مجلة البلاد الإلكترونية

معركة خاضتها حركة واحدة ضدّ العدو الصهيوني أوصلت إلى انتصارٍ كبير فكيف لو كانت المعركة بمشاركة كلّ محور المقاومة.. فإن الزوال للكيان الصهيوني سيكون النتيجة الحتمية لها؟!.

العدد رقم 349 التاريخ: 2022-08-12

جدلُ الدّولة الوَطنيّة بين الطّائفيّة السّياسيّة والهويّة الحديثة

نبيل علي صالح

جدلُ الدّولة الوَطنيّة

بين الطّائفيّة السّياسيّة والهويّة الحديثة

 

نبيل علي صالح

كاتب وباحث سوري

 

لعلَّ أوّل ما يخطرُ ببال أيّ شخصٍ منّا عندما ترنُ في أذنه كلمة الطائفية (وقبل أي تفكّر أو تأمّل عقلاني)، هو البعدُ السلبي أو المعنى الأسود لها، من حيث أنها صفة قبيحة وذميمة وغير حميدة (تختزنُ في داخلها معنى التّعصب والعنف والتكفير ضد آخر مختلف والتعصب للذات الطائفية) تطلق على شخص أو فئة أو جماعة تتكور على ذاتها وهويتها ومعتقداتها الدينية الخاصة التي تؤمن بها كأيديولوجية خلاصية وعقيدة نهائية دينية..

حتى أنها أضحت تهمةً لتشويه سمعة الآخر، أو أداة من أدوات الصراع السياسي والاجتماعي والأيديولوجي القائم في مجتمعاتنا وبلداننا العربية والإسلامية يمكن أن تستخدم بسهولة للتجييش والتسعير والتحشيد والتعبئة.

وأيضاً عندما نتحدث عن الطائفية كصفة واقعة سلباً - كما هو حالها دونما تمييز فكري معياري مطلوب - على أفراد أو جماعات هوياتية في مواقع المسؤولية لاجتماعنا العربي، فإننا نستحضر بالضرورة مفهومي الأقلية والعصبية.. وهما مصطلحان أو مفهومان درجنا ودرجت العادة الفكرية والسياسية على استخدامهما في توصيف بنية مجتمعاتنا العربية والإسلامية الغارقة عموماً إلى يومنا هذا في مستنقعات العصائب ما قبل وطنية وقانون القهر والغلبة والهويات الفرعية المغلقة المسوّرة بمتاريس صلبة من العقائد والنصوص وأدوات العنف الرمزي والعضوي، حيث نجد فيها حالة التجميع والخلط الهجين (وغير المتجانس) بين قيم العصر والحداثة وقيم البداوة والمحافظة والتقليد.

لكنّ ذاكَ التّوصيف السّلبي لمعنى الطّائفية الدينية ناجمٌ أساساً عن الخلط وعدم الفرز بين معنى الطائفية في البنية "الدينية التقليدية" المعروفة ومعناها المستحدث في الاستخدام السياسي الحديث. فقد مالَ معظم الذين أثاروا مسألتها، في الأدبيات العربية القومية المعاصرة، إلى الخلط بشكل كبير بين التعددية الدينية، (أي انطواء المجتمع على تنوع ديني مذهبي كبير، يتسم إلى حد أو آخر من الانسجام أو الصراع)، وسيطرة إحدى هذه الفرق أو الجماعات الدينية على مقاليد الأمور في السلطة أو على مواقع رئيسية منها في سبيل تأمين منافع استثنائية لها ولأتباعها، وخاصة لا يسمح بها القانون. أي يخلطون - إذا شئنا التبسيط قليلاً - بين الطائفية في المجتمع الأهلي التاريخي، والطائفية في الدولة كسلوك رسمي مبطن يستهدف مصالح ومكاسب جزئية، وهما من طبيعتين مختلفتين تماماً، وليس لهما النتائج ذاتها. الأول يتعلق بطريقة اشتغال المجتمع، والثاني بطريقة اشتغال الدولة الحديثة، ولا قيمة له إلا من منظور بناء هذه الدولة[1]. بما يعني أن الطائفية تنتمي إلى ميدان السياسة لا إلى مجال الدين والعقيدة، وأنها تشكل سوقاً موازية، أي سوداء للسياسة، أكثر مما تعكس إرادة تعميم قيم أو مبادئ أو مذاهب دينية لجماعة خاصة.

