مجلة البلاد الإلكترونية

معركة خاضتها حركة واحدة ضدّ العدو الصهيوني أوصلت إلى انتصارٍ كبير فكيف لو كانت المعركة بمشاركة كلّ محور المقاومة.. فإن الزوال للكيان الصهيوني سيكون النتيجة الحتمية لها؟!.

العدد رقم 349 التاريخ: 2022-08-12

بعد زيارة بيلوسي.. تايوان ليست أكثر أمناً

ابتسام الشامي

بعد زيارة بيلوسي.. تايوان ليست أكثر أمناً

ابتسام الشامي

تنفّس العالم الصعداء بعد انتهاء زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي إلى تايوان، التي رافقها ارتفاع ملحوظ في حدّة التوتر بين واشنطن وبكين، وإذا كانت الأخيرة امتنعت عن تنفيذ تهديداتها العسكرية ضد الزيارة، إلا أن الاستفزاز الأمريكي في ما تعتبره جزءاً من أراضيها دفعها إلى إظهار جانب من قدراتها العسكرية مصحوباً بتصميم أعلى على استعادة الجزيرة المتمردة.

الزيارة لم تقدم جديداً

باستثناء رفع مستوى التحدي مع الصين، في ظرف دولي عاصف بفعل الأزمة الأوكرانية وتفاعلاتها، لم تحمل زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي إلى تايوان أي جديد أمريكي على مستوى الدعم السياسي والعسكري. وإذا كان من الصحيح القول إن زيارة بيلوسي وهي أرفع مسؤولة أمريكية تزور تايبيه، قد دلّت على ذهاب الولايات المتحدة الأمريكية بعيداً في الحسابات المرتبطة بالصين، إلا أنها جرت في المقابل من دون خروج أمريكي رسمي ومعلن، من السياسية التي رسّمت علاقاتها بالصين، على مدى العقود الماضية، وعلى رأسها مبدأ الصين واحدة، وفحواه أن في العالم صين واحدة وأن تايوان جزء لا يتجزأ منها.

وفي تايبيه حيث استقبلت بحفاوة بالغة، جدّدت بيلوسي أمام المسؤولين التايوانيين أن "التزام أمريكا لا يزال ثابتاً تجاه شعب تايوان ولعقود مقبلة"، وأن بلادها لا تقبل أن يحصل أي مكروه لتايوان بسبب غزو أو استعمال للقوة، مشيرة إلى أن الكونغرس الأمريكي بجناحيه الديموقراطي والجمهوري ملتزم بأمن الجزيرة وبما وصفته بحقها في الدفاع عن نفسها.

وما قالته بيلوسي في تصريحاتها خلال الزيارة، أعادت صياغته في مقال نشرته صحيفة "واشنطن بوست"، وذكّرت فيه بالعهد الذي قطعته واشنطن على نفسها تجاه تايبيه، في إشارة إلى ما يسمى بقانون العلاقات مع تايوان الذي أقره الكونغرس الأمريكي نهاية سبعينيات القرن الماضي، وتعهّدت بموجبه أمريكا بدعم الدفاع عن الجزيرة، و"اعتبار أي جهد لتحديد مستقبل تايوان بطرق غير الوسائل السلمية، تهديداً للسلام والأمن في منطقة غرب المحيط الهادئ ومدعاة لإثارة القلق الشديد في الولايات المتحدة".

كلام رئيسة مجلس النواب الأمريكي في تايوان من حيث المضمون، لا يختلف عما يردِّده المسؤولون الأمريكيون بشكل يومي، في مختلف مواقع المسؤولية سواء السياسية منها أو العسكرية، وبين "معسكري" الديمقراطيين والجمهوريين، على حد سواء، حيث تعتبر "قضية" جزيرة تايوان من قضايا الإجماع الأمريكي، وهذا ما كان حاضراً في مواقف المسؤولين من كلا الحزبين قبيل الزيارة وأثناءها، وإن ظهر التباين حول ما إذا كانت ضرورية بالنظر إلى مستوى الاستفزاز للصين ودفعها إلى اتخاذ خطوات غير محسوبة النتائج. ولعل الاستنفار الأمريكي الصيني المتبادل والذي لامس حد الاحتكاك، أعاد طرح السؤال عن أهمية الزيارة و "إلحاحيتها" طالما أنها لم تحمل جديداً يستدعي هذه المخاطرة. وهو ما توقف عنده عدد من الخبراء والمحللين الأمريكيين، ومن بينهم توماس فريدمان الذي كتب في صحيفة نيويورك تايمز عما وصفها "بالخطوة الطائشة والخطرة وغير المسؤولة على الإطلاق" كونها لم تأتِ بجديد ولن "تجعل تايوان أكثر أمناً أو ازدهاراً". وبحسب فريدمان كان يمكن للزيارة "الرمزية" أن تتسبب بالكثير من الأمور السيئة، من مثل قيام الصين "برد عسكري يمكن أن يؤدي إلى انزلاق الولايات المتحدة في صراعات غير مباشرة مع روسيا والصين المسلحتين نووياً، في آن واحد". متوجهاً إلى بيلوسي بالسؤال عما إذا تعتقد بالفعل أن حلفاء أمريكا الأوروبيين، الذين يخوضون حرباً وجودية مع روسيا أوكرانيا سيقفون إلى جانب الولايات المتحدة في حال حدوث صراع مع الصين جراء زيارة غير ضرورية إلى تايوان. وقال فريدمان "هناك لحظات في العلاقات الدولية تحتاج فيها إلى إبقاء عينيك على الجائزة التي هي واضحة اليوم وضوح الشمس، وضرورة ضمان أن أوكرانيا قادرة، على الأقل، على تخفيف حدة الغزو الذي إذا نجح، فسيشكل - بتقدير الكاتب - تهديداً مباشراً لاستقرار الاتحاد الأوروبي بأكمله"، مشيراً إلى أن الرئيس الأمريكي جو بايدن ومستشاره للأمن القومي جايك سوليفان، عقدا سلسلة اجتماعات مع القيادة الصينية، وناشدا بكين عدم الدخول في الصراع الأوكراني عبر تقديم المساعدة العسكرية لروسيا. ولذلك يعتبر فريدمان، أن "توقيت الزيارة لا يمكن أن يكون أسوأ، لأن حرب أوكرانيا لم تنته بعد، والمسؤولون الأمريكيون قلقون من القيادة الأوكرانية أكثر مما يصرحون به". كاشفاً أن "هناك عدم ثقة عميق بين البيت الأبيض والرئيس الأوكراني، أكثر بكثير مما قيل"، ولفت فريدمان إلى أن "الحرب الأوكرانية غير مستقرة ولا تخلو من مفاجآت خطيرة جداً، مع ذلك، وفي خضمّ كل هذا، سنخاطر بالصراع مع الصين حول تايوان، بسبب زيارة تعسفية وعبثية لرئيسة مجلس النواب".

