مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: حكّامُنا ربطوا مصيرَهُم بمصيرِ الكيانِ الصهيونيِّ وباتَ سقوطُ هذا الكيانِ سقوطاً لهم فدافعوا عنه وهاجموا وطعنوا بالظّهرِ كلَّ مقاومةٍ شريفةٍ أنتجتها الأمةُ

العدد رقم 283 التاريخ: 2021-05-07

الانسحاب من سوريا يثبت للعالم أن الولايات المتحدة هي حليفة محدودة الضمان

إعلان البيت الأبيض عن نية الرئيس ترامب عن سحب كل القوات الأمريكية من سوريا لا يجب أن يفاجئ ولو لسبب واحد: ترامب اعتاد على تغيير سياسته مثلما يغير جواربه. ولم يكن هناك أي سبب للتفكير أن هذا سيكون مختلفاً بالنسبة لسوريا.

صحيح أنه في شهر نيسان الماضي أعلن الرئيس عن نيته سحب القوات الأمريكية التي تعد 2000 مقاتل ومشرف، لكن منذ ذلك الحين غير رأيه ووجد نفسه في خلاف شديد مع البنتاغون ووزارة الخارجية. فقط قبل ثلاثة أسابيع قال المبعوث الأمريكي الخاص لسوريا، جيمس جفري، إن خروج القوات الأمريكية مشروط باتفاق سياسي مقبول في سوريا وتأسيس نظام مستقر في الدولة، أي أن الانتصار على داعش الذي كان حتى ذلك الحين هو المبرر الأساسي للتدخل الأمريكي، أخلى مكانه لمبرر جديد: نظام متفق عليه. ولكن أيضاً في هذا المجال لا يوجد للولايات المتحدة أي إسهام، حيث أن إدارة العملية السياسية توجد بشكل حصري في أيدي روسيا التي انضمت إليها تركيا وإيران.

إن اشتراط الانسحاب الأمريكي بالحل السياسي ليس فقط لم يعجب موسكو وحلفاءها بل جعل واشنطن تجد نفسها في موقف تكون فيه معتمدة على قدرة بوتين في تحقيق الحل، وحتى أنها أثقلت على تقدم هذه الخطوات. ولأنه طالما أن القوات الكردية تعتقد أنها تستطيع التمتع بالمظلة الأمريكية ضد تركيا – بحيث تمكنها من مواصلة السيطرة على المناطق التي سيطرت عليها وطرح شروط سياسية لانسحابها – فإن روسيا ستواجه صعوبة في تشكيل تحالف موحد من المتمردين الذين سيوافقون على خطتها للحل.

إذا تمسك ترامب بنيته للانسحاب، ولم يخشَ من الضغط الذي يستخدمه عليه وزير الخارجية مايك بومبيو ووزير الدفاع جيمس ماتيس، أو سيستيقظ مع أحد الأخطاء الجديدة، فإن تفسير ذلك سيكون تغييراً حقيقياً على الأرض. الولايات المتحدة ستخلي قاعدة التنف على حدود سوريا – العراق، التي كان يتوقع أن تعطي الإنذار لدخول قوات الدفاع الشعبي الشيعية من العراق نحو سوريا؛ كما أنها ستخلي أيضاً القواعد في شمال سوريا والتي تم استخدامها كنقطة انطلاق لهجمات ضد داعش؛ وستتنازل عن فكرة إقامة نقاط مراقبة على طول الحدود مع تركيا والتي استهدفت الدفاع عن الأكراد، وستبقي مدينة منبج التي تقع تحت سيطرة الأكراد فارغة للاحتلال التركي وهكذا أيضاً كل الجيوب الكردية التي تقع شرقي نهر الفرات.

صحيح أن حجم القوات الأمريكية في سوريا لم يكن بالدرجة التي يمكنها إدارة معارك تكتيكية هامة، إلا أن مجرد وجودها شكّل فضاءً للسيطرة والردع للقوات الروسية والتركية والسورية والايرانية. مثلاً، عندما حذّرت من أن كل جندي أمريكي سيجر رداً شديداً، فقد صدت الولايات المتحدة توسع الغزو التركي شرقي مدينة عفرين. بالنسبة لتركيا الخشية من التصادم مع القوات الأمريكية جعلتها توقّع ـ مع صك الأسنان ـ على اتفاق للتعاون مع أمريكا للإشراف المشترك على مدينة منبج التي تحولت إلى بؤرة احتكاك سياسية بين الدولتين. الآن لم يعد العائق الأمريكي يقف أمام تركيا، وسيكون على الأكراد التقرير هل سيديرون حرب طويلة المدى وربما ليس لها أمل مع تركيا أو البحث عن ملجأ في موسكو دون أن يستطيعوا وضع شروط لمستقبلهم في سوريا.

