إقليميات

الحربُ الإقليميةُ أصبحتْ واقعاً

بقلم توفيق المديني

الحرب الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط مرتبطة بشكل أساسي بحرب الإبادة الجماعية التي يشنها الكيان الصهيوني في غزة لليوم الـ 120 على التوالي، وهو يواصل ارتكاب المجازر ضد أهالي قطاع غزة، مستهدفاً المنازل المأهولة والطواقم الطبية والصحفية، وسط نزوحِ أكثر من 1.9 مليون نسمة داخلياً إلى المخيمات غير المجهزة بالقدر الكافي ومراكز الإيواء..

فيما ارتفعت حصيلة ضحايا العدوان الصهيوني – الأمريكي المتواصل على قطاع غزة إلى أكثر من 26637 شهيداً، و65387 مصابا بجروح مختلفة، إضافة إلى آلاف المفقودين تحت الأنقاض، فضلاً عن الدمار الهائل في الأبنية والبنية التحتية.

إنَّها الحرب التي تقود كل المنطقة إلى الهاوية، إن لم يتم وقفها فوراً من جانب الرئيس الأمريكي بايدن، الذي يتعرض لضغوطات كبيرة في الداخل الأمريكي، إذْ أصدرت ما يقرب من 50 مدينة في الولايات المتحدة قرارات تدعو إلى وقف إطلاق النار في غزة، بينها 14 مدينة على الأقل في ولايات حيوية متأرجحة انتخابياً مثل ميشيغان، ما يزيد الضغط على الرئيس جو بايدن.

في الخطاب السياسي والإعلامي تقول كل من الولايات المتحدة وإيران إنهما لا تريدان توسيع الحرب في غزة لكي لا تتحول إلى حرب إقليمية، غير أنَّ التصعيد القائم في عمليات محور المقاومة في كل من اليمن والعراق وسوريا ولبنان، ضد المواقع الأمريكية والإسرائيلية، والغارات التي تشنها الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة التي تستهدف مراكز ومقرات الحوثيين وفصائل المقاومة العراقية، تؤكد أنَّ المنطقة سائرة في ركاب الحرب الإقليمية.

العملية النوعية ضد البرج 22

وجاءت العملية النوعية للمقاومة الإسلامية العراقية يوم الأحد 28 يناير/كانون الثاني 2024، وتتمثل في الهجوم بطائرة مسيرة بدون ‏طيار، استهدف قاعدة عسكرية أمريكية في شمال شرق الأردن بالقرب من الحدود مع سوريا لتلحق بالقوات الأمريكية خسائر كبيرة، كانت حصيلتها مقتل 3 جنود أمريكيين وجرح حوالي 40 آخرين، وتمثل هذه العملية تصعيداً كبيراً في الصراع بين محور المقاومة الذي تقوده إيران والإمبريالية الأمريكية.

يقع البرج 22 في مكان استراتيجي مهم بالأردن في أقصى الشمال الشرقي عند التقاء حدود المملكة مع سوريا والعراق، قرب قاعدة التنف الواقعة في الجهة المقابلة داخل الحدود السورية، وتضم عدداً صغيراً من الجنود الأمريكيين. واضطلعت قاعدة التنف بدور رئيسي في الحرب على تنظيم “داعش”، وكان لها دور أيضاً في الاستراتيجية الأمريكية لـمحاربة فصائل المقاومة المرتبطة بإيران في شرق سوريا.

وأكد الرئيس الأمريكي جو بايدن، أنَّ “الهجوم نفذته جماعات متشددة مدعومة من ‏إيران تعمل بسوريا والعراق، وأنَّه سيتم محاسبة كل المسؤولين عنه في الوقت ‏المناسب، وبالطريقة التي تختارها واشنطن”.‏ وأوضح أنَّه “سيتم جمع المعلومات عن الهجوم، وأنَّ واشنطن تعلم بأنَّ من نفذ الهجوم ‏هم جماعات متطرفة مدعومة من إيران”.‏

