مجلة البلاد الإلكترونية

معركة خاضتها حركة واحدة ضدّ العدو الصهيوني أوصلت إلى انتصارٍ كبير فكيف لو كانت المعركة بمشاركة كلّ محور المقاومة.. فإن الزوال للكيان الصهيوني سيكون النتيجة الحتمية لها؟!.

العدد رقم 349 التاريخ: 2022-08-12

أهمية النقد بالنسبة إلى الأدب

غسان عبد الله

لا يُسأل شاعر عربي عن حال النقد في أيامنا إلا ويسارع إلى الشكوى من ضموره أو انحطاطه أو غيابه. ومعظم الشعراء العرب يمارسون الكتابة النقدية لسبب أو لآخر. وهم بذلك يشكلون جزءاً ليس بسيطاً من الحال النقدية التي يشْكون منها، وإن كانوا يميّزون كتاباتهم عن الدراسات النقدية ذات الطابع الأكاديمي، ومنهم من يترفّع عن الاتصاف بصفة الناقد.

الشعراء يشكلون جزءاً من الحال النقدية حتى وإن لم يمارسوا الكتابة في مجال النقد، يشكّلون ذلك بما لهم من مواقف وأحكام، وبما لهم من أذواق وتأثير في الذائقة العامة. لهذا يمكننا الكلام على مسؤولية الشعراء في تكوين الحال النقدية السائدة اليوم.

يمكننا الكلام على هذه المسؤولية من ناحيتين: الأولى تتعلق بواقع الشعر نفسه، والثانية تتعلق بملاحظات عن أغراض بعض الشعراء وتصرفاتهم. في الناحية الأولى نستطيع القول إن الساحة الشعرية العربية باتت مستباحة لأعداد كبيرة من كتّاب الشعر، الذين لا يملكون - في غالبيتهم - المقوِّمات الكافية للكتابة. هؤلاء الكتّاب لا يتورّعون عن الإدلاء بدلائهم في مجال النقد، ويجدون في وسائل الإعلام فرصاً للتّعبير عن اتجاهات شعرية يتوهمون أنهم في سياقاتها. وغالباً ما ينضوي هؤلاء الكتَّاب في تكتلات "صغيرة" أو كبيرة، تحكمها علاقات شخصية لا شأن لها بأي أمر فني. من كل ذلك تخرج كتابات نقدية ضحلة، تتناسب في ضحالتها مع الكتابات الشعرية لأصحابها. وفي هذا إساءة للمشهدين الشعري والنقدي على السواء.

في الناحية الثانية، نستطيع القول إنّ بعض الشعراء ممّن يمارس الكتابة النقدية ويملك الكفايات المطلوبة لها، ينجرّ أحياناً، أو غالباً، وراء أغراض لا تمتُّ بصلات قوية إلى مواقفه أو قناعاته الفنية، فيكتب المقالات - القصيرة أو المطولة - في مديح هذا أو ذمّ ذاك، لتصفية حسابات ضيّقة، يتوخى منها الكسب أو الانتقام. ولا يخفى على قارئ مثل هذه المقالات ما فيها من ممالأة أو مجافاة للصدق. وهذا أيضاً يُسيء أبلغ الإساءة للمشهد النقدي، بل يجعله مليئاً بالزّيف، ويتركه على هامش الحياة الثقافية، لا يكاد يلتفت اليه أحد. وإذا كانت له تأثيرات على الشعر فإنها تأثيرات سلبية أو مفسدة.

اذاً، ليس لكتّاب الشعر أن يُلقوا المسؤولية عن تقهقر النقد على المنصرفين إليه أو المتخصصين فيه، فمسؤوليتهم هم ليست بسيطة في العمل على خلق حركة نقدية حقّة، تكون فاعلة وصادقة في طرحها الأسئلة العميقة على الشعر بخاصة، وعلى الأدب بعامة.

وطالما كان الشعراء - على مرّ العصور - أصحاب الآراء الحاسمة في رسم الملامح الأساسية لاتجاهات الشعر ومراحله. ولو أخذنا على سبيل المثال تطوّر الحركتين الشعرية والنقدية في تراثنا العربي، للاحظنا أن الشّعراء كانوا أصحاب النظرات الثاقبة والآراء السديدة في الحكم على النتاج الشعري منذ بداياته المعروفة في العصر الجاهلي، وذلك على الرغم من قيام حركة نقدية قوية ظهرت بوادرها في القرن الثالث للهجرة.

لقد أنتجت الحركة النقدية العربية في العصور العباسية نظرية عامة في الشعر سمّيت "عمود الشعر". ولكن على الرغم من ذلك كان للشعراء، ومعهم الفلاسفة، إسهامات نقدية أثَّرت على نحو أكثر عمقاً من إسهامات النقّاد أنفسهم. وفيما كان النقّاد يسعون إلى تحديد الشعر وتقييده بالمعايير والمقاييس، كان الشعراء يقومون بتحريره وإطلاقه إلى آفاق جديدة. ويكفي أن نذكر هنا ما قام به أبو تمام في الشعر، وما رُوي عنه من آراء تذهب في تقويمه وفهمه أبعد من النقد. وكان لمختاراته في "ديوان الحماسة" أبعاد نقدية مهمة.

