مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: "هناك حاجة ماسة إلى قرارات تصدر عن الحكومة بغض النظر عن مشروعية جلساتها تتعلق بأشياء مصيرية يحتاجها المواطن".

العدد رقم 366 التاريخ: 2022-12-09

الأخلاق والعدالة في نظرية أفلاطون السّياسيّة

نبيل علي صالح

الأخلاق والعدالة في نظرية أفلاطون السّياسيّة

(الدّولة كصورة مكبَّرة عن الفرد في أخلاقه وسلوكه العادل)

مقاربة مع رؤية الإسلام

 

نبيل علي صالح

كاتب وباحث سوري

 

لمْ ينفصلْ أفلاطون عن أستاذه سقراط في كثيرٍ من القضايا المتعلقة بالأخلاق والإنسان والسياسة، بل تابعه واستمرَّ معه معرفياً وأخلاقياً، ودافعَ عن بعضِ خياراته الفكرية ورؤاه المعرفية في هذا المقام..

ففي المعرفة - التي ركّزها أفلاطون على قيمة وفكرة الخير الأعلى الكلّي كمصدر للمعرفة القارّة الجوهرية - فصَلَ "أفلاطون" بين المعرفة الظّنّية بالمحسوسات والماهيّات المفارقة للمادة "المثل"، ومن هنا اعتبر "أفلاطون" أنَّ الخيرَ أسمى المُثل، ومصدر الوجود والكمال والجمال، ولكن هنا نجده يخالف أستاذه سقراط، إذْ أنه تجاوز الماهيات المتحققة في الموجودات المحسوسة إلى ما سماه بالمثل التي شكّلت مرجعه لكل ما تناوله من أفكار وأنتجه من معارف وتحليلات في الفلسفة والسياسة والاجتماع.

وعلى صعيدِ الأخلاق، (كما هو معروف) كانت الأخلاقُ قبلَ سقراط مجموعة من النّصائح والحكم والإرشادات يطلقها شعراء وحكماء ومتفلسفون حولَ بعض مواقع الحياةِ الأخلاقية والإنسانية، تبقى في دائرة الوَعظ البَعيد عن التّماسك والرّصانة.. ولكنّنا كلّما اقتربنا من الفَترة الزّمنية التي عاشَ فيها سقراط (أستاذ أفلاطون) تحدّدت المشكلة الأخلاقية واتضحت معالمها وتبلورت مباحثها.. حتى إذا ما وصلنا إلى السفسطائيين وسقراط برز عنصر جديد في الأخلاق – له علاقة بواقع السياسة المجتمعية في علاقات الناس وتعاملاتها مع بعضها بعضاً - وهو المقابلة بين أخلاقية المنفعة وأخلاقية المبدأ، أخلاقية الغريزة والطبيعة وأخلاقية العقل والقانون (وهو أساس بناء الدولة القوية العادلة)، بين نسبية المعاني الخلقية وتغيرها بتغير الزمان والمكان والشخص والحالة وبين إطلاقها وثباتها وسرمديتها.. وعندما جاء أفلاطون كان الخلاف حادّاً بين هاتين المدرستين المتعارضتين: مدرسة السفسطائيين من جهة ومدرسة سقراط من جهة أخرى. ولم يكن له خيار في الأمر.. فهو (أي أفلاطون) تلميذ سقراط وصديقه، بآرائه نغذّى وفي مدرسته تخرّج.. لذلك كان أكبر همّه أن ينضم إليه في حملته على السفسطائيين، وينبري للردِّ عليهم، كما سبق أن ذكرنا.. فكتب محاوراته عن مبدأ العقل والقانون، وتفضيله على مبدأ اللذة والمنفعة والغريزة.

