مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: مع أننا كنا نفضل أن تأتي شخصية جديدة من خارج نادي رؤساء الحكومات السابقين.. إلا إننا نرى أن الوضع بحاجة إلى تضافر الجهود للخروج بالبلد من المأزق

العدد رقم 295 التاريخ: 2021-07-30

ما هي الطريقة المناسبة للتعامل مع إدارة بايدن في القضيّة الإيراني؟

ما هي الطريقة المناسبة للتعامل مع إدارة بايدن في القضيّة الإيراني؟

مقاربة إدارة بايدن للموضوع الإيراني يشير إلى النقطة الأساس التي ستحدّد سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بشكل عام ورسم علاقاتها مع حلفاءها في المنطقة، وحُكماً إسرائيل. بهذه الكلمات يُشار إلى أن إسرائيل تستعد لتحريك الحوار أمام الإدارة في الموضوع الإيراني.

الوثيقة التي أمامكم تتطلب وضع بنية تحتية من المعلومات ذات الصلة في القضيّة التي على أساسها ستقدّم سلسلة توصيات لتطبيقها في التعامل إزاء الإدارة الجديدة في واشنطن، بهدف تحسين الفرص للتأثير على سياستها وفقاً للمصالح الإسرائيلية. 

ستُناقش الوثيقة، من جملة الأمور، المسائل التالية: ما هي خطوط سياسة إدارة بايدن إزاء إيران؟ ما هو ترتيب الموضوع على جدول أعمالها؟ ما هي المصالح، الدوافع والمنطق الذي يوجهه؟ من هي الجهات التي ستؤثر على فرص نجاحها لتطبيق هدفها المعلن للعودة إلى الاتفاق النووي (على رأسها سياسة النظام في طهران)؟ بأي جداول زمنية تتعلق المسألة؟ ما هي الثغرات والتوترات بين إسرائيل والإدارة وكيف هو يفهم مواقفها وإدارتها حتى الآن؟.

ما هو المنطق الذي يوجّه سياسة إدارة بايدن في الموضوع الإيراني؟

بنظرةٍ أولية تبدو خطوط السياسة التي أعلنها الرئيس بايدن وفريقه بالنسبة إلى إيران، في التصاريح والبيانات، غير منطقية. هم يعلنون عن نيتهم العودة إلى الاتفاقية النووية وجزء من ذلك رفع العقوبات القاسية التي فرضها ترامب على إيران. في المرحلة التالية، تحديداً بعد التخلّي عن رافعةِ العقوبات أمام النظام في طهران، تنوي إدارة بايدن الطلب منها القيام بتنازلات شديدة بصورة إطالة أمد القيود في الاتفاقية النووية وتعزيزها، كجزء من الاتفاقيات التالية لها التي ستعالج مشكلة الصواريخ. يصرّح بايدن أنه إذا رفضت إيران - وطهران واقعاً توضح أنها ستعارض بشدة الخروج عن شروط الاتفاقية أو المفاوضات حول تشكيل صواريخها - هو سيتراجع عن رفع العقوبات، وواقعاً سيعود إلى سياسة ترامب، التي عارضها منذ البداية.

ليس منطقياً؟ بالتأكيد، إذا ما انطلقنا من فرضية انه في هذه المرحلة تطلب الإدارة بشكل خاص "وضع جانباً" الموضوع الإيراني - أو "إدخال إيران مجدداً إلى الصندوق" وفقا لكلام مستشار بايدن للأمن القومي - من اجل التفرّغ لمواضيع أكثر إلحاحاً.

العودة إلى الاتفاقية النووية ستّدحرج البرنامج النووي الإيراني إلى الوراء، لمسافة سنة تقريبا من الوصول إلى مادة انشطارية للقنبلة. ذلك، لفترة حوالي ست - سبع سنوات إلى أن يبدأوا تدريجياً بفسخ قيود الاتفاقية حول البرنامج النووي. بالنسبة إلى الإدارة المسألة تتعلق بنطاق زمني طويل للدبلوماسية إزاء إيران لمناقشة الاتفاقيات التالية لها، والتي لا تشكل شرطاً مسبقاً للعودة إلى الاتفاقية النووية، وإقامة قنوات حوار مع طهران في مواضيع إقليمية، بمشاركة دول الخليج.