الرد الصيني

وعلى الرغم من أن الصين ضبطت ردّها العسكري ولم تشأ الانجرار إلى الفخ الأمريكي في تايوان، فإنها أرسلت رسائل قوية إلى الجزيرة المتمردة وداعميها الأمريكيين، وكشفت عن مستوى استعدادها العالي للتعامل مع التطورات، ومع ما بدا أنه تصعيد أمريكي متعمد وصفحة جديدة في مسلسل التوتر الطويل. وفي ما كانت بيلوسي تستكمل زيارتها وتنتقل إلى كوريا الجنوبية محرضة على جارتها الشمالية، بدأ الجيش الصيني، أكبر مناورات عسكرية في تاريخه في ست مناطق حول تايوان. ووفق التلفزيون الرسمي الصيني، فإن جيش التحرير الشعبي بدأ يوم الخميس في الرابع من آب الجاري تدريبات عسكرية تستمر حتى الأحد القادم، وتشمل إطلاق ذخيرة حية في المياه والمجال الجوي المحيط بجزيرة تايوان، في الشمال والشرق والجنوب، وبعمق 12 ميلا بحريا، الامر الذي اعتبرته تايبيه "اعتداءً" على مياهها الإقليمية، وتحديا للنظام الدولي "يصل إلى حد فرض حصار على مجالها البحري والجوي".

وفي قراءة لمعنى المناورات ودلالاتها، يوضح الأستاذ في "جامعة الدفاع الوطني"، منغ شيانغ تشينغ، في حديث للتلفزيون الصيني الرسمي، أن "المواقع - التي تجري فيها المناورات - تطوق الجزيرة في تشكيل غير مسبوق" مضيفاً أن ما يجري "يتيح ظروفاً جيدة جداً لنا، عندما نعيد تشكيل المشهد الاستراتيجي في المستقبل بما يؤدي إلى توحيدنا" في اشارة إلى استعادة تايوان إلى كنف الدولة الصينية.

ومن الدلالات الهامة التي توقف عندها الباحث الصيني بخصوص مناورات الجيش الشعبي، وجود القوات الصينية في منطقتين قبالة الساحل الشمالي لتايوان، بما يتيح لها إغلاق ميناء "كيلونغ" الرئيسي، في وقت يمكنها شن ضربات من منطقة شرق تايوان، لاستهداف القواعد العسكرية في هوالين وتيدونغ".

مخاوف اقتصادية

وإلى الرسائل العسكرية التي حملتها مناورات الجيش الصيني إلى كل من تايوان ومن وصناع القرار في واشنطن، طرحت مخاوف ذات طبيعة اقتصادية مما قد تقدم عليه الصين لمواجهة الاستفزاز الأمريكي المتعاظم لها في تايوان. وفي هذا السياق رأى محرر الشؤون الاقتصادية في صحيفة "الغارديان" لاري إليوت، أن رحلة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي إلى تايوان قد يترتب عليها عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي. مشيراً إلى أن لدى الرئيس الصيني شي جينبينغ "أسلحة" اقتصادية ومالية تحت تصرفه وقد يلجأ لاستخدامها. وبحسب الكاتب فإن "الصين قد تجعل من الصعب على الشركات الأمريكية الوصول إلى أسواقها، ولن تكون في عجلة من أمرها، وعلى سبيل المثال السماح لشركة بوينغ باستئناف مبيعات طائراتها من طراز ماكس 737". لافتاً إلى أن ذلك قد يؤدّي إلى تسريع فصل أكبر اقتصادين في العالم، وهو اتجاه بدأ عندما كان دونالد ترامب في البيت الأبيض واستمر في عهد جو بايدن. والعداء لبكين هو أحد الأشياء القليلة التي يتفق عليها الجمهوريون والديمقراطيون".

خاتمة

انتهت زيارة نانسي بيلوسي إلى تايوان من دون تصعيد عسكري كانت المواقف الصينية التي سبقتها قد رفعت من مستوى التوقعات بإمكانية حدوثه، لكنها في المقابل عززت المنطق الصيني القائل بأن بكين في موقع المستهدف أمريكياً، والمعتدى على سيادته، وبالتالي فإن ما قد تقدم عليه من خطوات تجاه جزيرة تايوان لاستعادتها إلى كنف سيادتها، حق مشروع في مواجهة اعتداء صارخ من دولة تتبنى في عقيدتها الأمنية معاداة الصين وتقويض نفوذها.

إخترنا لكم من العدد