لقد حاولَ أفلاطون – في سياق تلك المواجهة - الانطلاق من الأخلاق (فكرة الخير الكلّي = نظرية المُثل) في تصوراته الفكرية والسياسية لبناء مجتمع مثالي ودولة سياسية قائمة على العدل، من خلال جَعْل القانون الأخلاقي عامّاً للناس (وبين الناس) في كل زمان ومكان، وهذا لا يتيسَّر إلا بإقامته على أسمى جانب مشترك في طبائع البشر، ونعني به العقل.. وزادَ خطوة عن موقف أستاذه (تجاه السفسطائية بالذّات)، فرأى أنَّ الفعلَ الخُلُقِي يتضمنُ جزاءه في باطنه، وأنَّ الإنسانَ الفاضل يؤدي الفعل الخيّر لذاته، باعتباره غاية في نفسه، وبهذا أبطلَ أفلاطون المذهبَ السفسطائي الذي وضعَ غاية الأخلاق في خارجها، ورَهنَ الخيرية بمفهوم وقيمة مادية هي اللذة التي تنجم عنها (عن الأخلاق): الحكمة، العفاف، الشجاعة.. وإذا ما تحققت الفضائل الثلاث للنفس، تحقق فيها التناسب والنظـام، ويسـمي أفلاطون حالة التناسب هذه العدالة، وهي الفضيلة الرابعة..

إذاً، وظيفة العدالة تكمنُ في أنْ تحفظَ النظام والتناسب بين الفضائل.. فالحكمةُ فضيلةُ العقل، والعفة فضيلة النفس الشهوانية، وأما الشجاعة فهي وسط بينهما وهي فضيلة النفس الغضبية، فإذا ما تحقق التوازن أي العدالة بين قوى النفس وفضائلها حصلت النفس على السعادة، وهذه العدالة هي حالة باطنية عقلية أخلاقية تتجاوب مع النظام في العالم المحسوس، ويبدو فيها جمال النفس وصحتها، وسيطرة الجزء الإلهي فيها على الشهوات ورغبات الجسد، وهذا هو الوضع الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان، والإنسان العادل (الأخلاقي) هو الذي لا يشك في صحة مبادئه أبداً حتى لو هدده طاغية؛ ليبقى يمارس حياته بناءً على معايير الأخلاق في كلّ مواقعه وعلاقاته، بناءً على الخير الذي هو المعرفة الكاملة الصحيحة.. إذن فالأمر يتسلسل عند أفلاطون كالتالي: المعرفة خيرٌ ويعرفهُ عن طريق البحث المنظم، وسيبلغ به الاستطراد في التسلسل إلى التوصل وإقامة المجتمع على أساس هذه الفكرة، وتقسيم العمل، والتخصص كشرط للتعاون الاجتماعي، وأنّ مشكلة الملك الفيلسوف إنما هي تنظيم لكل هذه الأمور على أحسن وجه.

لقد أخذت العدالةُ عند أفلاطون (وهي قيمة أخلاقية ذاتية لها تطبيقات اجتماعية سياسية عملية)، المجالَ والحيز الأكبر في فكره وفلسفته السياسية على صعيد العلاقة بالدولة والمجتمع والناس، ونراه يعبر عن وصفه أو تعريفه للعدالة، ويتفلسف في ذلك، ويقلّبَ الأمر على شتى جوانبه، ويعرض آراؤه عن العدالة.. فها هو يقول: "إنّ العدالةَ هي أنْ يرد للإنسان ما له"، وأنها "نفع الأصحاب ومضرة الأعداء"، ويعرف الأصحاب تعريفاً اجتماعياً واسعاً بقوله: "والأصحاب هم الذين نعتقد فيهم الأمانة والصلاح"، ثم يصبح أكثر تحديداً بقوله: والعدالة هي مساعدة الأصحاب الأمناء ومضرة الأعداء الشرار"، و "أنّ الإضرار بالإنسان يجعله أكثر شراً وأقل عدالة". والعدالة أن ينصرف المرء إلى شؤونه دون أن يتدخل في شؤون غيره".. أي أن يلتزم كل فرد حدود الطبقة التي ينتمي إليها تبعاً لطبيعته أو تكوينه، ولا يحاول أن يتعدى نطاقها الخاص، أو يتطلع إلى غيرها من الطبقات. ولكن المشكلة في هذا التعريف، أنه لا يعترف بشيء أو بقيمة اسمها المساواة، بل هو تعريف أفلاطوني يؤكد حالة اللامساواة.. فالدولة عنده في ظل مفهومه عن العدالة، تكون عادلة إذا اقتنع المحكومين بما قد قسمتهم لهم وألزمتهم به ووضعتهم فيه. فإذا رضي الصانع والزارع بوضعه، ولم يحاول أن يمارس عملاً "أرفع" من ذلك الذي تؤهله له طبيعته، أي إذا اقتنعَ باللامساواة الطبيعية بينه وبين الآخرين، فهذا هو عين العدالة عند أفلاطون.. وبعبارة أخرى، العدالة هي المحافظة على الفوارق والتباينات بين الناس، وليست هي السعي إلى إلغائها.