في الوقت الذي "ستكسبه" الإدارة هو قادر على التفرّغ لجدول أولوياته الحقيقية، لأن الشرق الأوسط ليس على رأسها بينما تسبقه الأمراض الاجتماعية - الاقتصاديّة من الداخل - وبشكل خاص الاهتمام بالانعكاسات الخطيرة للجائحة - التوجّه شرقاً لمواجهة الدول العظمى إزاء الصين، إعادة بناء موقع الولايات المتحدة وجدول الأعمال الليبرالي في المعركة العالمية، مواجهة تهديدات سايبر، كوريا الشمالية وغيرها.

 احتواء التحدي الإيراني يظهر في قناة واحدة مع النية المعلنة للإدارة بتقليص التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط، وكما هو يحدد ذلك، للتوازن مجدداً بين مستوى التزامات الولايات المتحدة والاستقرار، الحرية والأمن في المنطقة وبين الحاجة إلى عدم الغوص في المواجهات، التي لا يمكن الانتصار بها وتضر بقوة الولايات المتحدة.

تدرك إيران جدول الأولويات هذه وهي مصممة على الضغط على الإدارة للاهتمام بذلك، للعودة إلى الاتفاق النووي ومنعها عن التنازل عنه في موقف الانتظار تحت ضغط العقوبات، التي تدمّر اقتصادها. على هذه الخلفية، وكذلك كي تراكم "أوراق" ومحفزات إزاء الإدارة، النظام الإيراني زاد حدّة خروقات الاتفاقية النووية في الآونة الأخيرة، وحتى قلق على إرسائها في القانون الذي يتبناه البرلمان. بدأت إيران بتخصيب اليورانيوم لـ 20% وأبلغت الوكالة الدولية للطاقة النووية عن نيتها إقامة خط إنتاج لليورانيوم معدني. وفقا لقانون خطوات الضغط المقبلة ستكون تقليص الالتزامات لـ "البروتوكول الإضافي" (نهاية شباط) الذي يمنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحيات مراقبة مشدّدة في المواقع النووية، ونصي ألف جهاز طرد مركزي متطوّر (في غضون ثلاثة أشهر). أي جهات ستؤثر على فرص العودة إلى الاتفاقية النووية وعلى الجداول الزمنية؟

الإجراء للعودة إلى الاتفاق النووي قد يواجه سلسلة صعوبات وحتى عرقلة

أولاً، توالي المناورات العسكرية الإيرانية في الخليج، والتي خُصصت لنشر قوة ودعم متطلباتها السياسية، وتهديدها للانتقام على اغتيال قائد لواء القدس الخاص في الحرس الثوري قاسم سُليماني والعالِم النووي فخري زادة - قد تتدحرج إلى حوادث عسكرية غير مخطط لها في الميدان أو الانتشار من قبل وكلاء إيران في المنطقة، وبشكل خاص الميليشيات الشيعية في العراق، بمثابة ضوء أخضر للمس بالمصالح الأمريكية.

ثانياً، حتى الآن يلوح في الأفق خلاف بين واشنطن وطهران حول "سلّم الأولويات" في طريق العودة إلى الاتفاقية. الولايات المتحدة تطلب أن تعود إيران إلى الامتثال للاتفاقية وفقط وقتها ستُرفع العقوبات بينما النظام الإيراني يطلب العكس.

ثالثاً، قبل أن يتّضح إلى أي خط أساس تكنولوجي ستطلب إيران العودة. مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، غروسي، أكّد أنه لا يمكن العودة إلى "المربّع الأول" للاتفاقية النووية، غير الموجود بعد، ولخطتها مطلوب بروتوكول متفق عليه بين الطرفين، في إطاره سيُحدّد كيف ستتراجع الخروقات الإيرانية للخلف. قضايا معقّدة في هذا الموضوع من المتوقع أن تكون المعلومات التي تراكمت في إطار الخروقات التي نفذتها إيران في مجال البحث والتطوير، بناء المنشأة تحت الأرض في نطنز لإقامة أجهزة طرد مركزية متطورة وغيرها. كذلك بعد التوصّل إلى الاتفاقيات سيستغرق ذلك أسابيع طويلة لتطبيقها، على سبيل المثال لإضعاف أو إخراج من إيران اليورانيوم المخصّب الذي تكدّس أكثر من السقف المسموح في الاتفاقية (حوالي 3600 كلغ مقابل 300 كلغ على التوالي). حول هذه الخلفية، يوضّح وزير الخارجية الأمريكي بلينكن، "نحن ما زلنا بعيدون عن النقطة المحددة" سيكون ممكناً فيها تحديد أن إيران عادت للامتثال بالكامل للاتفاقية.