والطائفية في الوصف والمعنى الدّيني الإسلامي التقليدي، وردتْ ككلمة (كلمة الطائفة تحديداً) في آيات قرآنية كثيرة، كما قلنا، ولكن القرآن كانَ حيادياً في توصيفه لها، وضبطه لمعانيها. أي لمْ يقُمْ بتوصِيفها كحالةٍ معياريةٍ ذات بنية مفاهيميّةٍ صلبة ذاتية المعنى، بل كانت مجرد لفظ له دلالة وصفية موضوعية خارجية كاشفة عرضاً وغير واقعة ذاتاً، حيث يتحدث القرآن الكريم عنها كحالة تجمع أو جماعة أو تجمْهُر أو فئة ما من الناس من ضمن الأمة المؤمنة أو المسلمة[2].. وقد تكون طائفة كافرة أو مشركة أو مضلّة وغير ملتزمة بالدين نفسه، حيث الحديث في القرآن جاء أيضاً عن طائفة من أهل الكتاب، وطائفة من المشركين، وطائفة من المؤمنين، وطائفة قد همّتهم أنفسهم، وووإلخ.. لكن بعد حدوث الانقسامات الدينية، وتشكُّل الفرق والملل، واختلاف الأصحاب وانقسام آراء العلماء على التأويل، وتحول أفكارهم إلى مذاهب وتكتلات، (أي بعد تفرّق المسلمين أشياعاً وأتباعاً وجماعات ومذاهب وفرقاً بات لكلمة الطائفة معنى آخر مختلفاً عن معناها الأولي)، أصبحت (الطائفةُ) عصباً دينياً وانتماءً جماعاتياً موجوداً وقائماً لها اعتباراتها ومحدداتها والتزاماتها ومعاييرها الدينية الخاصة بأتباعها والتي تميزهم عن غيرهم من الطوائف والمذاهب الأخرى.

وبهذا المعنى الديني للطائفة المرتكز على وجودِ تنوعٍ طائفي ضمن الدّين الواحد ناجم عن تفسيرات وتأويلات لنصوص الدين وأحكامه وتشريعاته، عاشت (في السابق) ثقافات وطوائف ومذاهب متعددة ومتنوعة ضمن فضاء الأمة وتراثها الديني الحضاري، حيث كان المجتمع العربي الإسلامي منسجماً ومتجانساً مع تعددياته الأقوامية والدينية والمذهبية، أي أنه كان موسوماً - على الدوام - بوجود انتماءات متعددة ومتنوعة وأحياناً متضاربة ومناقضة ومتناقضة فيما بينها داخل الولاء الواحد للدولة القائمة. وهذا يعني أنّ الطائفية تندرج نظرياً - كما يقول برهان غليون[3] - ضمن مسألة أعم منها هي مسألة التّكوين العصبوي أو نشوء الآليات العصبوية في المجتمع.. وهذه العصبية (والنظام العصبوي الطائفي) ذات منشأ حديث ولا علاقة للإسلام بها في تكوينه الذاتي كرسالة إنسانية (كانت المخاطبة: يا أيها الناس، يا أيها الإنسان، أيها المؤمنون، وووإلخ).. حيث أطلقت تلك الرسالة مفهوم الأمة بديلاً عن مفهوم القبيلة المختزن في داخله لمعنى العصب والقهر والغلبة والانتماء الضيق..

