مجلة البلاد الإلكترونية

معركة خاضتها حركة واحدة ضدّ العدو الصهيوني أوصلت إلى انتصارٍ كبير فكيف لو كانت المعركة بمشاركة كلّ محور المقاومة.. فإن الزوال للكيان الصهيوني سيكون النتيجة الحتمية لها؟!.

العدد رقم 349 التاريخ: 2022-08-12

العلاقة بين السياسة والاستراتيجية وبين القدرة العسكرية وتطبيقها

التقدير الذي ساد وسط معظم الخبراء العسكريين عشية اندلاع الحرب في أوكرانيا هو أنّ روسيا ستحسم المعركة سريعاً، نظراً لموازين القوى التي تميل بشكل كبير لصالح موسكو.

أدّت المعركة في جورجيا (2008)، وضمّ شبه جزيرة القرم (2014) والتدخّل العسكري الفعال في سوريا (2015)، إلى فرضية أساس تتعلق بتفوّق القوة العسكرية الروسية والنتائج المرتقبة والحتمية للمواجهة بين الدولتين.

لكن بعد أكثر من 100 يوم من القتال الدامي، فشل خلالها الجيش الروسي في تحقيق أهدافه الإستراتيجية، تم تسليط الضوء مرة أخرى على الفهم الأساسي لظاهرة الحرب، وأنه بدون استراتيجية شاملة، تشتقّ منها خطة عملانية منسّقة ودقيقة، تعتمد على كفاءة عملياتية كافية للقوات المقاتلة، لا يمكن تحقيق الحسم في ميدان المعركة.

إن مواجهة الصورة العسكرية الروسية بأرض الواقع في ساحات المعارك الدموية في أوكرانيا قوضت قوة الردع الروسية وقوضت البنية الأمنية التي سعت إلى تعزيزها.

تظهر المعركة في أوكرانيا، بشكل واضح الفجوة العميقة التي كانت تعاني منها القيادة الروسية عشية اندلاع الحرب بخصوص وضع العدوّ (قدرات وحافزية)، قدرات الجيش الروسي، ردّ البيئة الدولية والأثمان الباهظة المتوقّعة لاقتصادها، مكانتها واستقرارها. هذه الفجوة التي تتكشّف بين النظرة المغلوطة إلى الواقع وبين ميدان المعركة (الواقع نفسه) قد تتجلّى على الصعيد التكتيكي بإنجاز محدود، أمّا على المستوى الإستراتيجي فستتجلّى بفشل سياسي - بنيوي ذي تداعيات بعيدة المدى قد تلحق ضررا بالمصالح الجوهرية للأمن القومي الروسي.

الحرب في أوكرانيا في أوجها، ومن الصعب تقدير التحولات القادمة في الدراما التي تتكشف أمام أعيننا، والتي لها آثار بعيدة المدى ومباشرة على النظام العالمي والأمن في الشرق الأوسط. مع هذا، مطلوب من الجيش الاسرائيلي منذ الآن أن يستخلص العبر البنيوية في ضوء احتمال أن يضطرّ للخروج إلى معركة في قطاع غزة أو في لبنان ضدّ عدو غير متكافئ، مزروع في بيئة عمرانية - مدنية ويمتلك قدرات نارية متطورة، قوية ودقيقة.

العبرة الأساسية هي أنّه لا يجب على القيادة السياسية والعسكرية أن تقف مكتوفة الأيدي، وأن تفحص فحصاً نقدياً كلّ الفرضيات، وتبلور استراتيجية تكون متناسبة مع قدرات الجيش ومؤهلاته. أي فجوة بين النظرة إلى الواقع (جانب أزرق وأحمر) من قبل المستوى السياسي قد تؤدّي إلى أثمان باهظة، وتستدعي عملية تنسيق وتزامن دائم للتأكّد من أنّ كلّ مكوّنات المنظومة الأمنية - السياسية تشارك في تلك التصوّرات والأفكار بخصوص أهداف المعركة، نظرية التشغيل، ونظرية "يوم ما بعد" المواجهة من أجل تحسين الميزان الاستراتيجي العام.

