مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: "التدهور في سعر صرف الدولار الأمريكي السبب فيها هو التلاعب الذي يتم من خلال المصارف ومن خلال الرعاية الكاملة لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة".

العدد رقم 373 التاريخ: 2023-01-27

حقل ألغام استراتيجي.. رسم الخرائط وتوصيات السياسة

حقل ألغام استراتيجي.. رسم الخرائط وتوصيات السياسة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأسابيع القريبة حتى الانتخابات، وقبلها أعياد تشري، تحمل في طياتها إمكانية متفجرة بسبب تقاطع العديد من الأحداث والخطوات: مواصلة التصعيد الأمني في الصفة الغربية وبشكل خاص شمال السامرة (شمال الضفة الغربية)، التي تتجه في منحى تصاعدي؛ ترقّب البدء باستخراج الغاز من حقل كاريش، وفي الخلفية تهديدات حزب الله؛ التدهور الأمني الذي قد يتطور حول الحرم القدسي خلال أعياد تشري، الأمر الذي يمكنه ان ينعكس على نقاط أخرى في المنظومة الفلسطينية، وكذلك على الساحة الداخلية في إسرائيل.

في المقابل، مع وجود اتفاق، إيران تواصل التقدم في برنامجها النووي وتُمسِك بالكرة بين يديها لاستمرار المفاوضات. وفي نظرة أوسع، الهجوم المضاد الاوكراني، قد يدفع بوتين إلى تصعيد الرد العسكري.

ارتقاء درجة في التوتر بالضفة الغربية

تعكس سلسلة الهجمات والحوادث التي وقعت في الأسابيع الأخيرة، خصوصاً في شمال الضفة، في مدينتَيْ جنين ونابلس، الارتقاء إلى درجة الذي حدث منذ منتصف العام في الضفة الغربية (زيادة في حجم الهجمات ثلاثة اضعاف مقارنة في العام الماضي). هذا التصعيد ناتج عن الدمج بين ثلاثة عناصر: الضعف الذي تبديه الحكومة الفلسطينية، التي تجد صعوبة أو تفتقر إلى الدافع لفرض ارادتها في بعض مناطق الأراضي الضفة الغربية؛ الجرأة من جانب الجيل الشاب الفلسطيني (أغلب منفّذي الهجمات لا يعتبرون مع منظمات)؛ وكذلك زيادة المسعى الأمني الإسرائيلي، الذي يقود إلى تعاظم الاحتكاكات على مستوى الأرض ويجسّد ضعف الأجهزة الأمنية الفلسطينية. ومن الجدير التأكيد، بأن الضعف الذي تظهره السلطة الفلسطينية ليس فقط نتيجة الإجراءات الإسرائيلية، بل أيضاً بسبب طابع السلطة في رام الله (فساد، والابتعاد العميق عن الجمهور، والانحطاط السياسي المستمر).

في الخلفية، استياء السلطة الفلسطينية، ليس فقط تجاه إسرائيل ولكن أيضاً على إدارة بايدن، لعدم قدرتها على إقناع إسرائيل بتغيير سلوكها (وإبداء اهتماماً محدوداً بشكل عام بالساحة الفلسطينية). وذلك، بشكل خاص بكل ما يتعلق بحجم نشاطات الجيش الإسرائيلي واقتطاع الأموال التي تُحوِّل (الأمر الذي يُلحِقُ ضرراً من جملة أمور في القدرة على دفع الأجور لعناصر الأجهزة الأمنية)، كذلك أيضاً بسبب الضغط الذي يمارسه لكي توقف السلطة نشاطاتها في الأمم المتحدة لقبولها كدولة عضو، إلى جانب خيبة الأمن من أن زيارة الرئيس بايدن إلى المنطقة لم تثمر أي نتائج لصالح السلطة الفلسطينية. وقد تجلى ذلك، حسب الادّعاء، في اللقاءات المتوترة التي عقدتها مؤخراً في رام الله مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية لشؤون إسرائيل، باربرا ليف، وحقيقة أن أبو مازن رفض مقابلتها.