وأما الطائفية بالمعنى السياسي، (وهي بالأصل مصطلح سياسي حديث) تطلق على الذين يتعصّبون لطائفتهم الدينيّة أو المذهبيّة، من دون التركيز على القيم التي من المفترض أنْ يتمثَّلها أتباعها، بل من جهة تجمّعهم البشري العددي، تماماً كما هي حال العشائريّة والقبلية وغيرها.. أي أنها تطلق على الذين يعملون لتكون طائفتهم هي المهيمنة والمسيطرة على الأوطان (في ثرواتها ومواردها ومنافعها) على حساب بقية الطوائف والمذاهب والجماعات الأهلية (والمدنية) الموجودة في تلك الأوطان، وهذا يستدعي من النخب الطائفية السيطرة على مراكز القرار وبناء طبقات عصبوية سياسية وأمنية وعسكرية.. يعني هؤلاء الذين يقومون بهذا الفعل اللا أخلاقي الشائن، هم نخب السياسة وأصحاب القرار، حيث تبرز الطائفية عندهم بأوضح وأجلى معانيها وممارسات أفرادها والسائرين في ركابها من خلال تجيير الطوائف واستخدام بينتها التاريخية واستغلال مبانيها الدينية القائمة في التاريخ والنص والنفس والسلوك العملي للفرد الملتزم دينياً، لتحقيق مصالح ومكاسب سياسية مرتبطة بالبقاء والهيمنة والتحكم والنفاذ الآمن إلى مواقع الثروات والموارد المالية والطبيعية.. فالسياسي يحتاجُ لجمهور خاص وقوى مادية تشكل كتلة بشرية تقف معه، وتدعم خياراته وتدافع عن وجوده في مواجهة التغيرات والتحديات، لهذا ليس له سوى حاضنته التاريخية التقليدية الدينية التي يخاطبها في مشاعرها العميقة ورأسمالها الرمزي ومقولاتها الإيمانية الخلاصية القابعة في اللا وعي المتحكم بمساراتها وأفعالها.. بما يعني أنّ "الطائفية السياسية" شكّلت (وتشكّلُ) لدى منتجيها (ومستثمريها من الساسة وأصحاب القرار ومن لفّ لفهم) منهجَ عملٍ حقيقي يقوم على تسييس الانتماء الطائفي للمواطن وأدلجته وقولبته وترصينه (إذا صح التعبير) في الحياة السياسية والعملية (حزبياً ودولتياً إذا جاز التعبير) على مستوى الأفكار والمجتمعات والسلطة.. وبهذا تعمل الطائفية (من خلال منتجيها وطائفيِّيها) على إقصاء فكرة المواطنة (والمدنية) كرابطة مجتمعية عضوية وحيدة للدولة، واستبدالها عملياً بالرابطة الطائفية (المستغلِة للدين) في أصل إنشاء الحياة السياسية والتنظيمات السياسية والحزبية، وفي تكوين الدولة، وفي إقامة هياكلها وتنظيم مختلف شؤونها وإدارة مصالح مجتمعها (الخاص).. ومآل هذا التفكير - بالمعنى السياسي العملي - أن الطائفية السياسية تعارض كلياً فكرة العقد الاجتماعي السياسي (المدني) الذي يَفْترض بالدولة أنْ تكون حيادية تجاه الطوائف والمذاهب والأديان والجماعات والتيارات السياسية المتنوعة والمختلفة والمتضاربة المصالح السياسية، لتكون فقط (أي الدولة) مجموعة مواطنين (أفراد) أحرار متكافئين ومتساويين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن هوياتهم الفرعية (الجماعية)، متجاهلة بذلك أنَّ الوحدة الأساس في الدولة هو الفرد المواطن وليس الجماعة الفرعية.