بالإضافة إلى ذلك، المعركة في أوكرانيا تظهر أهمية مطابقة نظرية التشغيل العسكرية مع الوسائل القتالية والتكنولوجية المتطوّرة من أجل إرساء التفوق عملياً في ميدان المعركة. هكذا، لا يعدّ ترفا تبنّي ثقافة تجديدية بل هو ضرورة وعلى القيادة العسكرية الرفيعة أن تستثمر في مسارات التعلّم والتغيّر على قاعدة ثابتة من أجل المحافظة على تفوّقها العسكري.

"نظرية التشغيل للنصر" الخاصة بالجيش مخصصة للردّ على تحدي التفوّق العسكري. هذه النظرية التي صيغت في العام 2019 بمبادرة من قائد الأركان أفيف كوخافي، ارتكزت على فرضية أن ّ القوة العسكرية التي يمتلكها الجيش تستدعي مطابقات عديدة في ضوء تغيرات العدوّ البنيوية، ونشأة "جيوش إرهاب" تمتلك النيران الدقيقة والقوّة. نظرية التشغيل للنصر لم تُعنَ بسؤال "ما الذي يحسم" وإنّما بشكل عميق بسؤال "كيف نحسم"، ما يعني نقاشا نقديا في مجال القدرات العسكرية والمناهج القتالية عينها التي يفترض بها أن ترفع مستوى التفوّق النوعي وتزيد فاعلية الجيش العسكرية.

في هذا السياق، يمكن إيجاد لمحة عن جدل ونقاش التغيّر في الجيش، في كتاب جديد للعميد 'عيرن أور طل'، قائد مركز ددو للتفكير العسكري متعدد المجالات (هيئة ضمن شعبة عمليات الجيش)، "الحرب التي ما قبل". هذا الكتاب يعرض بالتفصيل المناقشات، التخبّطات والصعوبات الحقيقية المرتبطة بالتغيّر الداخلي في الجيش. الرسالة المركزية تتعلّق بالتقدير بأنّ الجيش على مفترق طرق عليه فيه أن يتبنّى منهجية "تحديث قيمة"(تغيير نموذجي)، وتغييرا شاملاً ليعيد صناعة نفسه في السباق الاستراتيجي المتنامي مع أعدائه. هذا المسار منوط بتغيير جوهري في ثلاثة أبعاد: نظرية، تكنولوجية وتنظيم، تلخّص القدرات الكامنة وتسمح بقفزة عسكرية حقيقية.

"نظرية التشغيل للنصر" تستدعي تنسيقاً كاملاً للمؤسسة العسكرية، مع إظهار كفاءة قتالية عالية تتجسّد تجلياتها في ميدان المعركة المستقبلي. مع هذا، ستكون النظرية فعالة فقط إذا ما عبّرت عن قفزة حقيقية في القدرات العسكرية والمناهج القتالية وفي تكامل جميع الوحدات واندماجها في منظومة واحدة. المؤسسات الكبرى عموما، والمؤسسة العسكرية خصوصا، لديها صعوبات تغيّر ذاتية أو متأصّلة، وكثيراً ما ينظر، بنحو غير عادل، إلى المطابقات التنظيمية/ التكنولوجية أو إدخال وسائل قتالية جديدة، وكأنّها عملية تحديث. المعركة في أوكرانيا أظهرت أنّه من الأفضل معرفة ثغرات الكفاءات والقدرات قبل اندلاع المعارك وليس خلالها.