نعم، العدالة عند أفلاطون تنتمي إلى حيّز الأخلاق ومعايير القيم الأخلاقية، ولكنها تظهر عملياً وكأنها تنتمي فعلياً لمجال السياسة والفعل السياسي، وأفلاطون يدرجها ضمن الفضائل الرئيسية الأربع كما لاحظنا سابقاً.. والسبب هو أن الفرد – وهو الفاعل الأول بالسياسة وموضوعها الرئيسي - يجب أن يكون أخلاقياً وعادلاً مع نفسه، ليتمكن من ممارسة السياسة في عالم المدينة الفاضلة، والتي ترتبط مباشرة بامتلاك القدرات على تمثُّلها وتطبيقها على الأرض من خلال آليات الحكم العادل.. وإذا كانَ العدلُ على المستوى الفردي عند أفلاطون هو التوازنُ الصّحيح بين القوى الثلاث (قوى النفس الذاتية من غضب وشهوة وعقل)، فإنهُ يصبحُ على المستوى الاجتماعي أداء الوظيفة المناسبة في المجتمع. وفي حال لم يتحقّق هذا التوازن (والانسجام) يجبُ فرضه بالقوة حتى عن طريق الحكومات الاستبدادية، حيث يجدها أفلاطون عادلةً طالما هي نابعة أو صادرة عن الدولة أو الحكومة بغاية فرض الأخلاق.. فشرائع كل حكومة –كما يقول أفلاطون- مصوغة في قالب يضمن فائدتها؛ وشرائع الديمقراطيين ديمقراطية، وشرائع الأوتوقراطيين استبدادية، ومعنى ذلك أن كل ما هو منفعة للحكومة هو العدالة..