كذلك علَّقَ بعض المشرعين الأمريكيين على هذا الهجوم، حيث دعوا إلى استهداف ‏إيران بشكل كبيرٍ وقويٍّ، وقال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام؛ إنَّ سياسة إدارة ‏بايدن ضد إيران فشلت و”وقع أكثر من 100 هجوم على قواتنا في المنطقة”، مطالباً ‏البيت الأبيض بضرب أهداف داخل إيران انتقاماً لمقتل الجنود الأمريكيين.‏

كما دعا السيناتور الجمهوري جون كورنين “إلى استهداف طهران؛ ردّاً على الهجوم ‏المميت ضد جنود أمريكيين”‏. بدوره قال رئيس مجلس النواب الأمريكي مايك جونسون: “يجب أن نبعث رسالة إلى ‏العالم، مفادها أنَّنا لن نتسامح مع الهجمات على قواتنا”.‏

ما طبيعة الردّ العسكري الأمريكي القادم؟

في السابق كانت الولايات المتحدة ترُدُّ على الهجمات التي تشُنُّها فصائل محور المقاومة الموالية لإيران، عبر ‏ضرب مواقعها، والهجوم على معسكراتها في كل من سوريا والعراق، ما جعل قواعد الاشتباك بين أمريكا وإيران ثابتة تقريباً، ولم ‏تتغير حتى الآن.‏

غير أنَّ مايكل مولروي نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق للشرق ‏الأوسط، يعتقد أنَّ “مقتل الجنود الأمريكيين الثلاثة قد أدَّى إلى تغيير قواعد الاشتباك”، ‏مضيفاً: “أعتقد أنَّ الولايات المتحدة حاولت منع هذه الحرب من التوسع، لكنَّ إيران ‏بذلت قصارى جهدها لتوسيعها”.‏

وحول الرد الأمريكي المتوقع، يعتقد مولروي “أنَّ الولايات المتحدة ستقوم بردٍّ كبيرٍ”، ‏وقال: “من المرجح أن يشمل الردّ أهدافاً للحرس الثوري الإيراني في سوريا، وقد ‏يشمل مرافق إنتاج هذه الأسلحة في إيران، التي سيتم التركيز عليها وعلى ‏خطوط الإمداد، ومستشاري الحرس الثوري الإيراني والقوات الوكيلة التي نفذت هذا ‏الهجوم”.‏

أمَّا جوناثان بانيكوف، مدير مبادرة سكوكروفت لأمن الشرق الأوسط، فقال؛ إنَّ “القيادة الإيرانية ربما تحسب أنَّ الولايات المتحدة ستكون متحفظة في الردِّ بشكلٍ كاملٍ، بأي طريقة من شأنها المخاطرة بتصعيد التوترات في الشرق الأوسط وإشعال حرب على مستوى المنطقة، التي حاولت إدارة بايدن منعها بشكلٍ مثيرٍ للإعجاب خلال الأشهر الثلاثة الماضية”. وأضاف: “ولكن مع وفاة العديد من أفراد الجيش الأمريكي، ستحتاج إدارة بايدن إلى إعادة النظر في موقفها، وتحديد ما إذا كانت الأعمال العدائية قد تجاوزت الآن الحد الأقصى، وأنَّ الولايات المتحدة في صراعٍ إقليميٍّ بالفعل”.

كما أن موقع “بوليتيكو” الأمريكي نقل عن مسؤولين أمريكيين قولهم إنَّ الرئيس الأمريكي جو بايدن طلب من مستشاريه إعداد خيارات للردّ على الهجوم، بما يكون رادعاً لهجمات أخرى ضد المصالح الأمريكية في المنطقة. وأضاف الموقع أنَّ هذه الخيارات تشمل أيضاً ضرب عناصر إيرانية في سوريا والعراق، وكذلك قطعاً بحرية إيرانية في مياه الخليج.

تأتي مجمل هذه التَوَعُّدَاتِ في سياق الاستعدادات الجارية للردِّ الأمريكي القاسي، (ولا سيما مع وجود حملات انتخابية، وما حدث أفضل مادة للجمهوريين لتبيان ضعف الديمقراطيين بقيادة بايدن)، الذي يمكن أن يستهدف مواقع عسكرية داخل إيران، خصوصاً تدمير مقرات للحرس الثوري، وكذلك مقرات فصائل المقاومة العراقية في سوريا والعراق، بواسطة صواريخ كروز تنطلق من سفن حربية أمريكية في مياه الخليج، أو تطلقها طائرات أمريكية تنطلق من الكيان الصهيوني وبعض دول الخليج . بيد أنَّ هذا الردَّ سيدخل كل المنطقة في صراعٍ إقليميٍّ كبيرٍ، لا سيما بين إيران التي تقود محور المقاومة، وبين الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني.

