مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: " يدعو التجمع الرؤساء الثلاثة أن يستقبلوا السمسار الأمريكي- الصهيوني الهوى عاموس هوكشتاين بموقف ثابت وموحد وعدم الخوض معه في أي شروط جديدة فأما أن يقبل بالعرض كما هو أو فلنذهب إلى تعديل الترسيم إلى الخط 29 ".

العدد رقم 356 التاريخ: 2022-09-30

اليسار يتمدد في أمريكا اللاتينية.. كولومبيا تخلع ثوب اليمين

ابتسام الشامي

صفعة مدوية تلقّتها الولايات المتحدة الأمريكية بفوز غوستافو بيترو بانتخابات الرئاسة الكولومبية، ليس بسبب هويته اليسارية فحسب، وإنما لامتلاكه إلى ذلك، رؤية اقتصادية، تستثمر في موارد كولومبيا الإنسانية والطبيعية، ومشروعاً تغييرياً يعيد تعريف هويتها السياسية وعلاقاتها الإقليمية والدولية.

انتخابات التحول

انتهت الانتخابات الرئاسية الكولومبية في جولتها الثانية في التاسع عشر من الجاري، بفوز أول يساري في تاريخ البلاد، المرتبطة بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، توزّعت أسباب قوتها على مدى عقود من الزمن، بين مصالح اقتصادية جمعت الرأسمالية الكولومبية بواشنطن والشركات الدولية متعددة الجنسيات، ومخاوف مصطنعة من الشيوعية والمد اليساري غذّتها أمريكا على الدوام في ما يسمى بوابتها الجنوبية نحو أمريكا اللاتينية، ما مكّنها  من الإمساك بزمام القرار السياسي في بوغوتا، لتكون الأخيرة في صلب السياسية الخارجية الأمريكية، تحارب بالسيف الأمريكي داخل البلاد وخارجها.

فوز الرجل الملقب بكاسترو شافيستا، نسبة إلى تأثُّره الشديد برئيس كوبا وأيقونة ثورتها فيديل كاسترو، يضع كولومبيا أمام مرحلة جديدة من تاريخها واستحقاق كبير، عنوانه التغيير الاقتصادي والسياسي في بلد أثقلت الطغمة اليمينية الحاكمة كاهله، عندما سمحت باستباحته من شركات التنقيب عن النفط، وتجارة الكوكايين المزدهرة. ولعل فوزه أمام خصمه المليونير، رودولفو هيرنانديز بنسبة 50.45% من أصوات الناخبين، أعطى مؤشراً على انجذاب الكولومبيين للتغيير وتأثّرهم بخطاب الرئيس المنتخب لاسيما رؤيته الاقتصادية وفي جوهرها الاستثمار في قطاعات الانتاج.

خطاب بيترو

الرئيس السابق لبلدية بوغوتا الذي اقتحم الحياة السياسية آتياً من ساحات النضال في وجه الرأسمالية في تسعينيات القرن الماضي، يؤمن أن انهيار النظام الاقتصادي الكولومبي سببه الإفراط في اعتماده على صادرات النفط وتجارة الكوكايين غير القانونية، التي جعلت "الأغنياء أكثر ثراء والفقراء أفقر". لذلك فإن وعوده الانتخابية ارتكزت إلى فكرة الحد من توقيع عقود جديدة للتنقيب عن النفط، وبالعمل على تطوير الصناعات المختلفة وتعزيز القطاع الزراعي، وإيلاء الشأن الاجتماعي أهمية قصوى، من خلال مجموعة من الإصلاحات، من بينها إصلاح النظام التقاعدي، وإنهاء الإعفاءات الضريبية. فضلاً عن تعهّده بفرض ضريبة مرتفعة على الأغنياء. وهو ما أشعل الأضواء الحمراء في أوساط حيتان المال والأعمال، الذين وظفوا ما أمكنهم من قوة مالية و"تأثيرية" في مقدمتها الكنيسة لقطع الطريق على وصوله إلى سدة الرئاسة من دون جدوى.

وفي هذا السياق، يعيد أستاذ العلوم السياسية الكولومبي، فيسنتي توريغوس، في حديث لشبكة "سي إن إن بالإسبانية"، فوز بيترو إلى ثلاثة أسباب هي، تمكّنه من توحيد اليسار، وإبداعه في التسويق السياسي، ونجاحه في جذب النخب السياسية التقليدية.

تحول سياسي

على أن الأضواء الحمراء نتيجة فوز غوستافو بيترو، لم تشتعل في أوساط البرجوازية الكولومبية فحسب وإنما في الولايات المتحدة الأمريكية، بالنظر إلى ما يمكن أن يقدم عليه الرئيس الكولومبي الجديد من خطوات عملية تترجم أفكاره السياسية ونظرته لعلاقة بلاده بواشنطن، وعلاقاتها بدول الجوار. وهو ما غمزت من قناته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، التي توقّعت أن يؤدّي وصول بيترو إلى الرئاسة "إلى تغيير علاقة كولومبيا بالولايات المتحدة"، مشيرة إلى أنه وعد في حملته الانتخابية بإعادة تقييم تلك العلاقة. علماً أنه حدّد لاحقاً شكل العلاقة مع الولايات المتحدة، وقال في مقابلة صحافية معه، إنها "ستركّز على العمل سوية لمعالجة تغير المناخ، وعلى وجه التحديد وقف التآكل السريع في منطقة الأمازون".