مما تقدّمَ لاحظنا أنّ الأخلاق الأفلاطونية الفاضلة – وعلى رأسها قيمة العدل - متعلقة بسياسة الدولة وحركة الفرد فيها، ولا انفصال بينهما.. فكل حديث في السياسة هو بالضرورة حديث في الأخلاق.. وقد سعى أفلاطون للتمكين والإلزام الأخلاقي في المدينة (الدولة) الفاضلة (أي التي تتحقق فيها الفضائل الأربع السابقة).. ولكنه كان يعتقد أنه غير قابل للتحقق إلا بتولي الحكم السياسي من قبل طبقة الفلاسفة والحكماء.. كما أنَّ المدينةَ (الفاضلة) تحقّقُ فضيلةَ الشجاعة عندما يكون لها جيشٌ قوي مقدام.. وتكون معتدلة أو تتحرك فيها فضيلة الاعتدال عن طريق ما يتسم به أهلها من عفة وطهارة نفسية معنوية.. وهي أخيراً عادلة حين يقوم فيها كل مواطن بالعمل المخصّص له، أو الذي يَصْلُح له حسب قدراته وإمكاناته.. وباختصار عندما تضع الرجل المناسب في المكان المناسب.. ومنه فلكلّ طبقة سياسة فضيلتها؛ ففضيلة الحكامُ الحكمة، وفضيلةُ الجنود الشّجاعة، وأخيراً فضيلة الحرفيين والسكان العفّة.. وإذا اجتمعت هذه الفضائل ستتحققُ العدالة كفضيلةٍ عليا في المجتمع والدولة.. ويرى أفلاطون أنّ الدولةَ هي النموذجُ المكبر للفرد، أي أنّ السياسة مجرد مَثل يوضح ما ينبغي أن تكون عليه الأخلاق.. فإذا كانت السياسةُ هي الباعث الأساسي الذي دفع أفلاطون إلى البحث الفلسفي بسبب فساد المدينة وكراهيته لنظام الحكم فيها، فقد كان الهدف عنده إصلاح الأخلاق، أخلاق الناس والمجتمع والحكام.. وقد رأى أن الأخلاق تقوم على أساس أعمق من مجرد الدعوة للفعل الخيّر والعمل الصالح، واقتضى منه ذلك البحث في طبيعة النفس البشرية التي اعتبرها كثرة لا وحدة.. غير أن الدولة هي هذه النفس في صورة مكبّرة كما رآها أفلاطون.. فالأخلاقُ تتعلق بسلوك الفرد، في حين أنَّ السياسةَ تختصُّ بسلوك الجماعة ككل، ومن ثمَّ نجدُ كيف أنّ أفلاطون يجمعهما – أي الأخلاق والسياسة – في كلمة واحدة هي العدالة.. ومن أجل أن تتحقق هذه العدالة يجب أن يكون على رأس الدّول فيلسوف، وهي فكرةٌ مستمدةٌ من فلسفةِ أفلاطون المثالية التي تفرّقُ بينَ عالم التّغير والصّيرورة وعالم الثّبات والحقيقة، وهي تخدمُ في الواقع موقفه السّياسي المُحافظ.. وهو موقف يقوم على تفكير مثالي يتمحور حول ضخ الأخلاق والفضائل الأخلاقية في قلب السياسة لتطهيرها من الموبقات والسيئات والرذائل الأرضية، أي اتخاذ (الأخلاق) كمنهج عملي لتهذيب السياسة والسياسيين، وصولاً لمجتمع فاضل يمتلك ويحوز على الصفات الكمالية المثالية التي تعكس جزيئاً أو كلياً تلك القيم والمثل الثابتة الراسخة في عالم المُثل العليا..

طبعاً هذه الدّعوات لبناء الدولة على أسس الأخلاق، تتطلب مناهج تربوية لتمكين الفرد من العودة لمنبع الحكمة والأخلاق الأولى.. فكيف يتم هذا برأي أفلاطون؟!..

هذا ما نجده واضحاً في تأكيدات أفلاطون على ضرورة التزام الفرد بأخلاق المُثُل، والتسامي فوق مطالب البدن المادي (أي محاربة الشهوات والغرائز)، وأن يرضى من هذه الحاجات الجسدية ما يحقّقُ استمرارَ قوام البدن فقط، وأن يركز على النفس في تزكيتها وتطهيرها والسمو الرفيع بها على نحو دائم، وتوجيهها الدائم إلى طرق تحصيل المعرفة والحكمة.. هذا المـنهج قد يجعل النفسَ تتحررُ من سجنها الجسدي في هذه الحياة الدنيا، فيتحقق لها الاتصال بعـالم المثل الأخلاقية العليا، وتحيا حياة الفضيلة الشبيهة بتلك الحياة الأولى التي ستكون بعد الموت؛ أي الحياة المنزّهة عن عالم المحسوسات والشهوات والغرائز. والنفس إذاً -عند أفلاطون- هي في حالة صراع دائم مع شهواتها، لكي تكسـر الحـاجز الكثيـف المتمثل بالجسد، ولكي تتخلص من سجنها في هذه الحياة.

