مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية للتجمع: "لإقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وإحالته إلى القضاء للتحقيق معه في كل ما نسب إليه ومعرفة كيف تم تهريب الأموال وكيف سهل هذا الأمر ومن استفاد منه".

العدد رقم 343 التاريخ: 2022-07-01

جامعاتُ العرب ومنحُ الشّهادات العلمية العالية حديثٌ في العلمِ عند العرب المعاصرين

نبيل علي صالح

 

تَمْنَحُ الجامعاتُ العربية شهاداتٍ علمية عالية من ماجستير ودكتوراه في كثير من حقول العلم والمعرفة المادية والإنسانية؛ ولكن الواقع الاقتصادي والاجتماعي العربي العام الذي لا تنعكس عليه إيجاباً تلك الشهادات (حيث أنه واقع عقيم وفاشل وغير منتج على الرغم من بعض مظاهر العمران والتّمدّن المادي الشكلي في غير مكان وموقع عربي)..

هذا الواقع يجعلنا نقول بأن من يدقّق في معظم تلك الأطروحات "العلمية!" المقدمة لنيل تلك الشهادات، يجد أن غالبيتها تفتقر للإبداع والإضافة النوعية والعُمق المعرفي وإنجاز أسس وشروط البحث العلمي الحقيقي المفترض أن تؤدي في النهاية لإحداث نهضة علمية وصناعية عملية في بلداننا العربية.. فضلاً عن كون تلك الشهادات لا تتمتع بالمنهجية العلمية الصارمة، وربما كان همّ أصحابها، ليس الوصول إلى تحقيق مُنجزٍ علمي ما، بل تحقيق مجد شخصي فارغ، بوضع حرف دال قبل أسمائهم!!.

لقد وصلت أمور وشؤون كثير من جامعات العرب حدوداً هزلية مضحكة ومبكية في آنٍ معاً، إذ تجد أنّ كثيراً من تلك الرسائل "العلمية!" يعتمد أصحابها على النسخ واللصق والنقل وجلب أطروحات قديمة من رفوف (أرفف) المكتبات الجامعية المكتظة بكرّاسات ودراسات مهملة من تلك الرسائل التي لا قيمة لها ولا جدوى منها، دونما أدنى مسؤولية ولا خوف من مساءلة ولا أدنى التزام بالمنهجيات العلمية وأصول البحث والتدقيق العلمي المفترض أن يعتمد على جهود الباحث ووعيه وتجربته ومراجعاته الدّرسيّة البحثية ورغبته الضمنية بالوصول لاكتشاف أو اختراع أو إضافة نوعية جديدة للموضوع الذي يعمل عليه.

إنّ جامعاتنا العربية ما زالت تعاني – في كثير من مواقعها وحالاتها - من البيروقراطية والحالة المدرسيّة التلقينية، وما زالَ البحثُ العلمي في معظمها دون الآمال الكبرى المرجوة في أن يكون بحثاً علمياً تصنيعياً ينفعُ المجتمع والناس في حياتهم وواقعهم الحياتي العام، ويضيفُ أشياء نوعية جديدة للحياة والعصر، بما يجعل من البلدان العربية دولاً صناعية حقيقية بامتياز، وليسَ مجرّد دولٍ تتطفّل وتتعيشُ على موائد غيرها من لئام هذا العالم اللاإنساني.. وربما لا يجب هنا تشديد النقد والمساءلة أو توجيه اللوم - على ما يجري ضمن جامعاتنا من إحباطات علمية، وانشغالات وهموم معيشية باتت ترتهن إليها جموع المدرسين والأساتذة الجامعيين - إلى الجامعات نفسها (بكوادرها ومعاهدها وبحوثها) فقط، بل ربما يجب الإشارة النقدية إلى طبيعة الأجواء السياسية والاقتصادية التي وضعت فيها تلك الجامعات التي تعمل ضمن مناخات سياسية مستبدة وقمعية بعيدة عن الحريات السياسية وحتى الأكاديمية، فضلاً عما تعانيه من قلة الحافز والمردود المادي، وضآلة الإنفاق المالي أي ضعف الميزانيات المخصصة للبحوث العلمية، واهتراء البنية العلمية البحثية العربية، ونقص التجهيزات العلمية والتقنية، ونقص الفنيين المتخصصين في التقنيات الحديثة، والتدخلات فيها من النخب السياسية التي تحدد لها أهدافها وغاياتها، فضلاً عن أجواء ومواقع المصادرة والمنع والاحتكار تقوم بها دول كبرى في محاولات دائمة ومستمرة منها لإبقاء جامعات العرب متخلفة وبعيدة عن أهم مراكز البحوث العلمية العالمية.. وحتى على مستوى آلية منح الشهادات العلمية.. وبعض النقاط الإيجابية في هذا المجال لا يغير من حقيقة الصورة شيئاً، وهي أن الغرب في سياساته وعلومه وجامعاته ما زال يحارب العرب للأسف الشديد..!!.

