مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: " يدعو التجمع الرؤساء الثلاثة أن يستقبلوا السمسار الأمريكي- الصهيوني الهوى عاموس هوكشتاين بموقف ثابت وموحد وعدم الخوض معه في أي شروط جديدة فأما أن يقبل بالعرض كما هو أو فلنذهب إلى تعديل الترسيم إلى الخط 29 ".

العدد رقم 356 التاريخ: 2022-09-30

الأربعون ربيعاً.. كنا لا نملِكُ شيئاً‏ فبتنا نملِكُ كُلَّ البلادِ

غسان عبد الله

أول الكلام

الأربعون ربيعاً.. كنا لا نملِكُ شيئاً‏ فبتنا نملِكُ كُلَّ البلادِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غسان عبد الله
ـــــــــــــــــــــ

أربعون عاماً.. والعمرُ الذاوي‏ بَيْنَ قَوْسَيْنِ مِنْ مَرْمَرٍ ودُمُوعٍ‏.. أُسَرِّبُ ظِلّي إلى الآسِ‏.. والطُرُقات العَتيقةِ‏.. أُطْلِقُ شَمْساً شِتائيَّةَ الثَّوْبِ‏.. ملفوفَةً بالمنازِلِ والمتعبينَ‏.. أُسَمِّي الطَريقَ إليها هَوايَ‏ وأَمنحُ للسنواتِ رُجوعي،‏ سَأعبُرُ جِسْرَ الحياةِ مِنْها - إليْها‏.. ألُفُّ الأزقّةَ في الفَجْرِ‏ غُصْناً فَغُصْناً‏.. وَجُرْحاً فَجُرْحاً‏.. أَدورُ على العَتَباتِ النَّظيفةِ‏ رُكْناً فَرُكْناً‏.. وَقَلْباً فَقَلْباً.

عَلى جانِبٍ مِنْ سَماءٍ‏ شَباطيّةِ الريحِ‏.. قُرْبَ المخاوِفِ والأمنياتِ‏.. تَفَيّأ ذاكَ الفَتى منِّي نَجْمةً في السطوحِ‏.. احْتوى قَمَراً حَطّ في كَفّهِ ذاتَ حُزْنٍ‏ وَهَيَّأَ مِنْ حُلْمِهِ قارِباً‏ يَعْبُرُ الليْلَ‏ والجوعَ‏ يَكشِفُ أعجوبةَ الألقِ البرزخيِّ.. يُقبِلُ تحتَ مصابيحَ واهنةٍ‏ كَنْزُهُ المُستنير‏.. يُسافِرُ في شَفَقٍ قُرمِزيٍّ‏ وَيَدْخُلُ بَسْمَلَةَ الاخضِرارْ.‏. كانَ الجَسَدُ الطِفْلُ النابضُ‏ فيَّ بَيْنَ يدي العمرِ لَهيباً‏.

أربعون ربيعاً والعمرُ يمضي صوب الخلاص.. والهنيهاتُ تحثُّ الخطى باتجاه القائم المنتظر.. هناك عند قبّة الصخرةِ سيكون جلوسٌ‏.. وَبضعةُ أقْمارٍ‏ وشموسٌ من ألق الشهداءِ‏ تَنسابُ هويناً عَلى الأقصى.‏. أمطارٌ مِنَ القُطْنِ الأبيضِ‏.. دماءٌ مِنَ العَسَل الغزّاويّ..‏ وخُضرةُ الحقولِ لونٌ ساطِعُ‏ طَيَّ نابلس.. أوّلُ أسْرارِ الصلاةِ تفْتَحُ باباً‏ خَلْفَ جِدارِ القلبِ‏.. جِوارَ النبضِ.. وَمَساءٌ أطيبُ مِنْ النوافذِ.. وظَلامٌ أدْفأُ مِنْ مِعْطَفِ صوفْ.‏

في حِوارِ الأزقَّةِ والنَّهْرِ‏ أمْضي سادِراً‏ فَوْقَ طينٍ وخَوْفْ.‏. أتَملّى غُيومَ المدينةِ،‏ أعوامَ أزْهارِها‏ زَهْرةً زَهْرةً‏.. وأَوانَ الربيعِ‏.. رَبيعاً ربيعاً‏.. مَآتِمَ شُطآنِها‏ وشواهِدَ أبنائها‏ شاهِداً‏.. شاهِداً‏.. يَعبُرونْ.