رابعاً، على خلفية الانتخابات الرئاسية المتوقعة في إيران في حزيران من هذه السنة تزداد التوترات السياسية الداخلية في صفوف النظام، بينما الطبقات المحافظة تُعنى بمنع روحاني ومعسكره انجاز صورة رفع العقوبات. على هذه الخلفية ممكن انه كلما اقتربت الانتخابات تزداد إيران تعنتاً بمواقفها. حتى الآن هي تعرض مواقف منفتحة تتصف بالصرامة (من المنطقي أن تساوم على جزء منها) على سبيل المثال تعويضات على الضرر الاقتصادي الذي أصابها من العقوبات نتيجة انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية، رفع العقوبات إضافة إلى ما هو مفصّل في الاتفاقية (دعم الإرهاب، انتهاكات حقوق الإنسان)، ضمانات أن الولايات المتحدة لن تخرق مرة أخرى الاتفاقية وغيرها.

كذلك إدارة بايدن من المتوقع أن تواجه صعوبات لتجنيد دعم بالعودة إلى الاتفاقية - من الداخل، على خلفية معارضة واسعة في الكونغرس، تشمل من جهة أعضاء الكونغرس الديمقراطيين، ومن الخارج، في ظل معارضة حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والذين لا تزال تشغل إسرائيل بالهم. 

من الجهة الثانية، جانبان بارزان يعزّزان فرصة تطبيق العودة إلى الاتفاق النووي. الأوّل هو المصلحة العميقة في ذلك، المشتركة بين واشنطن وطهران. الإدارة معنيّة بتطبيق سلّم الأولويات الاستراتيجي للولايات المتّحدة؛ بينما تسعى إيران لرفع العبء الثقيل للعقوبات، التي اشتدّت حدّتها بسببها في ظلّ أزمة كورونا، والعودة إلى الاتفاق من البداية منحها مزايا بارزة.

العنصر الثاني، هو الدعم الدولي، تقريباً من "الحائط إلى الحائط"، المتوقع للخطوة، سواء من جانب دولة أوروبية، تدعو إلى إنقاذ الاتفاق النووي منذ خروج الولايات المتحدة منها، أو من جانب خصوم الولايات المتحدة روسيا والصين.

ما هي الفجوات بين إسرائيل وإدارة بايدن؟

تعارض إسرائيل الاتفاق النووي لعدّة أسباب جوهرية:

* برؤية، الاتفاق "يرهن" المستقبل مقابل التأجيل، المهم بحدّ ذاته، للبرنامج النووي لإيران، وفي الواقع مهّدت الطريق - بدء من حوالي 6-7 سنوات، بينما القيود على الخطّة بدأت تنكسر تدريجياً - لموقع دولة على عتبة النووي، بشرعيّة دولية كاملة.

* الاتفاق يمكّن إيران من تنفيذ بحث وتطوير أجهزة طرد مركزي متقدّمة، تنكسر القيود عليها تدريجيا، بشكل يسهّل عليها الوصول بسرعة لحين اختراق أدنى للحصول على مادّة منشطرة للقنبلة، مع رفع القيود.

* الاتفاق لا يمنح وكالة الطاقة الذرية صلاحيات مراقبة كافية في مجال خطّة السلاح النووي.

* الاتفاق يتقدّم في النووي فقط، ويتجاهل سياسة إيران المدمّرة في المنطقة، وتشكيل الصواريخ الذي يشكّل تهديداً الذي تبنيه. الاتفاق يرفع عن إيران العقوبات الفعّالة، في المجال المالية والطاقة، ويشّل القدرة على استخدامها للضغط على طهران لوقف خطواتها الإقليمية التي تزعزع الاستقرار والتهديدات التي تشكّلها على جيرانها.

سياسة إسرائيل إزاء إدارة بايدن في قضية إيران تصوّر في واشنطن، كمناكفة. إسرائيل تتصرّف إزاء الإدارة بتصريحات علنية (رئيس الحكومة، رئيس هيئة الأركان) التي تطالبه بعدم العودة إلى الاتفاق النووي الرديء؛ و"عبر وسائل الإعلام"، التي تسرّبت إليها "طلبات" إسرائيلية غير عمليّة، مثال وقف أي تخصيب يورانيوم في إيران ونهاية التواجد الإيراني في ساحات المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، إسرائيل تظهر كمن يشير إلى الإدارة إلى أنّ العودة إلى الاتفاق النووي قد يقودها إلى إعادة دراسة خيارات عسكرية.

