فضاءات فكرية

أزماتُ العرب وصراعاتهم قدرٌ مفروضٌ أم سياساتٌ تآمرية وعجز داخلي؟!

بقلم: نبيل علي صالح / كاتب وباحث سوري

مع نهاية عام 2023م وبداية عام 2024م، لم يتغير شيء يذكر عند العرب سوى استمرار مآسيهم وهيمنة الآخرين عليهم..

نعم، يبقى الثابتُ الوحيد الأساسي في دنياهم هو تواصُل سلسلة أزماتهم ومعاناتهم السياسية والاقتصادية المتراكبة والمتداخلة، مع تكالب القوى الكبرى (والمتوسطة) في هذا العالم، على مقدراتهم وثرواتهم، وعملها الدائم على التلاعب بقضاياهم وتوازناتهم، نتيجة عجزهم عن تفعيل إرادتهم، وفشلهم المدوّي في تحقيق أدنى حالات تعاونهم وتضامنهم – ولو بالحدود الدنيا – لمواجهة تلك التحديات التي تفرضها تلك القوى، ومحاولتهم تفكيك عراها والسير على طريق التطور والبناء الداخلي الحقيقي.

.. وعلى ما يبدو أن أزمات العرب المتعددة الراهنة والموروثة، لن تنتهي في المدى الزمني الطويل المقبل نتيجة تعمّقها وتوغلها في تربتهم القاحلة أصلاً، وذلك لأسباب ذاتية داخلية وموضوعية خارجية تتعلق أيضاً بتضعيفهم لأنفسهم والخلل المتركز في بنية الوعي وتجليات الممارسة في طبيعة العلاقات وآليات العمل والقيم السائدة القائمة.. نعم يمكن حدوث بعض التطورات البسيطة المحددة غير الواسعة على عدة صعد اقتصادية وتنموية (شكلاً فارغاً لا مضموناً فعلاً)؛ أما على صعيد القضية الأبرز والأهم، وهو صعيد الحكم والسياسة والممارسات السياسية (كأبرز مداخل التغيير الحقيقي القائم على الحقوق)، فهو أمر صعب وقضية مستعصية ربما، وبعيدة المنال والتحقق والمعالجة والحل النهائي الحاسم أقلّه في مديات متوسطة، خصوصاً وأنها شرط حدوث الخرق المطلوب في معالجة قضاياهم الكبرى على صعيد التنمية والاقتصاد والتطور السياسي وبناء “الفرد – المواطن”، السليم والفاعل والقادر.

والمشكلة في عالمنا العربي أن الأطقم السياسية عندما تصل إلى سدّة الحكم تكون مشبعة بأفكار التغيير والإصلاح، وفي قمة نشوتها النفسية الشعاراتية للعمل والفعل، حيث نجد كيف أن حاكم من هنا وآخر من هناك، يبدأ من فوره بطرح رؤيته وبرامجه وخططه المستقبلية للبناء والتطوير، ولكن عند أول مفصل أو أزمة تواجهه – وكنتيجة مباشرة لضعف بصيرته وسوء إدارته وفشله العملي – تراه يعود فوراً إلى حيث الركن الوثيق والملجأ الآمن والحضن الدافئ الذي يوفر له الطمأنينة والراحة والبقاء.. هذا الركن هو القبيلة أو العشيرة.

لقد تشكلتْ وأُقيمتْ الدولةُ العربية في التاريخ العربي المعروف كدولة غلبة وقهر واستبداد، هذا هو الثابت في مسيرة مجمل أفكار وشخوص وآليات عمل الحكم السياسي العربي والإسلامي غالباً، بينما الطارئ والاستثنائي فيها هو أن تكون دولة عدالة وإنسانية.. منذ تلك الأزمان وحتى لحظتنا الراهنة.

