مجلة البلاد الإلكترونية

الإمام الخامنئي (دام ظله): "النّظام الأمريكي لن يُعمّر طويلاً إنْ جاء أحدهم إلى السلطة، فسيُعجّل الانهيار، والآخر ربّما يؤخّره قليلاً لكن في جميع الأحوال هذه هي الحقيقة"

العدد رقم 268 التاريخ: 2021-01-22

زمنُ التلاشي للعباقرة الأفذاذ

غسان عبد الله

يبدو أن ظهور العباقرة من شعراء وكتّاب ومفكرين لم تعد موجودة عندنا في العالم العربيِّ بالشكلِ الذي كانت عليه في بدايات القرن الماضي، ونحن هنا لا ننكر أن عندنا حالياً أفذاذاً في مختلف مجالات الفكر والأدب، لكنهم ليسوا على مستوى الشهرة والصيت اللذين كانا لدى أسلافهم..

فنحن لم نعد نرى أفذاذاً عباقرة كما هو الشأن بالنسبة لمفكرين وأدباء مثل: الرافعي والعقاد وطه حسين وشوقي وحافظ والجواهري وقاسم أمين وجبران ونعيمة والقائمة تطول... ولا أدري ما هو السبب في اختفاء هذه الظاهرة، أو على الأقل السبب في خفوتها خفوتاً ظاهراً جلياً. فلا شك أن ثمة أسباباً ذاتية وموضوعية عملت على حجب الظاهرة أو على ضمورها ضموراً بادياً للعيان.

ثمةَ عوامل نرى أنها كانت دافعاً أساسياً لبروز تلك الظاهرة، والتي ساعدت على تلميعها وتأطيرها..

فعلى صعيد الثقافة نرى أن أولئك الأفذاذَ اتسموا بامتلاك رصيد ثقافي واسع ومهم، حتى أننا لنكاد نقول بأنهم كانوا موسوعيين - حسب علمي فإن آخر الموسوعيين كان هو الشاعر الألماني جوته، فالأديب أو المفكر منهم كان لديه ما يقوله للناس، بمعنى أنه كان يتكلم ويعلم ما يقول، ومعنى يعلم ما يقول هو أنه كان يعرف المواطن التي تحتاج إلى البحث فيها والتحدث عنها، أي أن المفكر والأديب كانا يضيفان الجديد، وفي اعتقادي الشخصي أن الإضافة النوعية هي التي تميز المفكر والأديب من غيرهما. ثم إنه كانت لديهما قناعات وأفكار يؤمنون بها ويدافعون عنها، تارة باستعمال المنطق، وتارة بإيراد الحجة والدليل.

على صعيد وسائل التواصل فقد كان لها دورٌ حاسمٌ في ذيوعِ صيتِ أولئك الأفذاذِ، كما كانت سبباً في شيوعِ أفكارِهم وأدبِهم، وهذا العاملُ وإنْ كان على درجةٍ من الأهميةِ لا تخفى فإنه لا يصدُقُ على كلِّ من كانت له به علاقة من كُتّاب، فكم من أديبٍ وكم من مفكرٍ لم يبقَ منه شيئاً، مع العلم أنه في وقتِهِ كان من الوجوهِ الدائمةِ الظهورِ في المنابِرِ الإعلامية، والأمثلةُ عن هذا تجلُّ عن الحصر.

