مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: "التدهور في سعر صرف الدولار الأمريكي السبب فيها هو التلاعب الذي يتم من خلال المصارف ومن خلال الرعاية الكاملة لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة".

العدد رقم 373 التاريخ: 2023-01-27

القضية الفلسطينية والمونديال

غسان عبد الله

منذ إنشاء الفيفا تحولت اللعبة إلى تجارة رابحة، ومع الوقت تحوّل الملعب إلى أستوديو تلفزيوني ضخم يبيع الاستعراض، وتحوّلت الفرق إلى مصانع تنتج هذا الاستعراض، وأصبح كل لاعب مجرد إعلان يلعب.

في سنة 1989 لعب الرئيس الأرجنتيني الأسبق مباراة ودية مع منتخب بلاده الذي كان يضم أسطورة الكرة مارادونا وعلى صدره إعلان عن إحدى السيارات الفرنسية الشهيرة، لقد أصبح الإعلان على الصدر أهم من الاسم وأحياناً من العلم الوطني.

وكثيراً ما يتضارب السياسيون والديكتاتوريون بكرة القدم، لقد كسبت إيطاليا مونديال 34 و1938 باسم موسوليني، ووجدت ديكتاتورية فرانكو (بأسبانيا) في ريال مدريد سفارة متجوِّلة، وهو الفريق الذي سيطر على العالم من 1956 إلى 1960، في 1959 ألقى خوسيه سوليس أحد قادة نظام فرانكو خطاب شكر إلى لاعبي ريال مدريد: أشكركم لأن أناساً كانوا يكرهوننا في الماضي صاروا الآن يفهموننا بفضلكم.

لقد مرّت كرة القدم برحلة أرّخت للقرن العشرين، رحلة من الخوف إلى الجرأة، من الدهشة إلى الرقابة، هي عبارة عن الانتقال من: استثمر مهاراتك وخيالك في إسعاد الناس.. إلى: عليك الالتزام بالخطة الموضوعة.

بعد الحرب العالمية الثانية كانت الشعوب في حاجة إلى الرقص، حركات التحرر تجتاح العالم الجميع في حاجة إلى إحراز أهداف، كانت النتائج 5/1 أو 4/ صفر أو 6/2، بهتت بعد ذلك مع الحرب الباردة لتصبح صفر – صفر أو 1/1 أو 2/1، المدير الفني أزاح المدرب، يقول عندما يخسر فريقه: التوجيهات كانت واضحة ولم ينفّذها اللاعبون.. بعد المكسب لا يقول شيئاً، فقط: الخصم لعب مباراة كبيرة وكان صعباً.

ما يعنيني في هذا الهامش هو أن استغلال هكذا حدث من قبل الصهاينة ارتدّ نقمةً عارمةً عليهم وأن هذا الحدث أدى إلى ولادة سفارة فلسطينية متنقّلة في الوقت الذي أراد فيه المنظّمون أن يكون الصهيوني بوسائله الإعلامية حاضراً للتسويق والدعاية للعدو بأنه يحب السلام ويريد أن يستثمر هذا الحدث ليحاول تغيير فكرة الشعوب حول الكيان الصهيوني. لكن الذي حدث صدم الصهاينة والمطبِّعين من الحكام بحيثُ كانت الجماهير العربية والغربية بمعظمها متعاطفة مع الشعب الفلسطيني المقهور.

تزاحمت أعلام الدول المختلفة في حفل انطلاق مونديال قطر لكأس العالم، لكن اللافت بين زحمة الأعلام رفع العلم الفلسطيني، لواء قضية العرب الأولى بين الجماهير العربية والأجنبية بكثرة، إلى جانب الكوفية الفلسطينية التي تجاوزت العالم العربي ووصلت إلى العالمية بوصفها لباساً مفضلاً لدى كل المؤيدين لفلسطين، ورمزاً للمقاومة والهوية الفلسطينية، ورفض الظلم والعنصرية بحق الشعب الفلسطيني.

حال التعاطف العربية والأجنبية الشعبية التي أظهرتها الجماهير بمختلف جنسياتها بالالتفاف حول قضية فلسطين ومقاطعتهم الفرق الإعلامية الإسرائيلية أو الحديث معها داخل قطر وإطلاقهم شعارات (الحرية لفلسطين، وتحيا فلسطين، ولا شيء اسمه إسرائيل، وإسرائيل برا برا) لم تحدث بمحض الصدفة، وإنما تعكس دلالات مهمة في حدث عالمي رياضي يؤكد أهمية وحيوية مكانة فلسطين وقضيتها في عقول ووجدان المواطن العربي أولاً، ثم الأجنبي المتعاطف مع فلسطين ثانياً، ورفض كل أشكال العلاقة بـ "إسرائيل" وعلى رأسها قضية التطبيع.