توترات منصة كاريش

الساحة الأساسية التي قد تندلع في الأسابيع المقبلة، تتعلق بالمفاوضات حول ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. وذلك في اعقاب التحذيرات القوية الاستثنائية لنصر الله، بأن حزب الله لن يتردَّد في العمل من أجل الدفاع عن حقوق لبنان في حال بدأت إسرائيل من جانب واحد في استخراج الغاز من دون اتفاق.

الوسيط الأمريكي، عاموس هوكشتاين، أنهى جولة حوارات إضافية في لبنان وفي إسرائيل بدون الإعلان عن اختراق في المحادثات، على الرغم من المعلومات التي نشرت عن حصول تقدم مهم في المفاوضات. عشية زيارة هوكشتاين، نشرت العربية مسار محتمل للتسوية، ضمن إطارها تتنازل إسرائيل للبنان عن السادة عن حقل قانا، وفي المقابل تحصل على تعويضات حقوق من شركة إنيرجيان، المفترض أن تقوم بالتنقيب في المنطقة. الشركة نفسها أعلنت أن استخراج الغاز سيبدأ في الأسابيع المقبلة.

على الرغم من مصلحة جميع الأطراف المشاركة، بما في ذلك الحكومة اللبنانية، بالتوصل إلى اتفاق على تقاسم الأرباح، يبدو أن الكرة موجودة على حدّ كبير بيد حزب الله. تستغل هذه المنظمة هذا النزاع من أجل التلويح بصورتها "كحامي الموارد الطبيعية للبنان"، وتتطلع إلى أن تخرج في أي سيناريو رابحة. وسواء تم التوصل إلى اتفاق تتخلى بموجبه إسرائيل عن حقل قانا للغاز، أو ما إذا كانت إسرائيل مضطرة مرة أخرى إلى تأجيل بدء إنتاج الغاز، فإن نصر الله سيقدم ذلك باعتباره كتراجع إسرائيلي بسبب القوة الرادعة للمنظمة.

ويحتمل أيضاً، أن يقدر نصر الله بأن إسرائيل في هذه المرحلة (عشية الأعياد وقبل الانتخابات، وعلى ضوء التوتّر المتزايد في الضفة الغربية) فإن خطوات أحادية الجانب قد تقود إلى تقويض الاستقرار، ولذلك يسمح لنفسه برفع الرهان. وينطوي هذا الاحتمال على خطر متزايد من سوء التقدير من جانب نصر الله فيما يتعلق بقوة الرد الإسرائيلي.

على أية حال، يبدو أن الانخراط المتزايد للولايات المتحدة في الأزمة، جنباً إلى جنب مع مصالح الكبيرة للاعبين الإقليميين، سيؤدي في النهاية إلى بلورة اتفاق. مع ذلك، يحتمل أن يتمّ تأجيل موعد التّوقيع على الاتفاق، وبالتالي بدء إنتاج الغاز، بسبب صعوبة التوصل إلى اتفاق خلال هذه الفترة (قبل أسابيع قليلة من الانتخابات في إسرائيل ولبنان).

مراوحة في المحادثات النووية

وصل الاتفاق النووي بين إيران والقوى العالمية، والذي بدا وكأنه على وشك الانتهاء، إلى طريق مسدود مرة أخرى في أعقاب ردّ إيران على الاقتراح الأخير، بناءً على المطالبة بإغلاق التحقيقات المفتوحة للوكالة الدولية للطاقة الذرية ضدّها بشأن بقايا اليورانيوم التي وُجدت في ثلاثة مواقع. ورداً على ذلك، أعرب مسؤولون أمريكيون وأوروبيون عن تشاؤمهم من إمكانية التوصل إلى اتفاق في المستقبل القريب. ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الصعوبة الكبيرة التي تواجهها الدول في الاستجابة بشكل إيجابي للمطلب الإيراني، لأن هذا يعني انهيار مبادئ معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، خصوصاً في وقت تتحدى فيه روسيا وكوريا الشمالية متانة المعاهدة.