وفي إطار الحديث عن التحولات السياسية المتوقعة في كولومبيا، تخشى واشنطن من تحالفات جديدة تجمع بوغوتا بعدد من عواصم أمريكا اللاتينية ذات الهوية اليسارية وعلى رأسها كاراكاس، وهو ما من شأنه أن يفقد الولايات المتحدة ورقة ضغط كبيرة على فنزويلا. مع التذكير هنا بأن البيت الأبيض الذي فرض حصاراً على البلاد الكاريبية، اتخذ من كولومبيا قاعدة إسناد لانقلاب فاشل على الرئيس نيكولاس مادورو، وصل حد استخدام الأراضي الكولومبية للقيام بأعمال أمنية تستهدف مَواطن قوة النظام وشخصياته، فضلاً عن التجهيز العسكري لغزو لوّح به مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق جون بولتون ومسؤول ملف فنزويلا زمن إدارة دونالد ترامب إليوت أبرامز. ولعلّ من أولى التداعيات المتوقعة لفوز اليساري بيترو برئاسة كولومبيا، بحسب الخبير في شؤون أمريكا اللاتينية الصحافي علي فرحات، فكّ حصار الأخيرة عن فنزويلا و"تطبيع العلاقات معها وصولاً ربما إلى شراكة سياسية واقتصادية بين البلدين، بما يساعد أيضاً على تحصين التمدد اليساري في عموم أمريكا اللاتينية بعد سيطرته على تشيلي والأرجنتين وبوليفيا، واتجاه البرازيل بعد أشهر للعودة إلى حضن حزب العمال وزعيمه لويس إيناسيو لولا دا سيلفا"(1).

ترحيب يساري واسع

نتائج انتخابات الرئاسة الكولومبية، وفوز اليسار فيها للمرة الأولى في تاريخ البلاد، أنعشت بدورها آمال اليساريين في عموم أمريكا اللاتينية، وهو ما عبّرت عنه مواقف الدول ذات الهوية اليسارية من فوز بيترو، وقد أملت المواقف الصادرة ببدء مرحلة جديدة من التعاون لخدمة الدول التي عانت من الحقبة اليمينية المدعومة من الولايات المتحدة.

في هذا الإطار كتب رئيس تشيلي، غابريال بوريك، في تغريدة على تويتر "أنا سعيد لأمريكا اللاتينية سنعمل معاً من أجل وحدة قارتنا في مواجهة تحديات عالم سريع التغير.. إلى الأمام".

من جهته، الرئيس الأرجنتيني، ألبيرتو فيرنانديز، غرد قائلا "يملؤني الفرح بالنصر الذي حققه غوستافو بيترو وفرانسيا ماركيز- نائبة الرئيس - نقلت تهاني للرئيس المنتخب على الثقة التي منحها إياه الشعب الكولومبي. انتصاره يؤكد الديموقراطية ويضمن الطريق نحو أمريكا لاتينية متكاملة، في هذه الأوقات التي تتطلب أقصى قدر من التضامن بين الشعوب الشقيقة".

اما الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، فقد هنّأ "غوستافو بيترو وفرانسيا ماركيز بفوزهما التاريخي في الانتخابات الرئاسية في كولومبيا" وأضاف في تغريدة عبر موقع تويتر "لقد سُمع صوت إرادة الشعب الكولومبي الذي احتشد دفاعاً عن طريق الديموقراطية والسلام... أزمنة جديدة تلوح في الأفق بالنسبة إلى هذا البلد الشقيق".

وفي السياق نفسه جاءت تهنئة الرئيس المكسيكي، أندريس مانويل لوبيز لغوستافو بيترو على "انتصاره التاريخيّ". وأضاف لطالما كان المحافظون الكولومبيون عنيدين وصارمين".

"الانتصار التاريخي" عبارة تكررت أيضاً على لسان رئيس كوبا، ميغيل دياز كانيل، الذي اعتبر أن فوز بيترو يتعلق بانتصار شعبي تاريخي. وغرد قائلاً: "نكرر رغبتنا في إحراز تقدم في تطوير العلاقات الثنائية من أجل رفاهية شعوبنا".

اما رئيس بوليفيا، لويس آرسي، فقد رأى في فوز بيترو وماركيز في صناديق الاقتراع "أن التكامل في أمريكا اللاتينية قد تعزز".

خاتمة

أرخت نتائج الانتخابات الكولومبية أجواء إيجابية في أمريكا اللاتينية وأنعشت الآمال بتعاون يساري مشترك ينهض بواقع الدول الرازحة تحت ثقل الكثير من الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، لكنها في المقابل أطلقت أجراس الإنذار في الولايات المتحدة، على وقع خسارة الأخيرة المزيد من الحلفاء في حديقتها الجنوبية، والخوف الأمريكي لا يقتصر على الخسارة فحسب، وإنما على فرص دخول كل من روسيا والصين إلى هذه الحديقة، في ظلّ تصاعد حدّة الصراع الجاري بين واشنطن وكلٍّ من بكين وموسكو. علماً أن روسيا دخلت بوليفيا من أبوابها الواسعة، عبر عقد اتفاقات شملت استخراج المعادن وإنتاج الطاقة وتطوير المحطات النووية للأغراض السلمية.

1 - علي فرحات، خيبات واشنطن تتكاثر: اليسار...في كولومبيا أيضاً، الأربعاء، 22 حزيران، 2022

إخترنا لكم من العدد