لكن هذا الفصلُ بين أجزاء النفس (والصّراع فيما بين قواها) مثلما هو الفصل في طبقات الدولة (والصراع بينها)، كان له تأثيرات واضحة في موضوعة الأخلاق، حيث كرّس نظرة سلبية لملكة الرغبة أو الشهور والغريزة القابعة في جوانية أي إنسان، تعتبرها ظاهرة أو مبدأ غريباً عن الإنسان، أو شيئاً طارئاً، مع اعتبار العقل هو وحده الحاكم، وبين الاثنين حرب لا هوادة فيها.. مثل هذا التفتيت والتشظي في عمق الشخصية الإنسانية انعكس على الأخلاق التقليدية بأسرها، وما زال من الممكن أن نجد حتى اليوم آثاراً لهذا الافتقار إلى التكامل الأخلاقي في الإنسان، نتيجةً لاستمرار الاعتقاد بأنّ الشخصيةَ الإنسانية تتألف من قوى وملكات متعارضة، يسير كل منها في اتجاه مخالف لاتجاهات الأخريات.. هذه الهوة أو هذا التّعارض الذي ظهر نتيجة الفصل، حاول أفلاطون عبوره من خلال قوله بفكرة "الانسجام"، مع أنه انسجامٌ –بحسب فؤاد زكريا- بين عناصر متنافرة متناقضة، ولا يتمُّ إلا بنوع من القوة والإرغام، والدليل على ذلك أن القوة العاقلة - التي ينبغي أن تكون لها الغلبة - تستعين بالقوة الغضبية – أي مبدأ الاندفاع والنشاط والتحمس في الإنسان - من أجل إخضاع القوة الشهوية وقهر رغباتها، مثلما يستعين حكام الدولة من الفلاسفة بالجند – أو الحراس - لإخضاع عامة الشعب وإرغامها على التزام حدودها. طبعاً ورغم ما حاوله أفلاطون من وضع فكرة الانسجام لمذهبه الأخلاقي، بقي الموقف هنا غامضاً وغير مفهوم، ولم يقم أفلاطون نفسه بمحاولة تبديد هذا الغموض بل التزم بمواقف معقدة ومختلطة.. فهو لم يوضح أبداً إن كان ما يعنيه بالانسجام هو تحقيق كل ملكات النفس بصورة متآلفة، أم تحقيق الأرفع منها على حساب الأدنى. في الحالتين يمكن أن يكون هناك انسجام، ولكن شتان ما بين الموقفين..!. إنَّ الانسجامَ في الحالة الأولى هو اعتراف بطبيعة الإنسان في عناصرها الكاملة، وبأنَّ الشخصية الإنسانية لا تكتمل إلا إذا حققت كل هذه العناصر معاً، دون أن يطغى واحد منها على الآخر. وفي هذه الحالة تكون فكرة الانسجام تعبيراً عن حالة التحقق الكامل لكل جوانب الطبيعة البشرية، أي أنها تكون اعترافاً صحيحاً بجميع عناصر طبيعة الإنسان. أما في الحالة الثانية فإنها تكونُ تعبيراً عن اتجاه إلى الزهد، وإلى كبت عناصر معينة من الطبيعة البشرية في سبيل عناصر أخرى- ويتمثلُ الانسجامُ في هذه الحالة في حفظ النسبة بين العناصر المتباينة، أي في إعطاء كل منها القدر الذي تستحقه من الاهتمام.