السياسة الإسرائيلية تثير غضباً في واشنطن حتى قبل دخول بايدن إلى البيت الأبيض. الأمور تجسّدت في مقال رأي بارز جداً في "واشنطن بوست"، بقلم المحلّل القديم، جاكسون ديهل؛ وجهات في محيط الرئيس المنتخب حتى أنّها ادّعت في وسائل الإعلام أنّ تصفية العالم النووي الإيراني، فخري زادة، المنسوبة إلى إسرائيل، مخصّص لمنع بايدن من العودة إلى المسار الدبلوماسي إزاء إيران.

توصيات لإسرائيل

في إطار الحوار مع الولايات المتحدة (والمنظومة الدولية عموماً) في قضية إيران، من المتوقع أن تعلق إسرائيل في المأزق المعروف بين الحاجة لتشكيل "القطار الدليل" وعرض مواقف قصوى لا تقبل المساومة ضمن مخاطرة بفقدان الصلة بين عرض مقاربة تشمل مناطق مرونة إلى جانب "خطوط حمراء".

إزاء تغيّر الإدارات في الولايات المتّحدة وسياسة الرئيس بايدن إزاء إيران، هذا المأزق من المتوقع أن يشتد. فرص إسرائيل لمنع إدارة بايدن من العودة إلى الاتفاق النووي، بالتأكيد بوسائل مواجهة، منخفضة. إدارة بايدن ترى في الخطوة مصلحة استراتيجية عميقة للولايات المتحدة التي تمكّنها من تطبيق سلم أولوياتها القومية. هذا، سيّما في الوقت الذي تغرق فيه الولايات المتحدة في أزمة متعدّدة الأبعاد من الداخل وصورة قوّتها في الساحة الدولية تصدّعت وتستلزم تأهيلاً.

بايدن وطاقمه هما مهندسا الاتفاق النووي ويؤمنان به، ويحملان معهما رواسب عميقة من خطوات إسرائيل لإحباطه حتى خلال فترة رئاسة الرئيس أوباما. لذلك إذا ما كانت الإدارة تشعر بأنّ إسرائيل تأتي إلى الطاولة مرّة أخرى بمقاربة تصادميّة، حديث مناكف من خارج "الغرف المغلقة" ومواقف غير واقعية - من شأنها "أن تغلق الباب" أمام محاولاتها للتأثير على سياسته.

أضف إلى ذلك، لعلّ الإدارة تقدّر أنّ بمقدورها السيطرة على خطوات إسرائيل، لعدّة أسباب: الحزب الديمقراطي يمتلك الأغلبيّة في مجلسي الكونغرس؛ الاعتماد إسرائيل على الولايات المتّحدة في عدّة قضايا سياسية وأمنيّة؛ الإجماع الدولي الذي يستفيد منه في موضوع العودة إلى الاتفاق النووي؛ فقدان الأمل من بديل عسكري إسرائيلي، بالتوقيت الحالي، نظراً لضرورة ملاءمته مع الولايات المتحدة وعلى ضوء حقيقة أنّ العودة إلى الاتفاق تلقائياً يبقي البرنامج النووي الإيراني على مسافة معقولة من الاختراق نحو السلاح في السنوات القادمة.

إسرائيل هي حليفة مهمّة لأمريكا ولديها القدرة، إمكانية الوصول وقنوات التأثير على مواقف الإدارة، بالتأكيد في القضية الإيرانية، التي تشكّل تهديداً مباشراً على أمنها. بالإضافة إلى ذلك، نظراً لتعقيد المفاوضات بين إيران والولايات المتّحدة قد تواجه صعوبات ومن المتوقع أن تُدار في غضون عدّة أشهر على الأقل. وبذلك، فُتحت أمام إسرائيل نافذة فرص لحديث معمّق مع واشنطن، خلاله ستتكدّر أكثر سياسة إدارة بايدن في القضيّة وربّما حتى ستُحدّث.