مثل هذا السيناريو من الردِّ العسكري ستكون له تداعياتٌ خطيرةٌ على الاستقرار في العراق الذي سيتضرَّرُ جراء هذا العدوان، وعلى تغيير قواعد الاشتباك لجهة توسيع دائرة الصراع، وأيضاً على المحادثات بين بغداد وواشنطن بشأن إنهاء مهام التحالف الدولي، وانسحاب القوات الأمريكية من العراق.

كما أنَّ مثل هذا الردِّ ستكون له انعكاساتٌ سلبيةٌ على واقع الأردن، باعتبار أنَّ الهجوم على البرج 22 يشير إلى أنَّ الجغرافيا توسعت ولم يعد استهداف الأمريكيين في سوريا والعراق، إذْ أعلنتْ الولايات المتحدة منذ اللحظة الأولى أنَّ الهجمات على قواتها كانت داخل الأراضي الأردنية، واستمرت في تأكيد ذلك.

ويرتبط الأردن والولايات المتحدة بتعاون عسكري وثيق، وقد وقّع البلدان عام 2021 اتفاقية تعاون دفاعي، يوفر الأردن من خلالها أماكن حصرية للقوات الأمريكية تشمل 15 موقعاً، وهذه الأماكن يتحكم الجانب الأمريكي بالدخول إليها، ويجوز لهذه القوات حيازة وحمل الأسلحة في الأراضي الأردنية في أثناء تأديتها مهامها الرسمية.

ويعَدُّ الجيش الأردني إحدى أكبر الجهات المستقبلة لتمويل عسكري أجنبي من واشنطن. ويستضيف الأردن مئات المدربين الأمريكيين، وهو واحد من حلفاء قلائل بالمنطقة يجرون تدريبات ممتدة مع قوات أمريكية على مدار العام.

إيران في محاولة احتواء الموقف الأمريكي

حاولت إيران احتواء الموقف دبلوماسياً، من خلال نفي البعثة الإيرانية في الأمم المتحدة، يوم الاثنين 29 يناير/كانون الثاني 2024، “أي علاقة لإيران” بالهجمات على القوات الأمريكية، بما فيها هجوم يوم الأحد الماضي على شمال شرق الأردن، بالقرب من الحدود السورية.

ورأت البعثة الإيرانية، في تصريح لوكالة “إرنا” الإيرانية، أن ما يجري هو “مواجهات” بين الجيش الأمريكي وفصائل “المقاومة” في المنطقة، حيث يقوم الطرفان بهجمات متبادلة. فقد رفضتْ إيران اتهامات ضلوعها في الهجوم المذكور، وقالت إنَّ “قوى المقاومة في المنطقة لا تتلقى تعليمات من إيران في قراراتها وتصرفاتها”، تتوعدُّ بالردِّ الحازم على أي عدوان أمريكي يستهدف أراضيها ومصالحها.

وقال وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، في منشور عبر منصة “إكس”، إنَّ “البيت الأبيض يعلم جيداً أن الحلّ لإنهاء الحرب والإبادة في غزة والأزمة الراهنة في المنطقة سياسي”، مشيراً إلى أنَّ “الدبلوماسية في هذا المسار نشطة و(رئيس حكومة الاحتلال بنيامين) نتنياهو يعيش نهاية حياته السياسية الإجرامية”.

وتقول مصادر إيرانية مسؤولة: إنّ طهران “رفعت مستوى الجهوزية للدفاعات الجوية والقوات الإيرانية وهي على أهبة الاستعداد لصد أي هجوم” أمريكي ردّاً على هجوم التنف، وذلك في أعقاب الهجوم والتهديدات الأمريكية.