ومن الواضح أنّ ما سلكه أفلاطون من إعلائه للمعقولات فوق المحسوسات، وتمجيده للأخلاق المثالية والمعرفة النظرية الكاملة، واحتقاره الشديد للعالم الأرضي المادي، كلها تؤكد على فكرة التقشف الجسدي والزهد النفسي والعملي بمعناه السلبي، والقاضي بضرورة قمع غرائز الإنسان وكبتها ومنع التعبير عنها، والنظر إليها نظرة دونية لأنها سبب انحطاط الإنسان، لاحظوا قول أفلاطون في محاورة فيدون: "الجسم مقبرة النفس".. وقوله في نهاية محاورة الجمهورية: "إنّ الأمور الإنسانية كلها لا تستحق من المرء اهتماماً".

لكن ما يحيّرُ في أمرِ هذا الفيلسوف أنه ينتقل من الدعوة لاحتقار الجسد وحاجاته وغرائزه والدعوة للزهد، إلى أخس درجات الوضاعة الأخلاقية في تشريعه وتثبيته – من موقعه كفيلسوف! - للمتعِ الجنسية (المَثَلية الجنسية التي كانت معروفة وشائعة في الفترة الإغريقية) واعتبارها مجرد حالة لهو ضرورية خاصة للحراس والمحاربين، مع أنّ كلَّ النّظم والأفكار والتيارات والمذاهب المثالية الأخلاقية ترفضها وتحاربها بشدة..!!!. وهذا إن دل على شيء فهو يدلُّ على أن أفلاطون لم ينجح في الوصول لمنهج أو مذهب أخلاقي معتدل ومتوازن بين الجسد والنفس.. هما إذاً موقفان متطرفان (متناقضان) من النفس والجسد، فغلوّه في مثاليته الفوقية العُلْوية قابله غلو وتطرف آخر جسدي مادي.. يعني نحن هنا إزاء صورتين متعارضتين أيضاً، فمن جهة هي صورة تدعو للعزوف عن الدنيا ومغريات الحياة ومتعها، والتّوجه إلى الموات الجسدي، ومن جهة أخرى هناك صورة تدعو للأخذ بشيء من هذه المتع والمغريات والشّهوات..

إنّ هذا التّعارض والتّطرف والغلو في مواجهة حاجات النّفس والجَسد، ومن ثم الترخيص والتشريع لمتع جسدية منبوذة إنسانياً وبشرياً، يكشف الخلل في أصل نظرته الأخلاقية وارتهانها لغايات سياسية كامنة في جوهر مذهبه السياسي المثالي..

إنّ الموقفَ الصّحيح لمعالجة قضية الروح والمادة، جاء ببساطة من خلال معادلة إسلامية نثبتّها هنا، وتقوم على قاعدة أنه لا إفراط ولا تفريط في أي شيء يتعلق بالإنسان ووجوه ونشاطه وفعاليته وحضوره، فهذا هو الموقف المعتدل الوسطي روحاً ومادةً، والذي رأيناه مع الإسلام، في نصوصه المعيارية الكثيرة والمتعددة التي أعطت كل شيء حقه، فلا هي كبتتْ الغريزة، ولا سمحت بالانفلات الشهواني اللا أخلاقي.. جاء في النص القرآني المحكم: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (سورة القصص/77).

والإسلامُ أيضاً رفضَ مفهوم الزهد، بمعنى الرهبنة والتقشف، ورفض متع الحياة، والعيش على هامشها، وهو تصوّرٌ سلبي عن الزّهد كرّسته في مدى التّاريخ الأفلاطونية الأخلاقية في تأثيرها وهيمنتها لاحقاً حتى على أفكار وطقوس وتشريعات أديان ومذاهب، ظهرت أكثر وضوحاً في أحقاب زمنية غربية خلال القرون الوسطى بالذّات، انطوت على عثرات وتعقيدات اجتماعية وسياسية كلفت تلك المجتمعات كثيراً من الدماء والدموع.

 

محمد عبد الرحمن مرحبا، "مع الفلسفة اليونان"، منشورات عويدات/باريس، طبعة ثالثة لعام 1988م، ص138.

فؤاد زكريا، "جمهورية أفلاطون"، ص121.

