مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: "التدهور في سعر صرف الدولار الأمريكي السبب فيها هو التلاعب الذي يتم من خلال المصارف ومن خلال الرعاية الكاملة لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة".

العدد رقم 373 التاريخ: 2023-01-27

أين نحنُ من القراءة والكتب والمكتبات في زمن التّدفق المعلوماتي؟!

نبيل علي صالح

أين نحنُ من القراءة والكتب والمكتبات في زمن التّدفق المعلوماتي؟!

 

نبيل علي صالح

كاتب وباحث سوري

 

يشكّل الكتاب رافداً نوعياً للثقافة والوعي الثقافي والحياتي، فهو رفيق دائم للعقل والعلم، ومن لا يقرأ سيبقى جاهلاً بنفسه وبمن حوله وما حوله.. وستكون رحلة وجوده على هذه البسيطة متعثرة ومليئة بالأشواك.

ومن المعروف في حركة سيرورة الأمم والحضارات، أن كل المجتمعات التي تقدمت وأنتجت وأعطت إنجازات مادية حقيقية في مسيرة حياتها، وثقت تطورها وسجّلت مستنداتها ومختلف فعاليتها ونشاطاتها، بالكتابة والكتاب، منذ أن عُرفت الكتابة على اللوح الطيني المشوي، إلى الكتابة على أوراق البردي، حتى اكتشاف الطباعة والحبر.. بمعنى أنها اعتمدت القراءة والكتاب في كل محاور ودوائر تعليم وتثقيف أبنائها وأجيالها، كونها نافذة للتطور والإبداع الخلاق، والاطلاع التفاعلي، وفتح العقول على آفاق جديدة، وتوسيع المدارك والأفهام، وسد الكثير من ثغرات الذات ونقائصها، والتّحرر من أسر بعض التقاليد والعادات القبيحة والسيئة، وامتلاك القدرة على تحسين الخيارات والفاعليات الوجودية، والعمل على صياغة وبناء أفكار ومعارف وثقافة إنسانية متجددة غير مرهونة للتّقليد الأعمى، قائمة على الوعي والمسؤولية والغائية والحوار والاعتراف بالآخر المغاير.

فكثيرة إذاً هي النتائجُ والآثار الإيجابية الخيّرة والنافعة التي تترتّب على القراءة وضرورة اعتمادنا على الكتاب كمرجعية أساسية للوعي والعلم والتفتح والتعقل الصحيح.. ومن خلال القراءة أيضاً يمكن أن نعي حركة المستقبل ونستشرف بعض آفاقه، ونفهم كثيراً من مناحي الحياة وسننها ونواميسها، في وعينا للحضارات وعلاقاتها ببعضها وطرق صياغة وجود وفعال ومنتج لنا، لنكون أمة قادرة مقتدرة لها حضورها النوعي بين الأمم.

ولكن للأسف عندما نراجع واقعنا العربي والإٍسلامي عموماً، في وعيه لقضية الكتاب والقراءة، فإننا نسجل عندنا تراجع موضوعة القراءة (من الكتاب) بوصفها قيمة عقلية وعلمية، من منظومة القيم الاجتماعية والسلوكية العملية.. فالناس لم تعد تقرأ إلا ما يقدم لها عبر شاشات أجهزة الهواتف الذكية من منشورات ومشهديات بصرية، أو من خلال ما تشاهده في محطات التلفزة من برامج ومسلسلات ونشرات أخبار.. وحتى الكتب الرقمية التي تنشرها كثيراً من مواقع الفكر والثقافة على شبكة الانترنت العالمية، لا تحظى بكثير مشاهدة ومتابعة، إلا من قبل القلة القليلة من المفكرين والمثقفين وأصحاب الاهتمام بالذات.

نعم، نحن في وضع ثقافي قراءاتي (إذا صح التعبير)، سيِّء للغاية، والأرقام والبيانات واضحة ومعبرة في هذا الشأن، إذ تؤكد على أن العرب أقل الشعوب قراءة واستهلاكاً للمجلات والجرائد والكتب..!!. مع أننا في الماضي (ليس البعيد جداً بل منذ عقود قليلة سابقة)، كنا نهتم اهتماماً كبيراً بالكتاب والقراءة (أكثر بكثير من اهتمام أبنائنا وأجيالنا اللاحقة بهما)، وكلنا يعلم أنه كان لهما اهتمام أكبر ومكانة رفيعة ومبجّلة لدى الجمهور العام، ليس فقط من قبل المدرسة والمراكز الثقافية المنتشرة في كل مكان، بل حتى من قبل الأهل في المنزل، حيث كانت المكتبة ركناً أساسياً في معظم تلك المنازل والبيوت.. وفي كل مدرسة حتى في الأرياف، كانت تؤسس المكتبات التي تمتلئ وتعج بالكثير من الكتب والمراجع والمجلات والدوريات، وفي كل بيت كان رب الأسرة يحرص – حال تأثيثه للمقتنيات المنزلية - أن يكون للمكتبة موقعها وموضعها كركن أساسي في بيته ليس للتفاخر بل للقراءة وتربية الأبناء على نهل العلم من خلال الكتاب والقراءة فيه باستمرار.

