مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية للتجمع: "لإقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وإحالته إلى القضاء للتحقيق معه في كل ما نسب إليه ومعرفة كيف تم تهريب الأموال وكيف سهل هذا الأمر ومن استفاد منه".

العدد رقم 343 التاريخ: 2022-07-01

"افتقاد".. كتابةٌ في ظهيرةِ يومٍ من أيام أيارِ

غسان عبد الله

حدَّثْتَني ليلاً عبر مسامِّ الفرحِ وشرايين الانعتاق.. لكنكَ غبتَ بعيداً في مفردةٍ لم تنظُمْها بعدُ.. في مفردةٍ لم يقلْها الشعراءُ.. غبتَ بعيداً حيثُ الأشياءُ في حالةِ احتضارٍ وشحوب.. وأنا.. يا صاحبي الحميم..

أنا.. افتقدتُكَ منذ بدأتُ أشعرُ بكآبةِ الأشياءِ والكلماتِ المصطنعةِ الإيحاءاتِ الموهومةِ.. أغمضتُ عينيَّ عليك وأشَحْتُها قليلاً عنك.. كنتَ مشغولاً بزرعِ مزيدٍ من الأبوابِ والنوافذ.. والأوقاتِ المضيئة.. وأنا.. لن أُهاجِرَ إليكَ ما دُمتَ في مسامِّ الأمكنة وذراتِ الشحوبِ والخوفِ المصطنعِ من لا شيءٍ هو كلُّ شيءٍ.. لن أجيءَ إليك ما دُمتَ تُراوحُ بين الشَّكِ والظَّنِ ولا تعرفُ لليقين سبيلاً إلا الارتيابْ.

افتقدتُكَ كثيراً.. لكنْ هلاَّ ترَّفَقْتَ قليلاً بهذا المنسكِبِ من عينيكَ دمعاً وحزناً وزفرات؟! رفقاً بالنور، رفقاً بالهوادِجِ.. رفقاً بالسبل المؤدية إليَّ.. بالحدائقِ المؤجلةِ بالحكمةِ المطعونةِ في العَلَنْ.. بالحصى يستفِزُّهُ ذُعْرُ الماءِ.. بالفرسانِ الذين لم يودِّعوا الأهلَ والأحبةَ والخلان.. بالحرَّاسِ الذين يبدأون حَراسَتَهم بالنومِ على صوتك الملائكي.. بصيادي الهيبة والرونق من نبسِ شفاهك.. رفقاً ببعدِكَ الذي طال.

أكتُبُ الآنَ.. في ظهيرةِ يومٍ من أيام أيارِ بكلِّ العطش.. والأرق.. واللوعة المصاحَبَةِ بالعطش اللامتناهي.. أكتُبُ الآن بعد يومٍ من الانهيارات المتتالية حزناً على ما انقضى من الزمان مليئاً بالأحزان.. على ما فات من الفرح اللامكتملِ بلوعةِ المياهِ المحجوبةِ عن القرى ببلدٍ شابَهَ أرضَ الطفوفِ بكلِ شيءٍ حتى بمياهه الممنوعةِ عن الأهلِ والخلان.. أكتبُ الآن.. والعرقُ يتناوش مسام جلدي، ورأسي تغزوه طوارق الأحزان، وقلبي يعتصر ألماً من نهارات أيار المضنية.. أكتب لأني لا أستطيع الحديث عن شيء ولأي أحد.. فكن مسالماً كالموسيقى أو كالعصفورِ على غصنِ شجرة التينِ ينقرُ حبةً ولا يَقْتُلُها، يأكلُ ما يَسُدُّ جوعَ تحلِيقِهِ في فضاءاتِ الخلق.. غامراً كبشارة.. حراً كجبل صلداً كمفاجأة رحباً كآخر الحياة.. كن هكذا..

وأنا الآنَ أرقُبُ جوعَكَ الذي لم نلتقِ إلا عليهِ ووجَعَكَ الذي لا يُبارحُ مفرداتِ حياتي.. أرقُبُ حزنَكَ الذي لم أعرفْ غيرَهُ.. فثمةَ عاشقٌ في هذي الأرضِ الواسعةِ مهووسٌ بالنوافذِ والمصابيحِ والنخلِ حين تداهِمُ أوقاتُ القحطِ سُعُفَ النخيلِ تحت وطأةِ الخفافيش في الليلِ فتَعْلَقُ المصابيحُ في السعفات.. وعند عتباتِ المساء تضجُّ الأرضُ بتمرٍ لم يعهده الخلقُ.. ولم يتذوَّقْهُ العشاقُ والشعراءُ والأشقياءْ.. حنانيك قليلاً.. فقد سئمتُ تبريرَ اقتحامِكَ أسوارَ قلبي، إليكَ عني قليلاً فقد ارتادني الحنانُ كمدمن لوَّعَهُ كأسٌ من التجلي.. إليك عني قليلاً حتى أعرف أين أنا من النجوم.. إليك عني.. فلا شيء أفظعُ من عشقٍ قاتل وقلب خفَقَ حباً ولم يوفق له.

إخترنا لكم من العدد