من هنا الأزمة والمشكلة عندنا نحن العرب - على هذا الصعيد - ليستْ كامنة في وجود طوائف وملل ونحل وجماعات دينية متعددة، أو في وجود مذهب أو مذاهب دينية مختلفة ومتنوعة ذات قناعات معينة مغايرة لبعضها.. والمشكلة ليست في وجود هذه الفسيفساء الحضارية المتنوعة من القوميات والطوائف والإتنيات والجهويات والتنوعات الفِرقية الدينية كجماعات مؤمنة باعتقادات ومنظومات عقدية إيمانية ما، وتمارس طقوساً دينية وثقافية تاريخية، وتتجمع على هويات فرعية دينية وغير دينية ما، بل المشكلة وأساس الأزمة تكمن في أصل التسييس للطائفة والدين (تديين السياسة)، أي يعود إلى هيمنة أجواء التعصب الأعمى للطائفة (للطوائف) والولاء القهري لمتبنياتها التاريخية والاستقواء بمعتقدات المذاهب، واستغلال قناعات الناس بها، وتحويلها إلى استقطابات نافرة حادة للتجميع والتحشيد، وملاذات آمنة للارتزاق السياسي والاقتصادي والهيمنة على البلاد والعباد، وهذا ما حدث في بلدان أخرى غير بلداننا العربية، حيث وجدت فيها أيضاً تعددية دينية طائفية ومذهبية وغيرها، ولم تكن هي المسؤولة عن تفجر مشكلات تلك البلدان، بل كان السبب يكمن (مثلما هو واقع عندنا في اجتماعنا العربي) في هذا الخلط بين طائفية المجتمع وطائفية الدولة (نخب الدولة)، والدليل هو بقاء تلك التنوعات المختلفة -حتى مع عدم ارتباطها بمفاهيم حديثة أو بممارسات عقلية مدنية سليمة- مع تغيير الوعي السياسي القائم واكتمال نضج مفهوم الدولة وتصاعد وعي النخب بها مدنياً وعقلانياً..

لقد تأسست الدولةُ الحديثةُ كأهم ظاهرة تاريخية اجتماعية، على فكرةٍ جوهريّة هي فكرة التّعاقد الاجتماعي، والتوكيل السياسي، ومفادها أنّهُ حتى تسير الدولة بصورة طبيعية منتجة وفعالة لتحقيق مقاصد الفرد الكبرى في الحرية والعدالة، ودفع الناس طوعياً للمشاركة في تحقيق النظام القانوني العام، لابد لهم (للناس) من إدارة شؤونهم عبر التعاقد (الانتخاب).. ومن أبرز معانيه أن يتخلى "الفرد - المواطن" عن حقّه في استخدام العنف في المجتمع لصالح قوننته ضمن مؤسسات الدولة التي يجب أن تعمل على بناء نظام علاقات مواطنة في المجتمع بين أفرادها ومجتمعاتها بعيداً عن الدين والتسييس الديني والتدخل في الشؤون الدينية للناس، أو العبث بمعتقداتهم وطوائفهم ومؤسساتهم المرجعية التاريخية.. ولكن الدولة التي تأسست في مجتمعاتنا العربية، كانت دولة العنف والغلبة والإخضاع، كانت دولة العصبية الحزبية الديكتاتورية، ونعني بها بالذات الدولة القومية والتحديثية العربية التي استثمرت في كل شيء لضمان بقائها وهيمنتها وسلطويتها، حتى في الموضوع الديني؛ حيث حاولت الربط بين الطائفية من جهة وبين وجود مذاهب دينية متعددة من جهة أخرى، مع أنّ الحقيقة تقولُ بأنه لا رابط بينهما، ولا رابط أيضاً بين الطائفية وبين وجود مشاعر انتماء قوية تشدّ الأفراد إلى طوائفهم أو عصبياتهم القبلية، حيث أن محبة الإنسان لقومه وقبيلته وأهله وناسه هي حالة طبيعية للغاية، حتى على صعيد وجود تضامن ديني قوي بين الأفراد. فهذا هو الوضع السليم والطبيعي في كل المجتمعات البشرية. فالمجتمعُ مكونٌ من جماعات مصالح أو انتماء أو اعتقاد. ومن الطبيعي أن يشعر كل فرد بتعاطف أكبر مع الأفراد الذين يشاركونه المصلحة أو العقيدة أو الثقافة أو الموقع الاجتماعي الذي يحتله. ومن دون التضامن والألفة الخاصة الذين يجمعان بين أفراد جماعة واحدة لن يكون هناك أي معنى ولا مضمون للحياة الاجتماعية أو للتجمعات الأهلية. ينطبق هذا على مستوى الجماعات القومية الكبرى كما ينطبق على الجماعات الفرعية داخل هذه الجماعات القومية[4].  