ومن الظواهر النقدية التي نشهدها يومياً، تلك المتابعات أو المراجعات التي تفتح لها الصحف صفحاتها الثقافية. ومن حيث المبدأ، قد تكون مراجعة الكتب الصادرة حديثاً ذات فائدة ملموسة وتراكمية، لما تنطوي عليه من رصد وتقويم للنتاج الجديد، وتالياً لما ينبغي أن تؤدي إليه من تحديد للمستجدات أو المتغيرات في الحركة الأدبية. هذا من حيث المبدأ، ولكن ما يحصل فعلاً لا يؤدّي - ويا للأسف - المهمة المشار إليها.

ما يُكتب من نقد صحافي هو في معظمه شهادات قاصرة أو مزيفة. الأولى، أي الشّهادات القاصرة، نقصد بها تلك الكتابات التي يكتبها أشخاص متطفلون على النقد، وهم كثر في ساحتنا الثقافية التي تسودها الفوضى، وتبدو سائبة لكلّ من يرغب في ارتيادها، أو حتى في تصدرها. أما الثانية، أي الشهادات المزيفة، فنقصد بها تلك الكتابات التي تصدر عن كتّاب متخصصين، أي معنيين بشؤون الأدب والنقد، ومنهم شعراء وروائيون... وغير ذلك. ومن المؤسف أن الكثيرين من أصحاب هذه الكتابات يملكون القدرة على إعطاء آراء نقدية ذات قيمة، أي أنهم على قدرٍ كافٍ من المعرفة بالمقومات الأساسية للكتابة النقدية، إلا أنهم يفتقرون إلى ما يكفي من الإحساس بمسؤولية الكتابة في هذا المجال، وبسبب من ذلك نراهم يستعملون النقد في الصحف، وخصوصاً مراجعة الكتب، لأغراض أو منافع شخصية. نراهم يهدفون من خلال كتاباتهم النقدية إلى إقامة علاقات تبادلية، لا تعود على النقد الأدبي بأيّ نفع، بل هي تعودُ عليه بالضرر، كما سنبيّن بعد قليل. انطلاقاً من هذا كله، سمّينا كتاباتهم بالشهادات المزيفة، لأن الواحد منهم لا يتورع من امتداح كتاب رديء، أو من التّهجم على كتاب جيد، متبعاً في ذلك هواه أو نزوته أو مصلحته، متناسياً أنه بذلك أنما يفرّط بجوهر القيم الثقافية التي ينبغي له، من حيث المبدأ، أن ينذر نفسه وجهده لها.

قد يقول قائل إن ما يُكتب في صفحاتنا الثقافية لا يثير إلا اهتمام حفنة من القراء المعدودين، وإن بعض المقالات النقدية لا تعدو كونها رسائل شخصية موجهة من كتّاب هذه المقالات إلى أصحاب الشأن، من مؤلفي الكتب خصوصاً. وتالياً قد يضيف القائل إن كل ما يُكتب في صفحاتنا الثقافية، أو معظمه، ليس له قرّاء، وهو في النهاية من دون جدوى، ليس له منفعة ولا ضرر. إنه في النهاية نوع من الهدر، من إضاعة الوقت والجهد.

من الممكن التعليق على مثل هذه الأقوال بأنها صحيحة في جانب كبير منها. ولكن من الممكن القول أيضاً إن هنالك مظهراً من مظاهر الضرر المترتب على تلك الكتابات النقدية (الصحافية)، قد لا يكون ملحوظاً على نحو مباشر، ولكن له تجلياته السلبية في نواحٍ قد تخفى على الكثيرين، حتى من المعنيين أو من الذين يعتقدون بأنهم معنيون بهذا الأمر أو ذاك من أمور الثقافة.

بعض الباحثين، وخصوصاً من طلاب الجامعات في مراحل الدراسات العليا، يلجأون أحياناً الى مقالات الشعراء وغيرهم من الأدباء ليستعينوا بآرائهم في ما يقومون به من ابحاث أو دراسات. ففي هذه الحالات، تكون المراجعات النقدية للكتب الصادرة حديثاً، والمكتوبة بأقلام بعض الكتاب ذوي الاسماء المكرّسة أو المعروفة، مراجع لأولئك الطلاب، الذين يصعب عليهم أن يميزوا بين الآراء السديدة والآراء المزيفة التي يرجعون اليها. ومثل هذا التمييز يصعب أيضاً على الكثيرين من أساتذتهم. أي تضليل اذاً، هو ذلك الذي يتعرّضون اليه في رجوعهم الى ما يصادفونه في شهادات الأدباء بعضهم في البعض الآخر؟.

لقد بات من العادي والمستهلَك الحديث عن أهمية النقد بالنسبة إلى الأدب، والى الثقافة بعامة. وإذا كانت الشكوى من ضمور النقد قائمة عندنا، فإنها تعبّر عن مشكلات مختلفة في وضعنا الثقافي. وفي ما يتعلق بالشّعر ونقد الشعر، على وجه التحديد، رمت هذه المقالة إلى التركيز على مسؤولية الشعراء العرب المعاصرين في ما آلت اليه الحركة النقدية عندنا. فهؤلاء الشعراء ليس لهم أن يتنصلوا مما يشكون منه حيال النقد، وإنما عليهم أن يبذلوا الجهد الكافي لامتلاك القدرة على التقويم والتمييز والنظر إلى التجارب الشعرية برهافة وتجرّد. عند ذلك، يفتحون أمام الحركة النقدية سبل النموّ والتطوّر.

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد