مجلة البلاد الإلكترونية

المجلس المركزي للتجمع: المكلفون بتشكيل الحكومة يتصارعون على أمور ليست السبب الحقيقي وراء إطالة التأليف لأشهر، فهل يُعقل أن تسمية وزيرين توقف التشكيل طول هذه المدة؟!

العدد رقم 289 التاريخ: 2021-06-19

خطاب رئيس هيئة الأركان العامة: محاولة للتوضيح

خطاب رئيس هيئة الأركان العامة: محاولة للتوضيح

حسناً فعل رئيس هيئة الأركان العامة عندما عبّر عن رأيه. بكل الأحوال "خطأه" أقل خطراً بكثير من الجهود التي قام بها الكثيرون في الماضي (وقسم منهم حاليا) لتغيير قرارات المستوى السياسي سواء عن طريق موقف مختلف بشكل علني أو عن طريق إحباط حالة الهدوء في أروقة دول أخرى.

تحدّث رئيس هيئة الأركان العامة أفيف كوخافي بشكل مهني لكن واضح حول إمكانية أن تتراجع إدارة بايدن عن الاتفاقية التي وُقِّعت عام 2015 مع الإيرانيين لتقييد النشاط النووي الإيراني. من وجهة نظره اتفاقية رديئة لا يجب العودة إليها، وعلى إسرائيل الاستعداد لاحتمال أن تضطر للخروج إلى حرب لمنع إيران من إحراز السلاح النووي.

لم يتّفق الجميع مع كلامه وكانوا من الذين شجبوا أصل العمل العلني لرئيس هيئة الأركان العامة في الموضوع، لأنه على ما يبدو خارج نطاق صلاحيته إنما داخل نطاق المستوى السياسي. 

كمن ينصح سنوات بأن يحتفظ مختلف المسؤولين برأيهم في الغرف المغلقة، من عناصر من الجيش، مبعوثي وزارة الخارجية، موظفي المالية أو رجال قانون، للوهلة الأولى لا يمكنني إلا أن أومئ برأسي بالموافقة على هذه الكلمات. إنما وردة وفيها شوكة: واقعاً ذات الوسائل الإعلامية تمدح المسؤولين والموظفين عندما عملوا وتحدثوا ضد موقف الحكومة، سواء كانوا ضباطاً، موظفي مالية، رجال قانون أو دبلوماسيين. لأن المسألة تتعلق بما يُسمى بالعبرية "الصلاة وسبّان الدين"، أي يكتبون أن رأيهم الأساسي حُدد وفقاً لمفهوم واحد: هل الأمر يناسب رأيهم أم لا. بناءً على ذلك أوصي رئيس هيئة الأركان العامة بعدم الانفعال من الكلام ضدّه عبر الوسائل الإعلامية المختلفة، كونه لا يوجد فيها ذرة سلامة عقلية.

من ظاهر الكلام، حاولت فهم لماذا على الرغم من ذلك قال رئيس هيئة الأركان العامة، إنه لا يكثر من الكلام علناً، الكلام الذي قاله، وتوصلتُ (من دون التحدّث معه!) إلى استنتاجين.

رئيس هيئة الأركان العامة موجود في هذه الفترة الصعبة بوضع معقّد. هو ملزم من ضمن مسؤوليته تجهيز الجيش للحرب، وليس لديه رغبة بأن يواجه احتمال أن تكون إسرائيل ملزمةً بالخروج في حرب صعبة لمنع تحوّل إيران إلى دولة نووية وهو كقائد للجيش سيضطر للقول لمتخذي القرارات انه ليس لديهم إمكانية للقيام بذلك لان الجيش غير مستعد. هو أراد أن يحذّر من هذا الوضع، لأنه من المهم أن العودة إلى الاتفاقية الرديئة أن تضع إسرائيل أمام قرار صعب وهو كقائد للجيش الإسرائيلي يجب السماح للحكومة بالمعارضات المختلفة. التزامه، هكذا هو على ما يبدو يفكر، بتوضيح الصورة لمواطني إسرائيل كي يفهموا أين يقف الجيش الإسرائيلي وما الضروري له للسماح لإسرائيل باختيار وقت الضرورة بين طرق العمل المختلفة، تشمل حرب (لأن رئيس هيئة الأركان العامة بعقلانيّته أوضح أنها ستكون من الصعب جداً). بدون قدرة عسكرية النتيجة ستكون مقنعة لخطوات إيران، ورئيس هيئة الأركان العامة سترى ذلك فشل حقيقي، للجيش الإسرائيلي ولنفسه. التحذير يبدو لي مهما بما فيه الكفاية لينحرف عن طريقه شبه المحدد للصمت العلني.