وما زلتُ أذكر (كتجربة ذاتية)، في مرحلة الطفولة، عندما كنتُ في الصّف الخامس الابتدائي (عام 1979م)، كيف كان والدي (رحمه تعالى) يواظبُ باستمرار (رغم القلّة والفقر) على شراء الكثير من المجلات المتنوعة لي، حتى تلك التي كانت تفوق مستواي العمري والعقلي، مثل مجلات: المدار والاتحاد السوفييتي والمجلة الألمانية، ومجلة الموقف الأدبي السورية ومجلة العربي، ومجلات الأطفال، كمجلة سعد وأسامة وتان تان والمزمار ومجلتي، إضافة إلى كثير من المجلات الرياضية المعروفة آنذاك كمجلة الصقر، وماتش، والرياضة والجمال وغيرها.. كما أنه خصص لي ركناً في المنزل وضعتُ فيه مكتبة خشبية صغيرة صنعها لي بنفسه، لتجميع الكتب وترتيبها فيها، وفي العام الدراسي 1981/1982م (وكنت يومها في الصف السابع الإعدادي) انتظمتُ على قراءة الكتب الثقافية والتاريخية والدينية، حتى أنني تعاقدت مع مكتبة على شراء صحف ومجلات محلية وعربية سياسية ورياضية عديدة، كالسفير والشرق الأوسط والحياة وتشرين ومجلة الكفاح العربي ومجلة المجلة والحوادث والأسبوع العربي وصحيفة الاتحاد الظبيانية وغيرها.

أتذكر تلك الأيام بفخر واعتزاز، وأسترجعُ جمالياتها الفكرية والإنسانية التي أعطتني وسقتني الكثير من ينابيعها الفكرية، وأقارنُها بحسرة وأسى مع أيامنا هذه، حيث قلّ الاهتمام بالكتاب والقراءة، وباتَ حال كثير من مكتباتنا يُرثى له.

هذا إذاً كانَ في ذلك الماضي السعيد، أما في الحاضر فواقع القراءة وحركة تداول الكتب كزادٍ للمعرفة، لا يبشر بالخير، كما قلنا سابقاً.. وعلى هذه الخلفية لاحظنا أنَّ كثيراً من الدول بدأت تعيد حسابتها وتعود مجدداً لابتداع أساليب جديدة لتحريض الناس – وبالأخص الأجيال الشابة - على القراءة من الكتاب الورقي.. في محاولة لبناء تلك الأجيال على أسس علمية وثقافية وتربوية صحيحة وعقلانية حكيمة، تأتي على رأسها مسألة تحفيز الأجيال الشابة وخاصة الأطفال الصغار، على اتخاذ الكتاب كرفيق دائم وخير جليس لهم، ومحاولة بناء علاقة وعي متكاملة معه، في الدرس والمراجعة والنقد والسؤال والبحث والتقصي، وصولاً للتعلم والفهم والتّعمق والاستناد لمعايير العلمية والموضوعية في الخيارات وبناء أسس المستقبل المنتج والفاعل.

وكانت بعض بلداننا العربية وعلى رأسها بلدان الخليج، من الدول السّبّاقة للاهتمام الجدي الحقيقي – لا الشكلي الديكوري - بموضوع الكتاب وإعادة التأكيد على أهمية القراءة من الكتب كمصدر للمعرفة، وحثّ الأجيال على تناول معارف الكتب كمراجع رئيسي للثقافة الأصيلة، ليس رغبةً (بطبيعة الحال) في الابتعاد عن (أو تناسي) الطرق والأساليب الأخرى الأسرع في الوصول إلى المعلومات وبناء أسس العلوم، وأعني به وسائل التواصل وتقنيات الثورة المعلوماتية الهائلة، بل للعودة مجدداً لثقافة الكتاب الورقي وليس الرقمي، من منطلق أن الكتاب الورقي يجعل ذهن القارئ متركزاً على أفكار الكتاب، فلا يتشتت ولا يضيع (ما هي الحالة عند تناول الكتاب الرقمي)، كما أنه يمكن أن تنشأ علاقة حميمية خاصة بين الكتاب الورقي والقارئ الذي يزيد تركيزه مع وجود القلم والورقة بجانبه للتلخيص والسؤال والاستفسار ومراكمة الخلاصات والنتائج، وهذه ما توصلت إليه كثير من الأبحاث والدراسات التي نشرت في بعض الجامعات المرموقة كجامعة أوكسفورد، وخلاصتها أن الكتاب الورقي ووجود مكتبة في المنزل له تأثير نفسي وعملي كبيرين على الطلاب والتلاميذ، كنشاط ذهني لنمو الوعي وتفتحه، وخلْق إمكانية لتحقق الإبداع.