إلى جانب ذلك، الحرب أظهرت حاجة الجيش إلى ترسيخ تفوّق عسكري مقابل أعدائه وخصومه الإقليميين، والحفاظ على حرية عمله في المعركة بين الحروب وفي الحرب. في هذا السياق، لا شكّ بأنّ إدارة سياسة مدروسة تنسجم مع مصالح في الأمن القومي مقابل القوى الكبرى، لها أهمية استراتيجية في الجانبين. هكذا، التفوّق العسكري يستند إلى إدارة مدروسة لمسارات بناء القوة، المشتريات تعاظم القدرات في مجال الوسائل القتالية الحديثة من الولايات المتحدة ضمن الحفاظ على التفوّق العسكري النوعي (QME)، الوارد في القانون الأميركي. أكثر من هذا، التعاون الإستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة يشكّل مكوّناً مركزياً في نظرية الأمن القومي وفي قوّة ردعها، وهي ذخر لا ينبغي إحداث شقّ فيه أو تقويضه.

بالإضافة إلى هذا، نشاط الجيش في الساحة الشمالية يستلزم وجود آلية منع احتكاك مع الجيش الروسي، مع توظيف الحراك السياسي والأمني الدائم للحفظ على حرية العمل العملياتية. في هذا السياق، الحوار الدائم مع الروس له قيمة عملانية مهمة في معركة كبح تمركز إيران، ومنع نقل السلاح المتطوّر، لكنّه أيضا قد يضرّ بالعلاقات الإستراتيجية مع الولايات المتحدة في ضوء تأزّم الحرب في أوكرانيا. هذه التعقيدات تستدعي ذكاءً استراتيجياً في إدارة الحوار الدائم مع الروس، إلى جانب حذر مضاعف كي لا تضرّ هذه العلاقات بالعلاقات الوديّة مع الولايات المتحدة.

وهناك أيضاً قضية الشرعية والوعي التي بدت قضية مركزية في الحرب الأوكرانية تنعكس على المنعة القومية، وعلى الأثمان المصاحبة على الجانب المهاجم من جهة المجتمع الدولي (عقوبات اقتصادية، تشويه سمعة وإبعاد من المنظمات والمؤتمرات الدولية، عزلة دولية). صبر المجتمع الدولية على معركة فيها ضحايا مدنيون أبرياء، وتلحق ضرراً (برأيه) غير تناسبي على البنى التحتية والمؤسسات المدنية، قد تقلّص كثيرا على أثر مشاهد الحرب في أوكرانيا.

إسرائيل يجب أن تفهم أنّ ميدان الشرعية والوعي هو ميدان معركة بكلّ معنى الكلمة، تتحرّك في الروتين وفي الطوارئ قوى سياسية، منظّمات دولية ومدنية هدفها تشويه صورة إسرائيل ونزع الشرعية عنها، ضرب حرية عمل الجيش والتسبّب لها بضرر سياسي واسع وبعيد المدى. مطلوب من إسرائيل أن توظّف جهد الشرعية باعتباره جهدا قوميا شاملا يجمع القدرات الاستخبارية، الديبلوماسية والسياسية لكبح انجراف الرأي العام العالمي الذي قد ينعكس على حرية العمل العسكرية وعلى مكانة إسرائيل في الساحة الدولية.

"أوّلاً للفكر وآخراً للفعل" - اللواء تامير يدعي (قائد ذراع البرّد) حدَّد في مؤتمر معهد السياسة والاستراتيجية أنّ مهمة الجيش المركزية هي الانتصار في حرب قصيرة مع إظهار التفوّق العسكري، نقل المعركة إلى الطرف الآخر مع شلّ تهديد النار وتقليص المسّ بقوات الجيش والجبهة الداخلية، إلى جانب تعزيز الردع على أساس قدرات حقيقية، وكفاءة مهنية عالية. مع هذا، من دون استراتيجية شاملة تسعى إلى تحسين الميزان الإستراتيجي لإسرائيل، تعزيز قوة الردع وتشخيص "وضع نهاية" مفضّل على قاعدة مطابقة توقّعات كاملة بين المستويين السياسي والعسكري، حينها قد تكون مشوبة بالشكّ قدرة الحسم في المعركة المقبلة، والأثمان على الصعيد الاستراتيجي - العملاني والتكتيكي تكون باهظة جداً.

معهد السياسات والاستراتيجية – اللواء في الاحتياط عاموس غلعاد

 

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

إخترنا لكم من العدد