مع أن "إسرائيل" فرضت نفسها على المونديال بشكل أو بآخر بالاتفاق مع الفيفا، إلا أن الجماهير العربية عبّرت بأساليب مختلفة عن رفضها لما سُمِّي اتفاقيات "أبراهام"، أو نهج التطبيع مع "إسرائيل"، وقالت بكل وضوح لا قبول لـ "إسرائيل" في كأس العالم، وهذا ما عكسه رفض الشعوب العربية الكبير والواضح من جميع جنسياتهم لنهج التطبيع الذي سلكته بعض الأنظمة العربية التي طبّعت رسمياً علاقاتها بـ "إسرائيل".

المشاهد المتعدِّدة في السياق نفسه لها دلالات مهمة على صعيد قراءة المشهد بعد أعوام من توقيع أنظمة عربية وخليجية اتفاقيات تطبيع رسمية مع "إسرائيل"، وهي ما زالت تؤكِّد فشل محاولات احتواء الشعوب أو تزييف التاريخ بقبول "إسرائيل" كياناً في المنطقة.

ما جرى في مونديال قطر يؤكد أن سلوك الأنظمة العربية وتوقيع اتفاقيات تطبيع مع "إسرائيل" لدمجها واعتبارها جزءاً لا يتجزأ من المنطقة أو كياناً طبيعياً فيها، هو سلوك وتوجُّهٌ منفردٌ لا يعبِّر عن نبضِ وتطلعات الشعوب العربية مطلقاً، وأن التّطبيع مع "إسرائيل" قريبٌ من الأنظمة بعيدٌ كلَّ البعد عن الشعوب وتوجُّهاتها وتأييدها لفلسطين والمقاومة وهو ما يعكس فجوة كبيرة بين الشعوب والأنظمة المطبعة مع "إسرائيل".

ما جرى في مونديال قطر هذا العام يشكل صفعة جديدة على وجه "إسرائيل" التي ما فتئت تستغل أي حدث لتجد قبولاً شعبياً لها في الأوساط العربية والإسلامية، ويعد فشلاً إسرائيلياً ذريعاً للدبلوماسية الإسرائيلية التي لطالما تفاخرت في أنها نجحت في التغلغل بين الشعوب وكيِّ الوعي العربي تجاه قبول حال التعايش التي تطمح إليها في المنطقة العربية.

لقد أدّت حالة المقاطعة الجماهيرية العربية برفض الظهور على الإعلام الإسرائيلي إلى قطع الطريق على "إسرائيل" ومنحها أي فرصة للتغطية على جرائمها بحق الأرض والإنسان والمقدسات الإسلامية والمسيحية الفلسطينية، بل كل محاولات تقويض حقوق الشعب الفلسطيني على صعيد التعاطف العالمي مع القضية الفلسطينية.

حال المقاطعة كشفت حقيقة النبض العربي للشعوب ومدى حبها لفلسطين والمقاومة، وفضحت كذب ادّعاءات نتنياهو الذي لطالما تفاخر مراراً، بأن الشعوب العربية أصبحت جاهزة للتطبيع، وهو ما يعزّز نتيجة ثابتة في عقل الإسرائيلي أنه منبوذ مع استحالة تجسيد فكرة التعايش والقبول به وسط الشعوب والمجتمعات العربية والاسلامية.

القضية الفلسطينية كانت حاضرة بامتياز على مدرجات وملاعب المونديال القطري وكأس العالم، باعتباره حدثاً دولياً ومحط أنظار الملايين في العالم، والمشاهد المختلفة التي بثّت على منصات التواصل الاجتماعي تنتشر بقوة وتؤكد أن كل عربي مهما كانت جنسيته رفض الحديث وقاطع وسائل الإعلام الإسرائيلية وسجّل موقف عز وشرف وسلّط الضوء على القضية الفلسطينية على طريقته الخاصة.

لعل ما جرى من حال مقاطعة يؤكد أن الرياضة ليست فوق السياسة، بل هي ساحة لدعم نضالات الشعوب المظلومة والمحتلة، ولا سيما الشعب الفلسطيني، واستضافة المونديال ليست مبرراً للتطبيع، وحضور الفلسطيني بهويته الأصيلة شكل نجاحاً كبيرا ًبين الجماهير العربية برفض التطبيع، وتثبيت قاعدة مهمة مفادها أن قضية فلسطين هي قضية الشعوب العربية الأولى، وأن مكانتها لم تتزعزع على الرغم من كل محاولات العبث فيها، وأنه كلما أراد لها المطبعون أن تخبت نهضت من جديد بتعاطف عربي وعالمي شعبي يشكل في كل مرة صدمة وخيبة جديدة لـ "إسرائيل" وفشلاً في تزييف الحقائق والتاريخ، وفشلاً أكبر لرهاناتها في التغلغل بين الشعوب.

إخترنا لكم من العدد