إننا نعتقد أن نمو الطائفية والعلاقات الطائفية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية عموماً - كعصب جماعاتي ضمن الدولة، أية دولة متنوعة - له أسبابه السياسية والاجتماعية القارة في صميم البنى المؤسسة للدولة الوطنية الحديثة.. فالدولة التي تنمو (وتتشابك) فيها العلاقات الطائفية العصبوية (متحولة لما يشبه التنظيم السّياسي "دولة ضمن دولة") لتصبح هوية واقعية خاصة بها، لا يمكن أنْ تكون إلا دولة فاشلة عقيمة غير منتجة، لأنها ليست دولة أفرادها ومواطنيها (وليس رعاياها!)، من مختلف الطوائف والتيارات والتنافرات المجتمعية والسياسية.. والفشل يعود إلى تعاليها ونخبويتها وأقلويتها وطائفيتها (بالمعنى السياسي لا الديني)، وعدم اكتمال شرعيتها الوطنية والشعبية، واتّباعها أساليب القسر واستخدامها العاري واللا محدود لأدوات القوة والعنف والبطش ضد رعاياها المفترض أنها جاءتْ لخدمتهم وتأسستْ لرعايتهم وتأمين شروط حياتهم المعيشية الطبيعية الصحيحة والحقيقية في بناء دولة مؤسسية تتقوم بالقانون والعدل والتداول السلمي للسلطة.

وهذا ما دفعَ الفرد للانحياز إلى انتمائه الأوّلي، والالتجاء بطائفته، فهي تحميه وتغطّيه وتدافع عنه وتسنده - ككتلة وجماعة عصبوية - في مواجهة بطش السّلطة أو الدولة، (وأعني بها هنا الدولة التحديثية العربية التي كانت -وما زالت- دولة النخبة لا دولة الأمّة). نعم كان لسوء أوضاع الفرد في مجتمعه، وهيمنة الاستبداد على وعيه وتحكمه بفعالياته وسلوكه، واستمرار إقصائه، ومنع مشاركته وحضوره في الشأن العام، وتعقيم وجوده التنموي وتبخيس حقوقه وحاجاته، كان لما تقدّم أبلغ الآثار وأفظع النتائج في دفع هذا الفرد للعودة إلى الوراء، والارتماء في حضنه المذهبي، وتنامي إحساسه الطائفي، ودفعه للالتصاق ببيئته المجتمعية التقليدية ما قبل وطنية، وعدم قدرته على الاندماج الحقيقي في مجتمعه ودولته يشعر عملياً بغربتها عنه، ليس لأنه يرفض الاندماج والمشاركة والخضوع للقانون، بل بسبب بقاء الدولة - التي ينتمي إليها الفرد العربي - مستقرة استقرار الأعماق في بيئتها القبلية الطائفية الأولى، وبعيدة عن فكرة المواطنة والحكم الصالح والممارسات القانونية المدنية.

طبعاً نحن بهذا التوصيف السلبي وربما القاتم لواقع بنية الدولة العربية، والتركيز على أمراضها، ومنها مرض الطائفية السياسية الظاهر والواضح في العلاقات (الداخلية والخارجية)، لا نحبط الناس مع ما يترقبونه ويتطلعون إليه من آمال مستقبلية، ولكننا نحاولُ رصدَ الأمور والوقائع كما هي على الأرض حتى نشخّص بسلاسة واقعية الوضع المرضي القائم، بعد عهود طويلة من هيمنة أيديولوجيات الفكر الواحد والحزب الواحد التي استثمرت واستفادت من ثقافة الموروث التاريخي العربي الإسلامي لتكرّس وجودها وذاتها، وتحكم بموجب قوانين الغلبة وعصب القبلية العشائرية والطائفية الدينية المستحكم، وتمعن تدميراً ونهباً في ثروات المجتمعات العربية، فكانت النتيجة ما نراه الآن أمامنا من مجتمعات عربية ضائعة مضيعة، تغيب فيها مساحة العقل والعدالة والحرية بالكامل تقريباً، وتسيطر عليها ثقافة أصولية مخيفة، ويستبعد منها كل ما له صلة بالحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما يترسخ فيها حكم الفرد الواحد كإله أعلى معصوم..

