مجلة البلاد الإلكترونية

معركة خاضتها حركة واحدة ضدّ العدو الصهيوني أوصلت إلى انتصارٍ كبير فكيف لو كانت المعركة بمشاركة كلّ محور المقاومة.. فإن الزوال للكيان الصهيوني سيكون النتيجة الحتمية لها؟!.

العدد رقم 349 التاريخ: 2022-08-12

مظلة الناتو تتوسع.. أمريكا تعيد كتابة استراتيجية الحلف

ابتسام الشامي

باستثناء النمسا وإيرلندا وقبرص ومالطا، أصبحت دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة تحت مظلة الناتو، بعدما نجحت الدول الغربية في تطويع الموقف التركي وإزالة تحفظات أنقرة عن انضمام كل من فنلندا والسويد إلى الحلف، الذي سيكون أمام استحقاق صياغة استراتيجية جديدة بأهداف أمريكية.

الناتو يتمدد داخل أوروبا

مع توقيع تركيا مذكرة تفاهم ترفع بموجبها رفضها لانضمام السويد وفنلندا إلى حلف شمال الأطلسي، تكون الولايات المتحدة الأمريكية قد ارتقت درجة في إحكام الامساك بالقرار الاوروبي، عبر الناتو، يدها العسكرية الطويلة الممتدة في القارة العجوز منذ نهاية أربعينيات القرن الماضي تاريخ تأسيس الحلف الذي أدى دوراً مركزياً في الحرب الباردة، بين عملاقيها الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، والاتحاد السوفياتي من جهة أخرى. وإذا كانت تلك الحرب الباهظة الأكلاف إنسانياً واقتصادياً قد وضعت أوزارها نظرياً مع انهيار الأخير وتفكك دوله، فإن الناتو لم تنته وظيفته على الرغم من نهاية حلف وارسو المناوئ له، بل بات للحلف وظيفة أخرى مرتبطة بالأمن الاوروبي، لاسيما في ما يتعلق بصياغة استراتيجية أمن القارة العجوز وتعريف أعدائها.

بهذه الخلفية استمر حلف شمال الاطلسي، وواصل على مدى الأعوام اللاحقة تضخمه، مع انضمام الدول الأوروبية الواحدة تلو الأخرى إليه بمن فيها دول أوروبا الشرقية، التي كانت في ما مضى جزء من الاتحاد السوفياتي، وهو ما استفز على الدوام روسيا، واستنفر تركيزها العسكري على خطر داهم يطرق أبوابها ويسعى إلى محاصرتها. ومع إبداء أوكرانيا رغبتها في الانضمام إلى الحلف، ودخولها في مسار الانضمام "المقنع" وتحولها إلى ما يشبه قاعدة عسكرية أمريكية متقدمة على حدود روسيا الشرقية، كان القرار في موسكو حازماً بوقف تمدد الاطلسي، وهو ما أدى ساهم بشكل كبير في بلورة قرار العملية العسكرية الروسية في شرق أوكرانيا.

انضمام فنلندا والسويد

حتى بداية العملية العسكرية الروسية المتواصلة منذ شهر شباط الماضي في إقليم دونباس، حافظت كل من فنلندا والسويد على استراتيجية الحياد على مستوى سياستهما الخارجية المعتمدة من قبل الدولتين منذ عقود طويلة، قبل أن تعلنا عزمهما على مغادرتها والالتحاق بالركب الأمريكي من بوابة الناتو. وفي شهر أيار الماضي تقدمت كل من هلسنكي وستوكهولم بطلب الانضمام إلى الحلف الأطلسي لتصطدما بموقف تركي رافض بذريعة وجود أنشطة معادية لتركيا على أراضي الدولتين تعود بشكل أساسي إلى وجود شخصيات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، حيث رفضت الدولتان طلبات تركية بحظر أنشطة الحزب وتسليم تلك الشخصيات. لكن الفيتو التركي على قوته "المعرقلة" لم يكن ليقف بوجه قرار أمريكي متخذ بتوسيع حلف الناتو وتجميع الدول الاوروبية تحت مظلته. وبقوة الدفع الأمريكية، وقعت تركيا الثلاثاء الماضي في مدريد مذكرة تفاهم ترفع بموجبها رفضها لانضمام السويد وفنلندا إلى حلف شمال الأطلسي. وجاء التوقيع بعد محادثات استمرت ثلاث ساعات على هامش قمة الحلف في العاصمة الإسبانية بعدما أعلنت أنقرة أنها "حصلت على ما تريده". وقالت الرئاسة التركية في بيانها حول الموضوع إن الرئيس رجب طيب أردوغان حصل على "تعاون كامل" من البلدين ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني وحلفائهم. موضحا أن البلدين المرشحين تعهدا بالتزام "التعاون التام مع تركيا في مكافحة" الحزب الذي تعتبره أنقرة وحلفاؤها الغربيون منظمة إرهابية، وكذلك ضد الحركات التابعة له. وبحسب بيان الرئاسة التركية، فإن كلا من فنلندا والسويد سيحظران أيضاً "نشاطات جمع الأموال والتجنيد" للمسلحين الأكراد و"سيحظران الدعاية الإرهابية ضد تركيا".

