مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية للتجمع: "لإقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وإحالته إلى القضاء للتحقيق معه في كل ما نسب إليه ومعرفة كيف تم تهريب الأموال وكيف سهل هذا الأمر ومن استفاد منه".

العدد رقم 343 التاريخ: 2022-07-01

البريكس والأزمة الأوكرانية.. حياد على الرغم من وضوح المعركة

ابتسام الشامي

تلقي المواجهة الروسية الغربية الساخنة في أوكرانيا بظلالها على منظومة العلاقات الدولية، وتعطي المزيد من المؤشرات عن تحوُّلٍ كبيرٍ في النظام الدولي القائم منذ نهاية الحرب الباردة، سواء لناحية ارتفاع مستوى التأثير السياسي والاقتصادي لبعض الدول أو اصطفافها ضمن تكتلات تسعى لكسر الهيمنة الأمريكية وتشكيل بنية لنظام دولي جديد قائم على التعددية في إدارة العالم.

البريكس وكسر الاحتكار الأمريكي

يشكل الاشتباك الروسي الغربي في أوكرانيا محطةً مفصلية في سياق الصراع الجاري على النظام الدولي الجديد وطريقة إدارة العالم. وهو صراع اتخذ منذ مطلع القرن الجاري أشكالاً متعددة، لم تكن الحروب التي شهدها العقدان الماضيان في غير بقعة من العالم، المعبّر الوحيد عنه، وإنما كان لنشؤ تكتلات دولية ذات طبيعة اقتصادية تأثيره في تأسيس البنية التحتية للنظام الجديد، من خلال أهدافها المتمثلة في كسر عناصر القوة الأمريكية لاسيما الاقتصادية منها والمالية، وهو ما ينطبق إلى حدٍّ ما على مجموعة دول البريكس التي تضم كلّاً من روسيا، الصين، البرازيل، الهند، وجنوب افريقيا. ولئن سبقت ولادة المجموعة الأزمة الأوكرانية الحالية بستة عشر عاماً، إلا أنها تبدو اليوم أمام "فرصة" الترجمة العملية لأهدافها المرسومة، وبالتالي اختبار مدى قدرتها على تحقيقها.

أبصرت مجموعة البريكس النور رسمياً عام 2009 بعد سلسلة من الاجتماعات التحضيرية للدول المؤسسة منذ عام 2006 على وقع نتائج الحربين الأمريكيتَيْن ضد كلٍّ من أفغانستان والعراق، حيث اتّخذت الولايات المتحدة الأمريكية من "الرد" على هجمات الحادي عشر من أيلول، ذريعة لفرض الهيمنة الأمريكية على العالم، وإخضاع دوله لمشيئتها. وقد تبنّت في أول قمة بين رؤساء الدول المؤسسة في مدينة "يكاترينبورغ" الروسية في حزيران 2009، تأسيس نظام عالمي ثنائي القطبية.

تتميز دول المنظمة بأنها من الدول النامية الصناعية، وذات الاقتصادات الكبيرة والصاعدة. ويعيش في الدول الخمس نحو نصف سكان العالم، يتوزعون على مساحة تزيد عن 39 مليون كيلومتر مربع، أي ما يعادل 27% من مساحة اليابسة. أما اقتصاد دول البريكس فيحتل مراتب متقدمة على الصعيد الدولي، ويُعدُّ المنتدى منظمةً دولية مستقلة تعمل على تشجيع التعاون التجاري والسياسي والثقافي بين الدول المنضوية في عضويته، لتحقيق مصالحها المشتركة وأبرزها تشكيل نظام اقتصادي متعدد الأقطاب، قادر على الصمود في وجه الصدمات الاقتصادية العالمية، فضلاً عن "الدفاع عن مصالح الدول النامية وتحقيق السلام العالمي" وفق توصيف الرئيس الصيني السابق لي جينتاو للمنظمة وأهدافها.