الرد الإيراني زاد من حدّة المعضلة هل أن الأمر يتعلق بمدماك إضافي في تكتيك المفاوضات الإيرانية التي تهدف لانتزاع إنجازات إضافية من الغرب، أو ما إذا كانت إيران في نهاية المطاف غير مهتمة بالاتفاق، في ظلِّ انعدام الثقة والخوف من أن يؤدي تغيير محتمل للحكم في الولايات المتحدة في غضون عامين تقريباً إلى تغيير السياسة الأمريكية وإلى انسحاب إضافي من الاتفاق. أكثر من ذلك، الموقف الإيراني يظهر مرة أخرى أن كرة التقدم في المفاوضات هي بيدها، وحتى الآن ليس من المطلوب منها اتخاذ قرار، لأن القوى تمتنع عن ممارسة ضغوط حقيقية عليها وتهديد ملموس يجبرها على إعادة التفكير وتغيير سلوكها بشكل عام وفيما يتعلق بالمفاوضات بشكل خاص.

الموقف الغربي يلعب لصالح إيران ويمكنها من مواصلة المناورة. وهكذا من جانب، تمتنع عن كسر الأواني في المفاوضات، لكن من جانب ثاني، تواصل العمل على دفع المشروع النووي والسعي للحصول على قدرات متطورة من دون قيود مهمة. وفقاً للتقرير الفصلي الجديد للوكالة الدولية للطاقة الذرية، تمتلك إيران الآن 55.6 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60٪، وهي زيادة كبيرة مقارنة بالوضع قبل نحو ثلاثة أشهر وكمية كافية لتخصيب قنبلة واحدة. هذا التقرير يوضح الخطر في مواصلة المراوحة في المفاوضات، لأنه من دون إنجاز اتفاق جديد ومواصلة الرقابة، وطالما أنه لا يوجد تهديد فعلي على إيران، فإنها ستستمر، تقريباً من دون عائق، في التقدم للحصول على قدرات العتبة النووية.

الهجوم ضد أوكرانيا

نجح الجيش الأوكراني في الأيام الأخيرة بالسيطرة على مناطق أساسية في شمال شرق الدولة في منطقة خاركوف، في أعقاب هجوم مضاد مفاجئ بدأ في المنطقة. يتعلق الأمر بنجاح عملياتي مهم جداً للجيش الأوكراني منذ صدّ الهجوم الروسي على كييف بداية الحرب. على الرغم من النجاح الأوكراني، فإن الطريق إلى ترتيبات وإنهاء الحرب لا زال طويلاً. من المعقول، أن أوكرانيا نفسها ودول الغرب يستمدون التشجيع والأمل، بأنه يمكن الوصول إلى إنجازات إضافية مقابل الجيش الروسي طالما استمرت الحرب، وذلك على الرغم من ضائقة الطاقة والصعوبات الاقتصادية الشديدة في أوروبا. في المقابل، كلما تزايدت الخشية في موسكو من تحوّلٍ في الحرب، كلما أمكن أن يقرّر الرئيس بوتين استخدام وسائل أكثر تطرفاً بهدف كبح التدهور وخسارة مناطق إضافية. التعبير عن ذلك كان في الهجوم الصاروخي الروسي ضد محطات طاقة في شرق أوكرانيا، والذي تسبب بانقطاعٍ مستمر للكهرباء.

المجتمع العربي في إسرائيل

يواصل المجتمع العربي داخل إسرائيل بالتميز بالجو المشحون. وذلك، بسبب استمرار أحداث الجريمة والعنف والشعور بضعف فرض السلطة في نقاط مختلفة في الدولة، اللذان يقتطعان إلى حد كبير من شعور إنجاز القائمة العربية الموحّدة في العام الأخير؛ وإلى جانب ذلك اليأس العميق للجمهور العربي من المنظومة السياسية كلها، الأمر الذي يتوقع أن ينعكس في نسبة التصويت المنخفضة في الانتخابات القريبة. وحتى في الانتخابات، قد تزداد قابلية الانفجار بسبب التوترات المحتملة حول الحرم القدسي (على غرار نموذج أحداث أيار 2021)، وبعد الانتخابات إذا كانت نسبة التمثيل العربي في الكنيست منخفضة، الأمر الذي قد يعمّق التوترات بين الجمهور العربي ومؤسسات الدولة والجمهور اليهودي.