بالنسبة للمفكرين فقد كانت لديهم أفكار واضحة وأهداف يحاولون الوصول إليها، ففي أدمغتهم كانت تلك الأفكارُ واضحةً على ما تتّسِمُ به من تخمُّرٍ ونُضْجٍ لما لأصحابها من بُعْدِ نظرٍ واتّساعِ أُفْقٍ، وقَدْ بسطوها للناس بشكلٍ سليمٍ في كتاباتِهم، وقد امتازَ أسلوبُ هؤلاءِ بثلاث ميزاتٍ لا بد منها للأسلوب كي يكون أسلوباً ناجعاً وراقياً، وهي: الوضوح والدقة والمتانة. فأسلوبهم لا غموض فيه ولا لُبْسَ، وتبعاً لذلك فقد جاءت أفكارُهم ساطعةً واضحةً، تَجِدُ من الناسِ المناصرَ لها والمناوئَ والمعادي حتى، ومَنْ هو دون ذلك، وقد كنا نرى المعاركَ الأدبيةَ والفكريةَ محتدمةً، وعلى أشُدِّها بين كاتب وآخر، وبين القراء المناصرين وغير المناصرين، فكان الحقلُ الأدبيُّ والفكريُّ يعرِفُ حركةً دؤوبةً، ويعجُّ بالحركةِ والنشاط، والمهتمُّ لا بدَّ أن يخرُجَ من ذلك بالفائدةِ الجمّةِ والتنويرِ المغذِّي للعقلِ والمنعشِ للروح. ويبدو أن عاملَ الاحتكاكِ بالغربِ كان لهُ أثَرُهُ في وجودِ هذه الظاهرة، فكثير من المثقفين الذين كانوا طرفاً في هذه المعارك هم من أولئك الذين اتصلوا بالغرب اتصالاً مباشراً، أو من الذين تأثروا بثقافته الوافدة، مقابل المثقفين المحافظين الذين وقفوا ضد التيار مدافعين عن القيمِ المتوارثة، مبيِّنِينَ خطورةَ الأفكارِ المستوردةِ على هويةِ الأمة.

إن ظاهرةَ بروزِ العباقرةِ أو الأفذاذِ هي ظاهرةٌ عالميةٌ، وخفوتَها أو انعدامَها هو ظاهرةٌ عالمية كذلك، إلى أنها تختلف في الدرجة قوةً وضعفاً من مكان إلى مكان، ومن مجتمع إلى مجتمع.

وإذا كنا قد سردنا بعض العوامل التي كانت ـ حسب رأينا ـ وراء ظهور بعض عباقرتنا العرب، فلا بد أن نعطف على ذلك ببعض العوامل التي قللت منها أو جعلتها تكاد تكون منعدمة ومنها: ضغط الجماعة على الفرد.. لأن الجماعة لها سلطةٌ معنويةٌ على الفرد، سلطةٌ قاهرةٌ لا تلين لها عريكة ولا يهن عزم، فالمفكر أو الأديب يجد نفسه محاطاً ومحاصراً بالجماعة، لأنها تمثِّلُ القيم المحافظة على التقاليد والأعراف التي بموجبها هي محافظة على كيانها ومستمرة في الوجود، فأي كاتب أو مفكر هو مدعو لأن يكون منسجماً في طروحاته وفي استخراجاته مع ما يتماشى مع القيم السائدة في مجتمعه، وإلا سيتلقى صنوفاً من الأذى والجفاء لا تتصور.

أما الشخص العادي فيرى في ما يقوله المفكر العبقري شيئاً متطرفاً، إما لأنه لا يفهمه، وإما لأنه مشبع بأفكار مغايرة يراها هي الصواب وغيرها خاطئ. ولذا فهو يهمله ويحاربه على مستويات منها: أن لا يحفل بأفكاره.. أو أن يشنِّعَ فكرَهُ، وينشر ذلك على الملأ.. أو أن يؤلِّب عليه العامة والخاصة.. وأن لا يقدّم له الدعوة لتقديم أطروحاته والتعبير عن وجهة نظره في محاضرة أو ندوة أو في لقاء عاد.

أما بالنسبةِ للأفذاذ فإنهم يجعلون الناس العاديين يشعرون بالنقص، ويدخلون على أنفسهم الضيم، فكم من عظيم أو زعيم قدّم أعمالاً جليلة عادت بالنفع العميم على وطنه أو على الإنسانية قاطبة، ولكنه في نهاية المطاف لم يجد من الناس ما يستحقه من إجلال وإكبار وتقدير لما قدّمه، فسقراط مثلاً كان سبب تقديمه للمحاكمة هو العامة، وقد مات وهو حانق على الديموقراطية التي أدت به إلى مصير سيئ.. والشهيد السعيد محمد باقر الصدر أقلقَ الجهلةَ من حكّامِ الردَّةِ وجلاوزة السلطة استشهد هو وأخته بسبب ما قدَّمُوه من فكرٍ نيِّرٍ للأمةِ الإسلامية.  

وأخيراً نقول هل انتهى زمن العمالقة في الفكر والأدب؟ أم هل سيظهر عمالقة آخرون جدد؟ وإذا ظهروا هل نستطيع تخمين وتحديد الطريقة والكيفية اللتين سيظهرون بها؟.

 

إخترنا لكم من العدد