محمد علي أبو ريان، "تاريخ الفكر الفلسفي (الفلسفة اليونانية من طاليس أفلاطون)"، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، مصر/الإسكندرية، طبعة ثانية لعام 2014م، ص243.

يوسف كرم، "تاريخ الفلسفة اليونانية، ص94.

محمد كمال ابراهيم جعفر، "في الفلسفة والأخلاق"، دار الكتب الجامعية، القاهرة/مصر، 1968م، ص182.

أفلاطون، "الجمهورية"، الكتاب الرابع، مصدر سابق، ص441.

أفلاطون، "الجمهورية"، مصدر سابق، ص338.

أفلاطون، "الجمهورية"، ترجمة ودراسة: فؤاد زكريا، مصدر سابق، (433)، ص313.

فؤاد زكريا، جمهورية أفلاطون، مصدر سابق، ص90.

هـنري سدجويك، "المجمل في تاريخ علم الأخلاق"، ترجمة وتعليق: كمال الطويل، عبد الحميد حمدي، دار نشر الثقافة، الإسكندرية/مصر، 1949م، ص123.

أميرة حلمي مطر، "جمهورية أفلاطون"، الهيئة المصرية للكتاب، مكتبة الأسرة، مصر/القاهرة، طبعة أولى، عام 1994م، ص13.

أفلاطون، "الجمهورية"، مصدر سابق، ص439-441.

راجع:

-أميرة حلمي مطر، "الفلسفة السّياسية من أفلاطون إلى ماركس"، دار المعارف، القاهرة/مصر، طبعة خامسة، عام 1995، ص3.

-إمام عبد الفتاح إمام، "الأخلاق والسّياسة: دراسة في فلسفة الحكم"، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة/مصر، طبعة عام2001م، ص161.

فؤاد زكريا، "جمهورية أفلاطون"، مصدر سابق، ص121-122.

فؤاد زكريا، "الجمهورية"، مصدر سابق نفسه، ص123.

أفلاطون، "فيدون (في خلود النفس)"، ترجمة عن اليونانية: عزت قرني، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر/القاهرة، طبعة الثالثة لعام 2001م، ص37.

أفلاطون، "محاورات الجمهورية"، ص604.

أفلاطون، "محاورات الجمهورية"، مصدر سابق، ص468.

إخترنا لكم من العدد

إعرف عدوك

فوضى في السلطة الفلسطينية.. من الإحباط إلى إعادة التأهيل

فوضى في السلطة الفلسطينية.. من الإحباط إلى إعادة التأهيل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ترجمة وإعداد: حسن سليمان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في الأشهر الأخيرة، ارتفع نطاق استخدام الأسلحة ...

إقليميات

الحوثيون سيدحرون "آل سعود" ومعهم "اليهود"!

الحوثيون سيدحرون "آل سعود" ومعهم "اليهود"! ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ زينب عدنان زراقط ــــــــــــــــــــــــــــــ اليمنيون الحُفاة الذين بدأوا مُستضعفين واعتدى عليهم آل سعود وآل نهيان ليحتلوا أرضهم ...

دوليات

إيران تعزز مكانتها.. العضوية الكاملة في منظمة شنغهاي

إيران تعزز مكانتها.. العضوية الكاملة في منظمة شنغهاي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ابتسام الشامي ــــــــــــــــــــــــــــ في الوقت الذي دخلت فيه مفاوضات إعادة إحياء الاتفاق النووي الدولي معها ...

محليات

خطاب السيد نصر الله أرعب العدو وأرغم واشنطن على التحرك لإنجاز اتفاق الترسيم

أوساط سياسية للبلاد: خطاب السيد نصر الله أرعب العدو وأرغم واشنطن على التحرك لإنجاز اتفاق الترسيم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد الضيقة ــــــــــــــــــــــ تواصل القوى السياسية اللبنانية اتصالاتها ...