أَجْلِسُ اليومَ مُبْتَسِماً‏ بينَ قوسينِ‏ من حَجَرٍ وبُكاءٍ‏.. عَلى مِصطَباتِ الحَدائِقِ‏ مُنْفَرِداً‏ مع النوافذِ المشرعةِ أربعين ربيعاً‏ على الكتابةِ والولهِ والوجعِ والعشقِ العصيِّ أُراجِعُ أشعارَيَ.. وَأسوّي جَدائِلَ القرى على الحدود وخارجها.. ‏إثْرَ الحَرائقِ العدوّةِ‏.. أُصَفّي حِسابي مع العُربِ المتآمرين المطبِّعين.. والغربِ الطامعين.. والشركاءِ في وطنٍ أكلَتْه نفاياتٌ من سياسة.. وحساباتٌ للآخرينْ.. يؤنسني صوت السيد يصدح "ما بعدَ بعدَ كاريش".. أعودُ مفعماً بالأمل.. بعد أربعين ربيعاً بات الربيعُ لكل الفصول.‏

خارطةٌ مِنْ مصابيحَ‏.. طَيْرٌ‏.. سَتائِر‏.. تَدخُلُ شيئاً فشيئاً‏ إلى ظُلمةٍ ورَمادٍ‏.. مَناديلُ أتلَفَها الدمعُ‏.. نافذةٌ أطفأَ الثلجُ شمعَتَها‏.. شارعٌ تاهَ..‏ بيتٌ يصيرُ إلى حَجَرٍ وتُرابٍ‏.. ظِلالٌ أضاعَتْ طريقَ الرُّجوعِ إلى الدارِ‏.. غزلانُ تبكي‏.. من القمحِ كانَتْ تَجيءُ‏ مُعبأةً بشذَى الخُبْزِ واللبنِ القُرَويِّ‏.. انْتهتْ في أغاني المحبّينَ‏ مَرْثيَّةً من بنفسجِ ما يحمِلُ الحقلُ والغيمُ..

قَوْسانِ‏ من مَطَرٍ وغصُونْ.‏. لِنَهارٍ بحجمِ المحبّةِ‏.. ليلٍ بحجمِ الظُّنونْ.. أإلى غابةِ السنديانِ أريدُ؟!!!..‏ الطريقُ إليها معبدةٌ‏.. سأتمَشَّى إليْها..‏ أصِلُ النَّهْرَ بالذاكرةْ‏ والأماني بفُقْدانِها‏ والنَّدى بالخريفْ.‏. أتَعَلّقْ برمْلِ الشَّواطِئِ‏ بالساحِلِ الأبديّ الذي لَنْ يَخونْ.‏.

أربعون ربيعاً مَضَتْ.. بتنا نملِكُ شَمْساً‏.. ولدينا أربعون مَداراً مِنَ الوَهَجِ الشبابيِّ‏.. وَلَيْسَ للقلب اسْمٌ وحيدٌ‏.. ولكنّهُ ألفُ وَريدٍ مِنَ الرئتينْ.‏. وقافلةٌ للشهداءِ عَلى خَطْوِ الكرامةِ.‏. وَنقاءِ سرائِرهمْ‏ فَتَحَ القلبُ شُبّاكَهُ‏.