كذلك، تعهدت هلسنكي وستوكهولم "إظهار التضامن مع تركيا في الحرب ضد الإرهاب بكل أشكاله"، وقبلت العاصمتان بعدم "فرض قيود أو حظر على الصناعات الدفاعية" وفق ما جاء في البيان ذاته، في إشارة إلى الحظر المفروض على تسليم الأسلحة إلى تركيا ردا على تدخلها العسكري في سوريا عام 2019.

وبالتزامن مع بيان الرئاسة التركية، أعلن أمين عام الحلف الاطلسي ينس ستولتنبرغ أن قادة الدول الأعضاء في الناتو سيوجهون دعوة إلى فنلندا والسويد رسمياً للانضمام إلى الحلف بعد توقيع تركيا مذكّرة تفاهم بشأن ترشيح البلدين. وقال ستولتنبرغ بعد محادثات مدريد "يسعدني أن أعلن أن لدينا الآن اتفاقاً يمهد الطريق أمام فنلندا والسويد للانضمام إلى الناتو. وقعت تركيا وفنلندا والسويد مذكرة تفاهم تستجيب لمخاوف تركيا بشأن صادرات السلاح ومكافحة الإرهاب".

الولايات المتحدة المستفيد الأكبر

ومع إرضاء تركيا وشراء موافقتها على انضمام فنلندا والسويد إلى حلف الناتو، يمكن القول إن الولايات المتحدة تعتبر الرابح الأكبر من الصفقة التي جرت بين الدول الثلاث، وكانت واشنطن في صلبها، ليس لأنها وجهت صفعة قوية لفكرة الجيش الأوروبي التي طرحتها باريس سابقاً فحسب، وإنما لانطلاقها نحو صياغة استراتيجية جديدة لحلف الناتو، ستكون الصين في صلبها على ما كشفته مواقف صادرة عن قادة الحلف في قمته المنعقدة في مدريد. وفي هذا السياق كان لافتاً للانتباه قول ستولتنبرغ للصحافيين يوم الأربعاء الماضي، "إن الصين ستشغل مساحة مهمة من وقت القمة"، متوقعاً "أن يتفق الحلفاء على أن بكين أصبحت تمثل تحدياً لقيمنا الغربية ومصالحنا وأمننا". وإذ استدرك بأن "الصين ليست خصماً"، أوضح أنها "تستثمر بكثافة في قدرات عسكرية جديدة وحديثة وتحاول السيطرة على البنية التحتية التكنولوجية الرئيسيّة للعالم في مجالات عديدة، لاسيما شبكة الجيل الخامس.

بدورها أعربت وزيرة الخارجية البريطانية ليز تروس عن قلق بلادها من الصين وتمددها عبر المحيطات. ونقل عنها قولها إن "من الواضح جداً أن روسيا هي الخصم الأصغر في هذه المرحلة، ويجب أن نعطي وقفة للتفكير في أوضاع دول أخرى مثل الهند". محذّرة من أنه "مع توسيع الصين نفوذها من خلال السيطرة الاقتصادية وبناء جيش قادر، هناك خطر حقيقي من أن تستنتج القيادة الصينية فكرة خاطئة تؤدي إلى سوء تقدير كارثي، مثل غزو تايوان. هذا بالضبط ما رأيناه في حالة أوكرانيا، وسوء التقدير الاستراتيجي من قبل بوتين".

خاتمة

حتى كتابة هذه السطور، لم تكن قمة حلف شمال الأطلسي قد أنهت أعمالها، لكن من الواضح بحسب التصريحات المشار اليها آنفاً، أن استراتيجية جديدة للحلف تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على صياغتها، انطلاقاً من رؤيتها وتعريفها للدول المعادية، والسؤال المطروح هل سيخوض حلف الأطلسي مجدداً حروب أمريكا كما في زمن الحرب الباردة؟ وهل تدفع الدول كلفتها البشرية والاقتصادية؟.

إخترنا لكم من العدد