مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: " يدعو التجمع الرؤساء الثلاثة أن يستقبلوا السمسار الأمريكي- الصهيوني الهوى عاموس هوكشتاين بموقف ثابت وموحد وعدم الخوض معه في أي شروط جديدة فأما أن يقبل بالعرض كما هو أو فلنذهب إلى تعديل الترسيم إلى الخط 29 ".

العدد رقم 356 التاريخ: 2022-09-30

فكر ما بعد الحداثة.. وهوس الخطاب العربي!

غسان عبد الله

هامش ثقافي

فكر ما بعد الحداثة.. وهوس الخطاب العربي!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غسان عبد الله

ـــــــــــــــــــــــ

من العبارات الرائجة في الساحة الفكرية العربية في هذه الأيام مفهوم ((ما بعد الحداثة)) الذي يُستخدم على نطاق واسع في الدراسات الفكرية والأدبية والنقدية، وتستند إليه اتجاهات فلسفية متزايدة الحضور والحظوة.

كما أن بعض الأوساط والمؤسسات الثقافية تضطّلع بدور المنبر لهذا الاتجاه الجديد، ومنها بعض الهيئات والمنتديات الفاعلة التي تصدر منشورات وأدبيات رائجة.

بَيْدَ أن هذا المفهوم نادراً ما يخضع للتمحيص والتدقيق، بل غالباً ما يستخدم بغموض وارتجال للتعبير عن دلالات متباينة متغايرة بحيث يكون تعبير ((ما بعد الحداثة)) مرادفاً أحياناً لفكر الاختلاف (في الأدبيات الفلسفية) أو مرادفاً لظاهرة العولمة، أو تجسيداً لأفق وحضارة مختلفة عن العصر الصناعي (كما تفيد بعض الدراسات المستقبلية). وقد تذهب بعض المقاربات الى استخدم المقولة تبياناً لإفلاس الحضارة الغربية ودليلاً على قرب انهيارها وتقوّض أركانها (بعض الكتابات الإسلامية الذائعة).

وليس من شأننا مناقشة هذه الأطروحات، وإنما سنكتفي بالإشارة إلى بعض سياقات توظيف هذا المصطلح الذي يحتاج لوقفة تدقيق ونظر.

بدءاً نذكُرُ الارتباط الوثيق بين هذا المصطلح ومفهوم الحداثة الذي يتحدد وفق مرجعيته من حيث هو تجاوز له، ولذا فإن فكر ما بعد الحداثة يتأسس على القطيعة مع الفضاء الدلالي والنظري للحداثة، أي فكر الأنوار بمحطاته وروافده المعروفة. وكما هو معروف فإن هذا الفكر يقوم على مرتكزات ثلاثة رئيسية:

1- المقاييس العلمية الحديثة، أي التصور الرياضي - التجريبي للوقائع الطبيعية الذي أفضى إلى ظاهرة التقنية. وما سمحت به من تهيئة الأرضية التحتية للثورة الصناعية القائمة على الاكتشافات الفيزيائية.

2- انبثاق القيم الإنسانية التي عوّضت التقاليد الكنسية الوسيطة، وأعادت بناء الحقل السياسي من منظور الإرادة البشرية الحرة، بحيث يصبح للإنسان المواطن حق اختيار ممثله وحاكمه دون إكراه ولا تدخل، ما فسح المجال أمام النظم الديمقراطية والثورات الدستورية والشعبية التي عرفتها أوروبا والولايات المتحدة.

3- إعادة بناء النظام المعرفي على أسس عقلانية صلبة تتجاوز الحيّز الفلسفي الضيق والتجربة العلمية بل تشكّل نموذج ومحور مختلف التشكيلات والممارسات الخطابية. ونعني هنا بعبارة ((عقلانية)) أولوية الذات المفكّرة في المسار المعرفي، وتأكيد قدرة العقل الأدواتي على امتلاك حقائق الظواهر من خلال منهج يقوم على التحليل المفهومي والبناء الرياضي المحكم. ولا شك أن هذه المرتكزات الثلاثة هي التي تعرّضت للمساءلة والنقد في الفكر الغربي المدعو تجاوزاً بفكر ما بعد الحداثة. وهو توصيف بالسلبِ لغيابِ الانسجام بين المقاربات التي تصنَّف عادة في خانة هذا الفكر.

ومن بين المقاربات ما بعد الوضعية التي قوّضت مصادرة الاكتشاف التجريبي لحقائق الطبيعة عن طريق التحقق والاختبار بالاستناد إلى الاكتشافات العلمية الجديدة التي بيّنت دور الاختراع والخيال في البناءات العلمية التي هي تصرف في الطبيعة وليس استكناهاً لها. فالعلم من هذا المنظور لا يصل إلى حقائق يقينية ولا يتحرّى الاتّساق مع نظام الأشياء، وإنما يقدم فرضيات تكون فقط ملائمة وناجعة، وليست صائبة أو خاطئة.

ومن امتدادات هذا التوجه، النظريات النقدية الجديدة المتأثرة بالدرس اللساني التي أعادت النظر في مفهوم المعنى ودلالة النص من منظور إعادة الاعتبار للكتابة على حساب القول، وتأكيد ثراء واتساع الدلالات والتبشير بـ ((موت المؤلف)) وتقويض مفهوم الإبداع.

أما الدراسات المستقبلية التي تمثّل رافداً آخر من روافد فكر ما بعد الحداثة فهي غريبة عن هذا المنحنى، ترتكز على الأبحاث الاقتصادية والجيو/استراتيجية، وتستنتج من التحولات العميقة التي مسّت في العقدين الأخيرين شكل النظام الدولي ونموذج الدولة القومية والمنظومة الاقتصادية العالمية والمرور إلى عهد جديد يختلف جذرياً عن العصر الحديث من حيث المقومات السياسية والتنظيمية والاستراتيجية. ولا شك أن هوس الخطاب العربي الراهن بظاهرة العولمة يندرج في هذا الباب، ما يترجمه سيل الكتابات المتواصلة حول الموضوع، وإن كان التأثّر هذه المرة بالأدبيات المستقبلية الأمريكية وليس بالدراسات الفلسفية والأدبية.

إن ما نريد أن نخلص إليه من هذه المعطيات التحليلية الأولية هو أن فكر ما بعد الحداثة الذي يتم الترويج له اليوم في الساحة العربية لا يمثل اتجاهاً فكرياً رصيناً ومنسجماً، ولا يخرج في غالب الأحيان عن ترجمة واستنساخ مقولات واصطلاحات ونظريات متداولة منذ عقود في الثقافة الغربية السائدة وخصوصاً الفرنسية منها.

ولعل الإشكال الذي يستحق عناية المفكر العربي هو التفكير المعمّق والجاد حول عوائق المشروع التحديثي العربي المتعثر، وكبوة وإخفاق حركة الإصلاح والتجديد بمختلف اتجاهاتها، بدل نشر أفكار برزت في سياقات وأرضيات مغايرة.

إخترنا لكم من العدد

إقليميات

الكيان الصهيوني المستفيد الأول من التطبيع المتسارع مع المغرب

الكيان الصهيوني المستفيد الأول من التطبيع المتسارع مع المغرب ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ توفيق المديني ـــــــــــــــــــــ المتابع لحركة التطبيع بين الكيان الصهيوني والنظام المغربي، يكشف تلاحق زيارات ...