السبب الثاني لكلام رئيس هيئة الأركان العامة هو على ما يبدو استراتيجي وهو متعلق واقعاً بالرقم السياسي. خلال سنوات ساد في العالم رأي أنه ثمة خلاف حقيقي بين المستوى المهني - الأمني وبين رئيس الحكومة. الأوائل ليسوا مهمين لأنه صحيح أن إسرائيل ستستخدم قوتها العسكرية لإحباط البرنامج النووي، بخلاف رئيس الحكومة الذي رغب القيام بذلك قبل عقد تقريباً. كانوا من بين الذي فكروا أن "العالم" سيوقف إيران، بخلاف كل المحاولة التاريخية (انظروا إلى الهند، باكستان وكوريا الشمالية، الذين أصبح لديهم سلاح نووي)، وبخلاف الأخلاق الموجودة لدى دولة إسرائيل، حيث أحد أسباب إقامتها كان أن اليهود لم يضطروا للاعتماد على أجانب دافعوا عنهم. كان من بينهم الذين فكروا أن قدرة إسرائيل هزيلة والضرر على البرنامج النووي سيكون صغيرا جداً بالنسبة إلى المخاطر التي ستكون فيها إسرائيل ملزمة بأخذ على عاتقها إزاء رد الإيرانيين، وبناء على ذلك على إسرائيل ألا تهاجم.

وسائل الإعلام الإسرائيلية منحت خلافات الرأي هذه صداً حقيقياً، وبالتأكيد لم تطالب بانتظام الضبّاط والمسؤولين الرفيعين الآخرين الذي خرجوا ضدّ رئيس الحكومة علناً أو في واشنطن بالسر على ما يبدو (أصداء الصمت وصلت إلى الصحافة، بالتأكيد)، لأنّ الأمر لائم رأي الكثير من المحللين. المواضيع والمعطيات الأميركية استخدمت خلافات الرأي هذه، وحتى برّروا الاتفاق النووي، بادعاء أنّه حتّى الجهات الرفيعة في إسرائيل ترى فيه اتفاقاً جيّداً، أو على الأقل ليس بهذا السوء. هم بنوا من هذه الفجوة، بمثابة فرّق تسد.

بالنسبة إلى رئيس هيئة الأركان العامة، الذي رأيه المهني مختلف عن رأي المحللين (بعضهم مسؤولين كبار سابقين) وعن رأي أسلافه، على ما يبدو كان مهما أن يبعث رسالة للشعب وللعالم أن إسرائيل موحدة حول مقاربة الضرر بالعودة إلى الاتفاقية النووية، وانه عن طريق استعداد ملائم تستطيع إسرائيل أن تمس بقوة، وربما تدمّر، جزء بارز من البرنامج النووي الإيراني. هو أراد أن يكون واضحاً لان الجهات الأمنية الكبيرة جنباً إلى جنب مع رئيس الحكومة في هذا الموضوع وأي جهة في العالم لا تستطيع أن تفهم من خلافات الرأي في المعركة الإسرائيلية، لأنه لا يوجد خلافات رأي كهذه. أنا أفترض أن كلاماً مشابهاً هو قاله في الغرف المغلقة في اجتماعاته مع أجانب، لكن إزاء الإخلاص الذي تجذّر في العالم وشغل منصب رفيع في المقاربة التحذيرية والتسامح مع إيران كان من المهم له أن يضع الأمور في نصابها.

أنا أعتقد أنه قام بذلك خدمة لحقيقة مصالح دولة إسرائيل، وتعزيز موقفها في كل المفاوضات التي ستجري مع الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة، كذلك موقف الولايات المتحدة إزاء الإيرانيين. إذا ما كان لذلك أضرار مرافقة - هي تافهة.

بالنّسبة إلى الادعاء الأساسي المتعلق بحدود القطاع الخاص بالعمل العلني لمسؤولين مهما كان مستواهم - وفقاً لرأي "خطأ" رئيس هيئة الأركان العامة في هذه الحالة أقل خطورة بكثير من الجهود التي قام بها عدد كبير في الماضي (وقسم منهم اليوم) لتغيير قرارات المستوى السياسي سواء عن طريق اقتراح موقف مختلف بشكل علني أو عن طريق إحباط حالة هدوء في أروقة دولة أخرى.

إذا ما أرادوا وقف ذلك مستحيل الاكتفاء بإرشاد من رأيه ليس مريحاً لعدد كبير في الوسائل الإعلامية، إنما تطبيق ذلك على كل العناصر المهنية، ببزات عسكرية وغير بزات عسكرية. يوجد كهؤلاء عدد ليس بقليل في المجالات الدبلوماسية، الأمنية، الاقتصادية والقضاء. لا يوجد جهداً أعلى من جهد رئيس الأركان ولا رأي أهم من رأيه، ربما العكس هو الصحيح. 

مركز القدس للاستراتيجية والامن - يعقوب عميدرور

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

إخترنا لكم من العدد