لقد عملتْ النخبُ والسّلطنات القبلية العربية الحاكمة على مر تاريخنا الثقافي والسياسي منذ قرون طويلة، على إلغاء هذا الجانب القيمي الحقوقي من فكرها وممارساتها بصور وأشكال شتى، وكانت على الدوام تتلاعب بجوهر هذا الجانب وتؤجله وتماطل به لتبقى وتستمر وتتأصل في حفاظها على مصالحها وامتيازاتها التي تتعارض مع أساس فكرة الحق بمستوياتها وجوانبها القانونية والحقوقية والإنسانية.

نعم هناك عقود من الديكتاتورية والقمع السياسي والاستفراد المتوحش بالسلطة، وإلغاء كامل لدور الفرد ودوره ومكانته ومساهمته في بناء مركب الدولة العربية ككل، وربما قد يكون هذا نوع من التعميم ولو أنه يفيد التخصيص، لأننا كعرب عموماً بتنا مختصين ومعروفين ومشهورين وغارقين بهذا النمط البدائي العتيق المتخلف من الحكم السياسي دوناً عن كثير من دول وحضارات ومجتمعات وأمم وخلق الله كلهم تقريباً.. مع أنه من الضروري هنا ذكر أسماء وعناوين واضحة وصريحة خاصة، بلا تعميمات لا طائل منها.

إننا نعتقد أنه لم ولن تتم السيطرة النهائية على تلك الأمراض، وحسم المعركة والصراع ضدها لمصلحة الوطن ورغبة الناس في العيش المستقر والآمن، إلا – كما قلنا – من خلال حسم معركة بناء الداخل في كل دولنا العربية، والاتفاق – من خلال الحوار الوطني العام إن أمكن – على بناء الدّول المدنية الحديثة، دول القانون والحق والمؤسسات التي يتشارك كل من يعيش تحت ظلها في مسؤولية بنائها، وتحمُّلِهم لمسؤوليات تطويرها وازدهارها وتثميرها حضارياً وعلمياً، والاستفادة العادلة والمتساوية والمتوازنة من خيراتها وثرواتها ومواردها، وليس فقط تعيّش الجزء على حساب الكل في سياسات فئوية تمييزية، تكفّر الناس بالدولة من أساسها، وتجعلُها كالريشة في مهب رياح السياسات الماكرة لدول النفوذ الإقليمية والدولية الكبرى التي تستغل هشاشة بنى مجتمعاتنا على المستوى السياسي والاقتصادي والبنيوي، وأيضاً تستغل وتستثمر في قضية الإرهاب التي تتسلّل إلى أجسام هشّة، فقدت جزءاً كبيراً من مناعتها السياسية والاجتماعية.. وهي قضية لم تأتِ من فراغ، ولم تنمو وتكبر لوحدها ومن تلقاء نفسها، بل جاءت دائماً في مرحلة بلغ فيها الانسداد السياسي العربي، بل والتعفّن الأمني العربي، درجات عالية ومستويات كبيرة. ومن ثم، فالمشكلة ليست في قوة الجماعات الإرهابية فقط، وإنما في ضعف الكيانات السياسية الذي يشكل تربة خصبة لنمو الإرهاب وتطوره.

من هنا، عندما يشعرُ كلُّ مواطنٍ، ويتأكدُ بالممارسة، بأنّ له الحق القانوني الكامل في الانتفاع بثروات بلاده، وأنّ هناك عدالةً تسري بقوة القانون لتوزيع تلك الثروات والموارد الكبيرة عليه وعلى غيره دونما تمييز أو رجحان لكفة فرد على آخر، وأنه قادر على المشاركة الفاعلة في تقرير مصيره عبر المؤسسات الرسمية بطريقة سلمية حضارية، عندئذ سيشعر لوحده بالمسؤولية العملية، وسيندفع بقوة وفاعلية إلى ميادين العمل وساحات الإنتاج المادي والرمزي.. لأن المحفزات والمحرضات توافرت، وهي الحرية، والعدالة، والقانون، والمساواة.. وهذه من أهم شروط تحقُّق التنمية والوصول إلى الحداثة والازدهار الحقيقي.. ولكن كيف تتحقق تلك القيم مع هيمنة القمع والاستبداد والانغلاق السياسي؟!.