على مَهَلٍ‏ أَقِفُ الآنَ جِوارَ البسمةِ‏.. عندَ السورِ الحَجريِّ في غزة.. قليلاً‏ أشرَبُ مِنْ عَيْنِ هَوىً‏ وَأمُرُّ عَلى الجِسْرِ الأولِ‏ بالعشقِ الغائبِ في قَعْرِ القلبِ..‏ وبالقلبِ النابضِ بالوريدِ الغابرِ‏.. آهٍ‏ كنا لا نملِكُ شيئاً‏.. فبتنا نملِكُ كُلَّ البلادِ‏.. أرصفةً‏ وحدائقْ.‏. غَيْماً‏ وحَرَائقْ‏.

بَيْنَ قَوْسَيْنِ‏ مِنْ شَجَرٍ وَسَحابٍ‏.. يَعودُ المَساءُ إلى البيوتِ..‏ نحلمُ بقنطرةٍ تظلِّلُ الروحَ بالأمانْ.. نُغلِقُ البابَ‏ خَلْفَ أوجاعنا العصيةِ‏.. نعيدُ كتابةَ التاريخ.. تغْزو الحِكاياتُ وَهْمَ الطفولةِ‏ أمامَ المواقِدِ‏.. ننْعَسُ‏.. نأكُلُ جَوْزاً وتيناً‏.. ننامُ‏.. أننامُ الآنَ؟‏..

بَدا الصُّبْحُ‏.. ارتفعَ التكبيرُ مِنَ المسجدِ‏ والخريفُ علَى أهبّةِ الدخول.‏. العرباتُ ستركُضُ قُرْبَ النَّهْرِ‏.. تعودُ الخَيْلُ وحيدةْ.‏. الزورَقُ يمشيْ‏.. والشاطئُ مفتوحٌ‏ والدُّنيا سكون‏.. سنفتحُ نافذةَ الفَجْرِ‏.. نُخَلّيها تتنفسُ مِثْلَ الأشجارِ..‏ سنغرِسُ في الغاباتِ غَداً‏ جَذْراً آخَرَ..‏ نغرسُ عِنْدَ الشَطِّ في عكا غداً‏ بَيْوتاً ‏أخرى.. نكتُبُ فوقَ مفرداتنا الصباحيةِ‏ أنشودةً أخرى‏ عَنْ قافلةٍ مِنْ عشقٍ مضى.‏. شَرِبَ كَأْساً‏ مِنْ خَمْرِ الرُّمّانْ.‏ وأضاعَ في مَطَرِ البُستانْ.‏. أسْراراً وقَدحْ.‏. جِسْرٌ ثالثُ‏.. جِسْرٌ رابعُ‏.. جِسْرٌ خامِسُ‏.. جسرٌ سادس..

تَخْطو أقَدَامنا عَلى الجِسْرِ الأوّلِ‏ يبتعِدُ المصباحُ عن المصباحْ.‏. ينكسِرُ الحُلْمُ على الأقداحْ.‏. الفَتى الذي يسكُننا عِنْدَ أثيرِ النوافذِ‏ يَقرأُ شيئاً‏ على العُشْبِ‏ مُتَّخِذاً هيئةَ الستّين‏.. بِقليلٍ مِنَ الظمأِ في شفتيهِ‏.. قليلٍ من الشَّيْبِ في رأسهِ‏ وقليلٍ من الياسَمينْ.‏. يَتَغنى بِصَوْتٍ خَفيضٍ..‏ - لَقَدْ كانَ يمشي على العُشْبِ‏ دونَ حذاءٍ‏ يصيدُ الغاصبينَ‏.. مِشيَتُهُ الآنَ أهدأ‏.. عيناهُ مُتعبتانِ‏ ويَخشى مِنَ البردِ‏.. على نافذةِ الأربعين ربيعاً‏ يغنيّ.‏. ويشْرِعُ نافذةً أخرى على الحياةْ.‏

إخترنا لكم من العدد

إقليميات

الكيان الصهيوني المستفيد الأول من التطبيع المتسارع مع المغرب

الكيان الصهيوني المستفيد الأول من التطبيع المتسارع مع المغرب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ توفيق المديني ـــــــــــــــــــــ المتابع لحركة التطبيع بين الكيان الصهيوني والنظام المغربي، يكشف تلاحق زيارات ...