وأول خطوة يجب القيام بها على هذا الصعيد للبراء من تلك الأمراض، تتمثل في نقطتين:

  • الأولى: مواجهة ورفض وعي زائفٍ يقوم على استمرار اتهام الناس والمجتمعات بفواتها التاريخي ومحاربة عقائدها، وتحميلها مسؤوليات الفشل التاريخي المقيم، والربط بين تعددياتنا الأقوامية والدينية وبين تخلفنا الحضاري.
  • والثانية: العمل على استئصال الطائفية السياسية من داخل جسم الدولة العميقة، وهذا هو أمر ممكن وضروري للغاية بصرف النظر - كما قلنا سابقاً - عن تطور معنى المجتمع المدني، ودرجة تقدم وعي الناس، ومدى حضور قانون الدولة السياسي في ثقافتهم العملية.

إننا نعتقد أن الناس ليست طائفية بالمعنى الذي تحاول دولة النخبة العربية القمعية فرضه وترسيخه في الوعي العام، الناس ملتزمة بطوائفها من حيث هي طقوس وثقافات وعادات وفولكلور تاريخي متنوع لا يلغي الآخر، والتعبير الحقيقي السلمي عن تلك الثقافات والتنوعات والطوائف التاريخية لا يتحقق إلا في ظل دول القانون والمؤسسات والعدالة.. وهذه الدول غير قائمة في بلداننا العربية، ولا بد لشعوبنا (وطوائفنا) من استعادتها كشرط لتطوّر الدولة نحو المأسسة القانونية، باعتبارها دول ستعبر عن إرادة الشعوب ومصالحها في قيام نظم سياسية تستمد شرعيتها من التعبير عن هذه الإرادة وتلك الحقوق.. وبالعكس، من المستحيل على الدولة التي تفقد سيادتها أو تضحّي بها أن تستجيب لطموحات شعبها وآماله.. فالسيادة هي المادّة التي لا غنى عنها لنشوء سياسة وتكوين حقل سياسي منتج وفعال في ذاته وعلى مستوى محيطه.. وفي ظلها يتّحد الأفراد المختلفون والمتعدّدون، وبفضل المشاركة المتساوية في الحقوق التي لا أساس لها من دون هذه السيادة القانونية يتحوّلون إلى جماعة واحدة، متفاعلة ومتضامنة وواعية لذاتها وهويتها السياسية (الوطنية).

فالسيادة هي رأسمال الدولة في علاقاتها مع أعضائها ومجتمعها، ومع الخارج أيضاً.. وبمقدار ما تفتقر الدولة لرأس المال هذا، تخسر قدرتها على إنتاج المواطنة، بمقدار عجزها عن إنتاج الحقوق والحرّيات والمسؤوليات المرتبطة بتكوينها، وهي مسؤوليات حيوية وفائقة الضرورة لبناء مجتمعات منتجة وفاعلة وسعيدة.. والسبب ببساطة أن الدولة التي لا تملك حرية قرارها لا يمكنها أن تضمن حرية قرار أعضائها.. وبالمثل، بمقدار ما ترتهن لإرادة القوى الأجنبية للحفاظ على بقائها، تجدُ نفسها منزوعة الإرادة، وتدخل بسبب ذلك أيضاً في تناقضٍ مع شعوبها وقناعاتها الفكرية والتاريخية، ولا تملك وسيلة لفرض سيطرتها سوى بتحييد هذه الشعوب وتقسيمها وشلّ إرادتها، وفرض العنف عليها، وتقسيمها و"تطييفها" بالمعنى السياسي لا الديني..

 

[1] برهان غليون، "نقد مفهوم الطائفية"، موقع الحوار المتمدن، العدد:1840، تاريخ النشر: 28 /2/ 2007م. الرابط: www.alhewar.org/debat/show.art.asp?aid=89869

[2] نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى:

﴿قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾(آل عمران/ 72). ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِنْكُمْ}(آل عمران/154) ، {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾(النساء/113).

[3] برهان غليون، "نظام الطائفية من الدولة إلى القبيلة"، المركز الثقافي العربي، بيروت-الدار البيضاء، الطبعة الأولى، نيسان 1990م، ص19.

[4] برهان غليون، نقد مفهوم الطائفية، مصدر سابق.

إخترنا لكم من العدد