الأكراد هم بلا شك أكبر الخاسرين من القرار الأمريكي، وهذه لن تكون المرة الأولى في تاريخ الأكراد التي تبين فيها أن أمريكا هي حليفة غير موثوقة. ولكن أيضاً في واشنطن من شأنهم أن يخسروا. وزارة الخارجية تخشى وبحق من أن الانسحاب من سوريا سيقدم دليلاً آخر لحلفاء الولايات المتحدة بأنه لا يوجد من يعتمدون عليه في البيت الأبيض، وأن وعود الرئيس ترامب لا تساوي الفضاء الافتراضي الذي تحتله تغريداته في تويتر.

ولكن التعهد الأمريكي لحلفاء أمريكا مع كل أهميته، هو في هذه الأثناء هامشي بالنسبة للموضوع المركزي المتعلق بتشكيلة القوات الاجنبية المتورطة في سوريا، وبالأساس القوات الإيرانية. أحد المبررات التي طرحتها أمريكا لمواصلة تواجدها في سوريا استند إلى المعاهدة التي تقول إنه طالما تعمل هناك قوات أجنبية فستواصل القوات الأمريكية مهمتها أيضاً. روسيا وإيران قالتا في المقابل إن تدخل قواتهما هو مشروع، حيث أنه تم استدعاؤهما من قبل سوريا أمام أمريكا وتركيا اللتان قامتا بغزو الدولة. الولايات المتحدة تجاهلت هذا الادعاء وادعت أن إخراج القوات الإيرانية لن يتم بالقوة العسكرية بل من خلال الدبلوماسية. لقد كان واضحاً أن الوجود الإيراني يمنح الولايات المتحدة مبرراً لنشاطاتها في سوريا.

إن انسحاب القوات الأمريكية سيعرض الآن كهزيمة أمريكية من قبل إيران وسوريا، وهو عرض ستكون له تأثيرات على مكانة ونفوذ الولايات المتحدة في دول المنطقة مثل العراق ولبنان واليمن وحتى السعودية – التي يمكن أن ترى في الانسحاب الأمريكي ضربة للمعركة المشتركة ضد إيران.

بالنسبة لإسرائيل، لم يكن للوجود الأمريكي وزن خاص في المعركة التي تديرها ضد إيران في سوريا، لكن كانت لها أهمية كبيرة في وضع قواعد اللعب أمام روسيا، في تحديد المناطق قليلة التصعيد في جنوب سوريا وفي إبعاد القوات الايرانية عن الحدود في هضبة الجولان. في كل هذه الأمور كانت واشنطن مشاركة سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة بواسطة الدعم الذي أعطته لإسرائيل في النقاشات متعددة الجوانب، وبمجرد الوجود العسكري في سوريا الذي منحها مكانة الشريك الفعلي. إضافة إلى ذلك، طالما أنه توجد قواعد أمريكية في سوريا فهي ستسمح بـ "مرونة" عسكرية، التي تعني زيادة القوات الأمريكية في الدولة لأغراض تدخل محلي أوسع دون اعتبار هذا الأمر تحطيماً لقواعد اللعب أو كسابقة.

انسحاب القوات يعني أن كل إنزال جديد لقوات أمريكية في سوريا سيكون من الآن فصاعداً إجراءً سياسياً معقداً وطويلاً أمام الكونغرس الأمريكي، وبالأساس خطوة يمكن أن تفسر كإعلان حرب. ترامب يمكنه الآن التفاخر بأنه يفي بوعوده ويعيد الجنود إلى الوطن، لكنه في نفس الوقت يفصل الولايات المتحدة عن ساحة أخرى كان يمكن فيها أن يكون لها تأثير كبير.

صحيفة هآرتس -  تسفي برئيل

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

إخترنا لكم من العدد