توصيات

قبيل أعياد تشري خطر اندلاع أعمال العنف، على ضوء الارتقاء درجة في حجم الأحداث ومحاولات شن هجمات، المطلوب سياسات حكيمة التي في صلبها نشاطات للحفاظ على الهدوء في منطقة الحرم القدسي.

كل ذلك، إلى جانب مواصلة النشاطات المركزة ضد البنية التحتية في الضفة الغربية، عبر محاولة منع انزلاق أحداث العنف إلى كل الضفة الغربية. في المقابل، يجب على الحكومة العمل على استقرار المنظومة الاقتصادية الفلسطينية، والحفاظ على التنسيق الأمني والمدني مع السلطة (من بين جملة أمور المتعلقة بخروج العمال)، ونقل رسائل تحذير إلى حماس للامتناع عن القيام بخطوات (في الضفة الغربية وأيضاً مقابل عرب إسرائيل) قد تؤدي إلى إشعال الأرض في هذه الفترة الحساسة.

في الجانب الإيراني، يجب على إسرائيل مواصلة الحفاظ على التنسيق الاستراتيجي الوثيق مع الولايات المتحدة على المستوى السياسي، والأمني – العسكري، مع الحرص على الحوار السِّري وتجنب الخلافات العلنية مع الإدارة الأمريكية. وفي نفس الوقت، يجب على إسرائيل تعزيز عمليات بناء القوة لإنشاء قدرات عسكرية للتعامل مع التهديد النووي، حيث التوقيع على صفقة لشراء أربع طائرات تزوّد بالوقود هو خطوة مهمة وأساسية. وذلك، إلى جانب مواصلة النشاطات للتضييق على التمركز الإيراني في المنطقة، مع الحفاظ على قواعد التنسيق الأمني مع روسيا في الساحة الشمالية.

على إسرائيل أن تسعى جاهدة لاستكمال الاتفاق بوساطة أمريكية بشأن ترسيم الحدود البحرية مع لبنان وتوزيع أرباح الغاز. ضمن هذا الإطار، على إسرائيل إبداء الحزم بخصوص نيتها البدء في إنتاج الغاز، مع استعدادها لتأجيلها مؤقتاً لعدّة أسابيع لاحتياجات المفاوضات حتى إتمام الصفقة. على أي حال، يجب على إسرائيل أن لا تظهر كمن ارتدع من تهديدات حزب الله، بشكل ربما تمنع تصعيداً الآن، لكن مع مرور الوقت ستلحق ضرراً مهماً بالرّدع الإسرائيلي، وستشجّع المنظمة على تحدّي إسرائيل بشكل دائم في مسائل إضافية.

معهد السياسات والاستراتيجية (رايخمن) – برئاسة اللواء في الاحتياط عاموس غلعاد

إخترنا لكم من العدد

إعرف عدوك

حقل ألغام استراتيجي.. رسم الخرائط وتوصيات السياسة

حقل ألغام استراتيجي.. رسم الخرائط وتوصيات السياسة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ترجمة وإعداد: حسن سليمان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأسابيع القريبة حتى الانتخابات، وقبلها أعياد تشري، تحمل في ...

دوليات

روسيا تستعد للمنازلة الكبرى.. الغرب يستهدف تفكيك بلادنا

روسيا تستعد للمنازلة الكبرى.. الغرب يستهدف تفكيك بلادنا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ابتسام الشامي ــــــــــــــــــــــــــــ بإعلانه التعبئة الجزئية لمن هم في سن القتال، يكون الرئيس الروسي فلاديمير ...

محليات

خطاب السيد نصر الله أرعب العدو وأرغم واشنطن على التحرك لإنجاز اتفاق الترسيم

أوساط سياسية للبلاد: خطاب السيد نصر الله أرعب العدو وأرغم واشنطن على التحرك لإنجاز اتفاق الترسيم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد الضيقة ــــــــــــــــــــــ تواصل القوى السياسية اللبنانية اتصالاتها ...