وتؤكد المصادر التي رفضت الكشف عن هويتها إنّ “القوات الإيرانية لن تنتظر وقتاً، وأنَّها سترد بحزم وسرعة على أي اعتداء داخل الأراضي الإيرانية”، غير أنَّها استبعدت قيام الإدارة الأمريكية بـ “هذه المغامرة”، لافتة إلى أنَّ “ذلك لا يمنعنا من أن تكون قواتنا على أهبة الاستعداد للرد على أي هجوم”.

ويؤكد القيادي السابق في الحرس الثوري أنَّ أي هجوم أمريكي على إيران سيعرّض كلّ القواعد الأمريكية لخطر الاستهداف من قبل الصواريخ الباليستية الإيرانية، مستبعداً قيام واشنطن بضرب إيران بشكلٍ مباشرٍ “لتبعات ذلك الكبيرة”. ويؤكد كنعاني مقدم أنَّ بلاده إذا ما أقدمت على ضرب القواعد الأمريكية في المنطقة رداً على أي هجوم، “فإنَّها هذه المرَّة لن تخطرهم مسبقاً بالهجوم”، وذلك في إشارة إلى ما حصل في مطلع عام 2020 بعد استهداف إيران قاعدة “عين الأسد” الأمريكية في العراق، ردّاً على اغتيال الجنرال قاسم سليماني قائد “فيلق القدس” السابق، حيث أعلنت طهران حينها أنها أبلغت الحكومة العراقية بأنها ستقوم باستهداف القاعدة قبيل تنفيذ الهجوم. ويتوقع كنعاني مقدم أن الإدارة الأمريكية “قد تقدم على هجمات محدودة في سوريا والعراق ولبنان”، مؤكداً أنه “يستبعد أن يسعى الأمريكيون إلى توسيع الحرب”.

خاتمة

يجمع المحللون أنّ هذا التصعيد الخطير في إقليم الشرق الأوسط وبلوغ التوتر إلى حدّ المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، لا يعني حتمية الحرب الإقليمية المتفجرة على أوسع نطاقٍ، ففي واشنطن لا توجد أجواء حرب واسعة ضد إيران أو غزو برّي، ولا مناخ مشابه لما سبق حرب احتلال العراق عام 2003، بعد الكابوس الأمريكي من درس العراق وأفغانستان، وبعد هزيمة المخطط الأمريكي – الصهيوني في حرب الإبادة بغزة، حيث الخسائر البشرية الكبيرة والتكلفة الباهظة بمليارات الدولارات.

على الرغم من أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك كل البنية التحتية العسكرية من قواعد عسكرية، وبوارج حربية، وصواريخ كروز، ودبابات في منطقة الخليج العربي، فإنّها لن تغامر بشن حرب واسعة النطاق على إيران، ويرجح حين يتم تجاوز الخطوط الحمر من الجانبين، أنّ توجه أمريكا ضربة محدودة انتقامية مدروسة لمواقع إيرانية حساسة تقضي على مواقع إطلاق صواريخ بالستية متوسطة وبعيدة المدى (أو ضربة استعراضية لمواقع غير حساسة إذا قرر بايدن عدم التصعيد) ودون أضرار كبيرة، وارداً، مع استمرار استراتيجية الضغط الأمريكي على إيران وإضعافها تدريجياً. وقد تأتي الضربة خارج إيران تجنباً لاستفزاز كبير لإيران (والساحة السورية هي أنسب مكان كونها مفتوحة لكل من يريد ضرب خصومه وأعدائه!) حفظاً لماء الوجه داخلياً وخارجياً بالنسبة للإدارة الأمريكية، ودعماً للكيان الصهيوني الذي لا يتوقف عن توجيه الضربات على مواقع داخل سوريا.

وعلى الرغم من جميع محاولات الكيان الصهيوني الضغط على واشنطن في عهد إدارات أمريكية متعاقبة لضرب إيران، فإنّ أمريكا تخشى من تداعيات الحرب في حال اندلاعها، لا سيما أنّ إيران تمتلك قوة عسكرية وصاروخية هائلة قادرة أن تطال كل القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، فضلاً عن أنّ إيران قادرة على تحريك كافة أوراقها في المنطقة من مبدأ “عليّ وعلى أعدائي”.