لقد سار العرب على طريق التحديث ولكنهم لم يتحركوا خطوة واحدة على طريق الحداثة، أي أنهم قاموا بتطوير مجتمعاتهم بشيء من مظاهر الحداثة كما سلف القول.. ومن دون الدخول المباشر إلى جوهر الحقيقة الحداثية وهو العقل والحرية والقانون.. حيث بقي عنصر الاستبداد حاضراً بقوة في الذهنية والسلوكية اليومية، أي في كل مظاهر وأنماط وأشكال التحديث القسرية التي تبنتها وأقامتها الدولة العربية الحديثة منذ سبعين سنة.. ومن المعلوم أن الاستبداد كما قال عنه الكواكبي هو أصل كل فساد، إذ يضغط على العقل فيفسده، يلعب بالدين فيفسده، ويغالب المجد فيفسده، ويقيم مكانه “التمجد”.. فكيف لم ننتبه أن الاستبداد أس الفساد وهو الكلمة المفتاح لكل حياتنا العربية في هذه اللحظة؟!!.

إنّ سلطة رسمية عربية حاكمة تستغل وتنهب، وسلطة عادات وتقاليد اجتماعية رثة تهيمن، وسلطة مؤسسات وعظية رسمية مزيفة لا همّ لها سوى تغييب العقول والعلوم، هذه كلها مسؤولة عن إبقاء على حالة التخلف الفكري والنفسي، وتكريس واقع التبعية والاستلحاق التي يرزح تحته أبناء المجتمعات كلهم.. وحتى نتمكن في داخل مجتمعاتنا المأزومة بهيمنة العصائب الثلاث المذكورة، من تفكيك عراها وتحطيم مكوناتها، وضخ الأمل في نفوس الناس بحدوث تقدم عملي وصناعي مستقبلي لاحق، وليس مجرد قشور حداثية لا تغني ولا تسمن من جوع، فإن الأمر مرهون –ليس فقط بمدى قدرتنا الفكرية والعملية على الاستجابة الفاعلة لتطورات الحياة والزمن- وإنما مرهون أيضاً (وبشكل أساسي) إلى ضرورة إحداث تغييرات هائلة على صعيد الحكم والسلطة والمشاركة والحرية، ووإلخ. لأننا لن نستفيد من أي تطور عملي يمكن أن توفره الحضارة الحديثة إلا إذا ساهمنا وشاركنا في إبداعه، ومن باب أولى فهمه ووعيه وتحمّل مسؤولة إنتاجه الرمزي والمادي.

ونحن لا يمكن أن نطور العلم وننتج منجزاته الحديثة مع وجود واتساع قاعدة عقلية القبيلة المتحكمة بوجودنا، والتي يعمل أصحابها على تدمير أي فرصة لربط – مجرد ربط – البلاد العربية بتيارات التقدم العلمي والتقني.. نعم، إن كل شروط التقدم والحداثة الحقيقية، والتنمية المستدامة متوافرة في الوطن العربي، وهي:

 – رؤوس الأموال من عوائد النفط والغاز والموارد الطبيعية.

– الموقع المميز والممتاز.

–  والعقول العربية القادرة على التنمية وهي من أعلى الخبرات العالمية.

 – والسواعد العربية والعمالة المهاجرة.

 – والخبرة التاريخية بالزراعة في مصر والسودان والعراق.

–  والأسواق الشاسعة وملايين البشر للاستهلاك.

وغيرها..

أي أنه لا يوجد ما يمنع من اشتعال روح الحداثة العقلية والعلمية والسير على طريق إقامة السوق العربية المشتركة القائمة على التكامل الاقتصادي.

لكن للأسف، العنصر الأهم غير متوافر للأسف، وهو: الإرادة القوية المشتركة، والتحرر من قوى الهيمنة المعيقة للتنمية وعلى رأسها قوى الاستبداد والفساد المتحالفة مع قوى الشر العالمي..!!.