للحفاظ على احتمال التأثير على الإدارة، مطلوب من المنظومة الإسرائيلية خفض البروفيل وتجنّب الدبلوماسية العلنية والمناكفة تجاهها، تبلغها في إطارها بمواقفها مسبقاً في الإعلام. وبناء عليه، عليها السعي لحوار هادئ وحميم، على أساس اتّفاق مشترك لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي، وضمن الاعتماد على قوات التعاون الاستخباراتية، الأمنية والعملانية بين الدول، وتعزيزها. لبناء ثقة إزاء الإدارة، التي تمكّن من التأثير على سياستها، مطلوب من إسرائيل عرض مواقف بنّاءة وعملية وتجنّب التهديد بالخيار العسكري، الذي هو على كلّ حال غير مناسب في التوقيت الحالي، وثمّة شكل إذا ما كان بإمكانها إحراز أهدافها دون "أثر محدّد" ونشاط لاحق ومتواصل للولايات المتّحدة الأمريكية.

كذلك، على إسرائيل تجنّب السعي إلى خلق جبهة إقليمية مشتركة مع دولة عربية معتدلة ضدّ سياسة الإدارة في قضية إيران (بخلاف جبهة معادية لإيران). الخطوة قد تعتبر في واشنطن كمناكفة وفرصها محدودة على كلّ حال، لأنّ الدول العربية قد تتماشى مع الإدارة، نظراً لاعتمادها العميق على الضمان الأمريكي لأمنها.

الإدارة وبايدن شخصياً يوضحان أنّ بنيّتهما تفضيل معالجة المشكلة النووي الإيرانية على التهديدات التي تشكّلها في المنطقة، التي ستعالجها على انفراد وبالتوازي. هذا سلّم أولويات يخدم مصالح إسرائيل، وعليها التوقف عن طلب "صفقة شاملة" تعالج بشكل عام كلّ مكوّنات التهديد الإيراني. تحوّل إيران إلى دولة نووية قد يغيّر من الأساس قواعد اللعبة في الشرق الأوسط وبيد إسرائيل وسائل أقل فعّالية لإحباطها بأثمانٍ منخفضة. هذا، مقابل قدراتها الجيّدة على مواجهة تهديد الصواريخ الدقيقة ومساعي تمركز إيران على حدودنا، الأمور الخطيرة بحدّ ذاتها. أضف إلى ذلك، حتى لو تمّ الاتفاق مع إيران بشكل رسمي على ضبط سياستها الإقليمية، القدرة على الفرض ستكون محدودة جداً، حتى لو كان ممكناً إثبات حصول خروقات إيرانية في مجال الإرهاب، ثمّة شكّ كبير إذا ما كانت الساحة الدولية، وحتى إسرائيل سيريان بذلك ذريعة كافية لنسف اتفاق مستقبلي، إذا ما وفّر ذلك رداً منطقياً على التحدّي الإيراني.

في إطار الحوار مع الإدارة في قضية النووي ذاتها، على إسرائيل التفكير بخلاف موقفها غير الواقعي لـ "صفر تخصيب في إيران"، والتعالي عن مقاربة "الكل أو لا شيء" أو معادلات، لا تتوافق مع الظروف الحالية، لـ "الضغط الأقصى مقابل الحد الأقصى من الانجازات". وبناء عليه، عليها السعي لإقناع الإدارة بمزايا مقاربة تدريجيّة وحذرة إزاء إيران، ضمن وضع "معايير" والحفاظ على رافعات إزاء النظام في طهران.

بشكل عام، لدى موقف أكثر تعقيداً - يشمل سلّم أولويات، دمج بين "العصي" و"الجزر" والتسويات الجزئية أو المؤقتة التي من شأنها أن تحسّن من مستوى التوازن الاستراتيجي الشامل إزاء إيران - فرص أفضل للتأثير على الإدارة. هكذا على سبيل المثال، أيّ تسوية مرحلية تعيد البرنامج الإيراني إلى الخلف - كذلك في مقابل رفع العقوبات لكن ليس كجزء من الاتفاق مع تاريخ صلاحيّة نهائي يمنح شرعيّة للبرنامج النووي الإيراني - قد يخدم المصلحة الإسرائيلية.

في المحصّلة، على إسرائيل تجنّب مواجهة جبهويّة مع إدارة بايدن حول الموضوع الإيراني، الذي من شأنه أن يحبط الحوار الحيوي معها، وكذلك إسرائيل كموضع إجماع للحزبين في الولايات المتحدة الأمريكية، الذي قد يُسحق منها. ليس لدى إسرائيل بديل للدعامة الأمريكية، والتوجّه نحو مواجهة على الإعلام مع الإدارة سيعدّ خطأً استراتيجياً ستكون انعكاساته على أمنها، موقفها وقوّتها خطيرة.

مركز هرتسيليا للدراسات – أودي أبنطال

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

إخترنا لكم من العدد