.. وبهذا الشأن تفيد دراسة لليونسكو بأن الانتاجية العلمية في العالم العربي متدنية جداً، فقد كان هنالك على سبيل المثال سبعة آلاف باحث، وكان من المتوقع أن ينتج هؤلاء ما بين (8000 و14000) بحث سنوياً، إلا أن المنشور فعلاً بلغ (847) بحثاً أي بحدود (10 في المائة) من المتوقع.

.. وأما على مستوانا الداخلي المحلي العربي، فنحن نعتقد أن الحصول على شهادات عليا يجب أن يقوم وينبني على تقديم أطروحات بحث علمي حقيقي بحيث تُعطى الشهادة العليا في هذا الاختصاص أو ذاك فقط للإبداع والجدة والاكتشاف والاختراع ووإلخ.. لكننا نرى اليوم أنها تمنح في جامعاتنا العربية لمن هبّ ودب.. يعني لمن لديه واسطة أو يملك مالاً أو نفوذاً سياسياً أو أمنياً من هنا أو اجتماعياً من هناك وغيرها.

وللأسف لن تتقدم جامعاتنا العربية خطوة للأمام على هذا الصعيد العلمي البحثي، إلا إذا أُعيد النظر في العملية التعليمية برمتها، خاصة على صعيد البحوث العلمية وانعكاساتها الإيجابية على صعيد التنمية وعلاقة الجامعات بالمجتمعات ككل.

وربما يجبُ القولُ بأنه لا بد أساساً من إعادة النظر في الأفكار والقيم التي تتحكم ليس فقط بآليات القرار الجامعي بل بالقرار السياسي، حيث أننا لو تابعنا مثلاً فضائيات العرب -ومختلف شاشاتهم ومنصاتهم الإعلامية الرقمية وغير الرقمية- سنأخذ فكرة حقيقية عنهم، عن فكرهم ووعيهم وطبيعة إدراكهم لأنفسهم وللحياة، وطبيعة أوضاع علمهم وجامعاتهم وتعليمهم وعلومهم... من حيث أنهم قوم لا عدو لهم سوى العقل والضمير والقانون والأخلاق!!.

تراهم يبذّرون أموالهم على برامج الفتن والمؤامرات التي تعكس طبيعة تفكيرهم في أروقة صالوناتهم السياسية.. وينفقون ثروات الأمة على برامج الاستهلاك الفارغ.. يعني: فقر عقلي، وغباء سياسي، وحفلات مجون وجنون لا حدود لها.. أموال تهدر ليلاً ونهاراً على التمييع والإلهاء والتيئيس ووإلخ.

.. وهذه الأموال (التي تهدر على تفتيت الوعي وتفكيك القيم القارّة واستبدالها بقيم خنوعية إخضاعية إذلالية تحت مسميات راهنة وعصرية، والتي لا تعطي ولا تصنع سوى الإمّعات ومستلبي الإرادة)، أليس من الأولى صرفها وإنفاقها على مراكز البحث العلمي وتنمية العقول وبناء الكفاءات وتأسيس مجتمعات مدنية متطورة؟!..

ولكن حتى تصرف أموال العرب على العلم والعقل والتصنيع والتقنية وتنمية العقول، تحتاج لإدارات مؤسسية ونظم منتخبة ومؤسسات عقلانية ومراكز بحثية حقيقية، وهي كلها بذاتها تشتغل بالعقل والعلم، وتؤمن بالحرية وبالحقوق المعيارية.

لكن للأسف كل الغايات والأغراض غير النبيلة من وراء ما يجري في بلداننا، تكمن فقط في تدمير طاقات الشباب، ونسف نزعة المقاومة وفكرة التمرد على السائد والنمطي والتقليدي فيها، وصرف أنظارها عن العلم والبناء النفسي الحقيقي وإلهاء الناس بسفاسف الأمور وتوافهها.

وبطبيعة الحال، لو لم يكن توجد قابليات واستعدادات ذاتية ما كانت لتنجح عندهم (عند العرب) تلك المشاريع والرؤى الإخضاعية الخنوعية الاستلابية المدمرة للذات..!!. فدود الخل منه وفيه كما يقال..!!

.. وأما عن المسؤولية، فهي منحصرة في العمق بأصحاب القرار وصنّاعه والمشرفين على تنفيذه، والقابلين به، والمنصاعين له.. ونحن لا نعمم، نحن نسائل واقعاً عربياً – في العلم والجامعات وفي المجتمع والسياسات- تم تشخيص مرضه بالاستبداد والفساد.. والعلاج يكون بالتغيير، أما كيف ومتى وبأية وسيلة؟!.. فهذه مسألةٌ لا أحد يستطيعُ وضعها في سياق التّحقق أو التنبؤ بزمن حدوثها وانبلاج شعلتها.. مع أننا نقف مع الإصلاح السياسي العربي الطويل السلمي الذي يعالج أوضاعنا المزرية بهدوء وروية وعقلانية.. ولسنا مع العلاجات الفجائية التغييرية الجذرية المكلفة.. ولكن صعب توقّع المآلات النهائية لأزماتنا العربية المتفاقمة، سواء في العلم أو في غيره، في عالم متداخل ومتشابك له مصالح تتناقض مع مصالح الشعوب والمجتمعات العربية ذاتها!!.

إخترنا لكم من العدد