نثير هذه الإشكالية حول موضوعة "القراءة والكتاب"، مؤكدين على ضرورة العودة للقراءة واعتماد الكتاب كنافذة معرفة حقيقية وجسر تواصل حضاري، بعدما شاهدنا فوز الطفلة السورية "شام البكور" في مسابقة "تحدي القراءة العربي" التي انعقدت في إمارة دبي، ووقفنا على ما حازته من اهتمام شعبي إعلامي وسياسي كبير، بعدما تفوقت على أقرانها، وعلى من هم أكبر سناً منها، في موضوعة القراءة.

ولكن مع إشادتنا بالطفلة وتأكيدنا على ما تتميز به من ذكاء فطري، وحضور ألمعي طفولي لافت، وثقة بالنفس، ومقدرة لغوية وقرائية كبيرة، ومع تقديرنا لما حظيت به من جوائز واهتمام رسمي، نجد أن المنطق والعلم والمحاكمة العقلية تدفعنا لتسجيل النقاط التالية:

  1. الطفولة مرحلة عمرية مهمة، تُؤسس لما بعدها (سلباً أم إيجاباً) من حياة الإنسان، ولهذا يجب التعامل معها بحذر ووعي ومسؤولية ونبل أخلاقي رفيع، من خلال الحفاظ على مناخاتها وأدواتها التربوية المناسبة، بعيداً عن التجاذبات والاستغلال السياسي وتلميع الصور والبروباغندا الإعلامية.
  2. العلمُ والمعرفة والقراءة، مواضيع مهمة لتطور العرب، (فهذه بديهية البديهيات)، ولكنهم (أي العرب) عانوا منها كثيراً، لجهة فشلهم في تبني سياسات علمية عقلانية رشيدة حولها، فالتسييس فيها سيد المواقف كلها على كل المستويات والأصعدة التعليمية؛ وهذا كان من أهم أسباب الفشل التعليمي والإعاقة النهضوية العلمية.
  3. موضوع القراءة والكتاب لا يجبُ أن يبقى في إطار الاهتمام النخبوي الرسمي، بل يجب أنْ يعودَ لدائرة الاهتمام العمومي، من خلال رسم خطط تربوية وابتكار سياسات علمية جديدة تعيد للقراءة اهتمامها الشعبي وفعاليتها العامة في مجمل حركة واقعنا العربي.

 

 

إخترنا لكم من العدد

إعرف عدوك

الساحة الفلسطينية.. جبهة سياسية خطيرة

الساحة الفلسطينية.. جبهة سياسية خطيرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ترجمة وإعداد: حسن سليمان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قبل حوالي أسبوع اتّخذت لجنة السياسة والاستيطان الخاصة في الأمم المتحدة، ...

إقليميات

إيران خطرٌ يُهدّد بزوال "الكيان المؤقت"

إيران خطرٌ يُهدّد بزوال "الكيان المؤقت" ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ زينب عدنان زراقط ــــــــــــــــــــــــــــــ حاخامات إسرائيلية يرفعون أيديهم بالدعاء والحسرة والقلق من أجل إنقاذهم من الخطر الإيراني ...

دوليات

الرئيس الصيني في السعودية.. واشنطن قلقة من "تمرد" الحلفاء

الرئيس الصيني في السعودية.. واشنطن قلقة من "تمرد" الحلفاء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ابتسام الشامي ــــــــــــــــــــــــــــ فشل التشويش الأمريكي على زيارة الرئيس الصيني شي جنبيغ إلى السعودية ...

محليات

بعد تفاقم أزمة الثقة بين التيار والحزب المطلوب مبادرة جريئة وفتح كل الملفات

أوساط سياسية للبلاد: بعد تفاقم أزمة الثقة بين التيار والحزب المطلوب مبادرة جريئة وفتح كل الملفات ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد الضيقة ــــــــــــــــــــــ ما حصل من تداعيات على خلفية ...