البريكس والأزمة الأوكرانية

استحضار مجموعة البريكس في سياق الأزمة الأوكرانية، يأتي وفق ما تقدم من التعريف بأهدافها وطروحاتها منسجماً مع الحدث وليس دخيلاً عليه، لاسيما لناحية مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية عامة والتحديات التي تواجه دول المنظمة على وجه خاص، وتوفير استجابة فعالة لها. وفي هذا السياق جاء التطلع الروسي إلى المجموعة للمساهمة في مواجهة العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة عليها، عبر تشجيع الخطوات التي اتخذتها ومنها فرض التعاملات التجارية بعملتها الوطنية. وخلال اجتماع مع نظرائه في مجموعة البريكس في الثامن من نيسان الماضي، قال وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف، إن "الوضع الاقتصادي العالمي ساء بشكل كبير بسبب العقوبات الغربية"، مشيراً إلى "أن دول بريكس تملك جميع الأدوات اللازمة للتخفيف من سياسة العقوبات على اقتصاداتها والاقتصاد العالمي". وإذا كانت الأدوات متوفرة وفق الوزير الروسي، فإن السؤال المطروح حول القدرة الفعلية لهذه المجموعة على الانخراط في مواجهة اقتصادية ومالية مع الولايات المتحدة والدول الغربية. وكان لافتاً في هذا الإطار، كإجابة على السؤال السابق، إعلان بنك "التنمية الجديد" الذي أنشأته دول منظمة البريكس تعليق المعاملات المالية الجديدة في روسيا، وقال مكتب الخدمة الصحافية للمؤسسة المالية التابعة للبنك: "في ضوء تزايد حالة عدم اليقين والقيود المفروضة، علّق بنك التنمية الجديد المعاملات المالية الجديدة في روسيا"، ما يعني عملياً أن المجموعة تحاذر خوض المواجهة الاقتصادية مباشرة إلى جانب روسيا، من دون أن يعني ذلك أن بعض دولها تقف إلى جانبها، وعلى رأس تلك الدول الصين، التي من المتوقع أن تكون سوق الطاقة الروسية إذا ما اتخذت الدول الأوروبية قراراً بحظر مواردها اليها.

استمرار السعي لتحقيق الاهداف السياسية

انكفاء مجموعة بريكس عن خوض المواجهة الاقتصادية إلى جانب روسيا، يعزوه بعض المراقبين إلى أمرين أساسيين، هما التعثّر الاقتصادي لدول المجموعة أولاً، وعدم انسجامها سياسياً ثانياً، لاسيما لناحية علاقات بعضها بالولايات المتحدة الأمريكية وأجندتها، لكن ذلك لم يمنع المجموعة، في ظلِّ الأزمة الأوكرانية، من إعادة التأكيد على أهدافها السياسية والعمل على تحقيقها. وفي اجتماع وزراء خارجية دول البريكس في التاسع عشر من أيار الجاري، اعتبر وزير الخارجية الصيني وانغ يي، أنه في مواجهة تحديات عالمية جديدة، يجب على دول بريكس التناغم مع الاتجاه العالمي وبناء توافق وتعزيز الثقة، وبذل جهود في التعامل مع المتغيرات العالمية. مشيراً إلى أن اجتماع وزراء خارجية بريكس هو منصة مهمة للتعاون السياسي والأمني بين دول المجموعة، قال وانغ إنه "ينبغي على بلدان بريكس أن تسعى إلى تحقيق الأمن المشترك معاً، وتعمل من أجل تحقيق التنمية المشتركة، وتسعى لبناء جدار حماية من أجل صحة الإنسان، وتدافع عن فلسفة حوكمة عالمية قائمة على مبادئ التشاور المكثف والإسهام المشترك والفوائد المشتركة".

وأكد الوزير الصيني، أنه يتعين على جميع الأطراف أن "تعزز التواصل الاستراتيجي والتنسيق والثقة السياسية المتبادلة، وتعمق التعاون متبادل المنفعة في مختلف المجالات"، مضيفاً أن "جميع الأطراف يجب أن تسعى إلى القوة من خلال الوحدة، وأن تظهر المزيد من الانفتاح والشمول".

خاتمة

مما لا شك فيه أن انزياح العالم نحو بناء نظام دولي جديد، يشكل فرصة للدول والتكتلات الدولية الناشئة على هامش النظام الآفل، لأن تحجز مكانها الجديد وأن تترجم أهدافها بخطوات وإجراءات عملية، لكن ذلك يحتاج إلى قرار سياسي، نابع من قراءة معمقة لحجم التحولات ومسارها، و"المغامرة" بمغادرة موقع الحياد وإعطاء قوة دفع لنظام عالمي يقوم على مبادئ التعددية والتشاركية، فهل تتخذ دول البريكس القرار المطلوب؟.. سؤال برسم المرحلة القادمة وما ستحمله المواجهة الروسية الغربية من تطورات.

إخترنا لكم من العدد