلاقات معها، قائلاً لقد "أصبحت لدينا خيارات عديدة تزيد من تفوقنا على سائر الأطراف في المفاوضات (فيينا).. العقوبات الأمريكية فقدت تأثيرها، وزاد حجم صادراتنا، وتضاعفت علاقاتنا التجارية مع بعض البلدان لا سيما دول المنطقة ومحور المقاومة"، لافتاً إلى أن "إيران لم تكن بالقوة التي هي عليها الآن طيلة الـ 50 عاماً الماضية، وأن الولايات المتحدة تدرك ذلك جيداً، وتعترف أن أبرز أعدائها على صعيد العالم هم الصين وروسيا وإيران".

كلام ولايتي المقرب جدا من قائد الثورة الإسلامية يعطي ابعادا استراتيجية للعلاقات الإيرانية الروسية والإيرانية الصينية تتجاوز بعدها الثنائي نحو انشاء تحالف لمواجهة التهديد الإسلامي وما ينتج عنه من تحديات سياسية واقتصادية وحتى عسكرية، وما التقارب الزمني بين الاعلان عن دخول اتفاقية التعاون الاستراتيجي بين طهران وبكين حيز التنفيذ، وزيارة السيد رئيسي إلى موسكو والبحث في اتفاقية مشابهة، ومن ثم اطلاق مناورات عسكرية مشتركة بين بحرية الدول الثلاث، سوى مؤشر على ان التحالف الثلاثي قد قطع شوطا بعيدا، ويجري تدعيمه بما يحتاج اليه من عوامل قوة وتمتين، تتناسب وحجم تهديد إسلاميا ومن يدور في فلكها.

الاتفاقية الاستراتيجية بين روسيا وإيران

في هذا السياق السياسي جاءت زيارة الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي إلى روسيا، التي استقبلته بحفاوة لافتة عكست بدورها اهمية الزيارة وما سينتج عنها، لاسيما لجهة تعزيز العلاقات، حيث "لا قيود على توسيع وتطوير العلاقات مع روسيا الصديقة التي ترغب إيران لها أن تكون استراتيجية الطابع"، وفق تعبير الضيف الإيراني الذي أكد على اهمية "أن تصبح العلاقات مع روسيا أقوى وأمتن بشكل يخوِّلها التّصدي المستمر لسياسات الهيمنة الإسلامية الهدامة".

بدوره استحضر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التجربة السورية للإشارة إلى أهمية التعاون الروسي الإيراني، وقال خلال استقباله رئيسي في الكرملين إن "التجربة الإيرانية - الروسية في مكافحة الإرهاب في سوريا ممكن أن يبنى عليها، وممكن لهذه التجربة أن تكون أساسا للعلاقات بين البلدين. مضيفا أن "دعم موسكو وطهران أصبح عاملا حاسما ساعد سوريا في تجاوز التهديدات الإرهابية في أراضيها. وأشاد الرئيس الروسي بتطوير العلاقات بين إيران والاتحاد الاقتصادي الأورو/آسيوي، مشيراً إلى أن "العمل جار على إنشاء منطقة تجارة حرة".

وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، الذي رافق الرئيس الإيراني في زيارته إلى روسيا، وصف لقاء رئيسي وبوتين بالمهم، مشيراً إلى أن الرئيسين عقدا "لقاءً مهماً وحميمياً وطويلاً".

وأضاف عبد اللهيان في تغريدة على موقع "تويتر" أن "العلاقات بين طهران وموسكو اتخذت مساراً جديداً ومتنوعاً ومتسارعاً جداً"، حيث "اتفقا على رسم خريطة طريق طويلة الأمد". وختم تغريدته بالقول إن "العالم المستقبل سيعتمد التعددية".

مناورات عسكرية مشتركة

التقارب الذي عكسته زيارة رئيسي إلى روسيا سبقه تقارب مماثل مع الصين حيث دخل الاتفاق الاستراتيجي بين الدولتين حيز التنفيذ بعدما جرى توقيع الاتفاقية التي تشمل التعاون في جميع القطاعات الاقتصادية الصناعية والزراعية والسياحية والتجارية، والأمنية والعسكرية والائتمانية، كما تتضمن تبادل الخبرات في تدريب القوى العاملة، والتعاون التكنولوجي، فضلاً عن التعاون العسكري لتعزيز القدرات الاستراتيجية، والتشاور في القضايا المطروحة في المحافل الدولية. 

وتتضمن الأهداف الأساسية في الاتفاقية نقاطاً تشمل أن تكون الصين "مستورداً مستمراً للنفط الخام الإيراني"، و"الارتقاء بمكانة الجمهورية الإيرانية في مبادرة الطريق والحزام من خلال تطوير النقل المتعدد الأوجه بما في ذلك شبكات السكك الحديدية والطريق السريع والطرقات البرية والبحرية والجوية". وقد أعقب التوقيع على الاتفاقية الممتدة على مدى خمسة وعشرين عاماً، قبول عضوية إيران في منظمة شنغهاي الدولية بقيادة الصين وروسيا، في خطوة عكست استراتيجية التقارب بين الدول الثلاث التي لا تنحصر في المجال السياسي والاقتصادي وانما في المجال العسكري ايضا. ففيما تودّع روسيا ضيفها الإيراني، تبدأ بكين وموسكو وطهران، إجراء تدريبات بحرية مشتركة.  وأوضح مسؤول العلاقات العامة في القوات المسلحة الإيرانية، مصطفى تاج الدين، أن تدريبات "الحزام الأمني البحري 2022" المشتركة تجري في شمال المحيط الهندي، وهي ثالث تدريبات بحرية مشتركة بين الدول الثلاث. مشيراً إلى أن الهدف من التدريبات البحرية المشتركة التي بدأت للمرة الاولى عام 2019، "هو تعزيز الأمن وأسسه في المنطقة، وتوسيع العمل المتعدد الأطراف بين البلدان الثلاثة من أجل التعاون لدعم السلام العالمي والأمن البحري، وتأسيس مجتمع بحري ذي مستقبل مشترك".

خاتمة

على هذا النحو من التعاون الوثيق والشامل، تمضي الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في مسار التوجه شرقاً، للتعامل مع التحديات التي تواجهها والتي تؤمن طهران أن التوصل إلى اتفاق في فيينا مع الدول الغربية، لن يضع حداً للضغوط المتنامية عليها، فهي إذ نجحت في حصر التفاوض في برنامجها النووي، فإن إسرائيل وحلفائها يتربّصون بقدراتها العسكرية ودورها الإقليمي، وهذا يعني أن مسلسل العقوبات لن ينتهي.

إخترنا لكم من العدد