مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: حكّامُنا ربطوا مصيرَهُم بمصيرِ الكيانِ الصهيونيِّ وباتَ سقوطُ هذا الكيانِ سقوطاً لهم فدافعوا عنه وهاجموا وطعنوا بالظّهرِ كلَّ مقاومةٍ شريفةٍ أنتجتها الأمةُ

العدد رقم 283 التاريخ: 2021-05-07

منطقة منزوعة من سلاح الدمار الشامل في الشرق الأوسط:

منطقة منزوعة من سلاح الدمار الشامل في الشرق الأوسط:

استمرارية أو تغيير في موقف إدارة بايدن ودلالات من جانب إسرائيل

أثار الرئيس جو بايدن في الخطاب الذي ألقاه في مؤتمر ميونخ للأمن (19 شباط 2021) خطر انتشار السلاح النووي في العالم كأحد القضايا المركزية التي ستعنى بها إدارته وشدّد على ضرورة الدبلوماسية والتعاون بين الجهات الدولية بغية مواجهتها.

في الوثيقة الرسمية الأولى التي نشرها البيت الأبيض (4 آذار 2021)، وعنوانها "استراتيجية الدفاع القومي المؤقت"، حُدِّد السلاح النووي كتهديد وجودي، حيث أن تحديث القيادة الأمريكية ضروري للحدّ منه.

في هذا السياق وُضِعت الإدارة أمام تحديين وازنين - إيران وكوريا الشمالية. محورا الأزمات سيتناقشان في نطاق مؤتمر الاستطلاع للسنوية الخامسة لمعاهدة حظر انتشار سلاح نووي (NPT)، المزمع عقده في آب المقبل، في قضايا في مجال نزع السلاح النووي. إلى جانب هذه المسائل، من المنطقي الافتراض أن قضية المنطقة منزوعة السلاح النووي وسائر أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط ستُطرح للنقاش، وأن الإدارة ستضطر في الأشهر المتبقية إلى حين انعقاد المؤتمر إلى إعادة بلورة موقفها في هذه القضايا.

مسألة إقامة منطقة منزوعة سلاح نووي وسائر أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط قد تعيد إسرائيل والولايات المتحدة إلى مسار المواجهة، وذلك على ضوء دعم أنظمة ديمقراطية في السابق لقرارات مناهضة لإسرائيل في هذا الشأن. دعم الرئيس بيل كلينتون خلاصات لجنة الاستطلاع التابعة للـ NPT في عام 1995 باقتراح القانون (الذي طرح بمبادرة مصرية) إزاء إقامة منطقة منزوعة من سلاح الدمار الشامل في الشرق الأوسط - القرار الذي يطرح منذ ذلك الحين على الدوام في نطاق لقاءات الخمس سنوات للمؤتمر. بعد خمس سنوات وافقت الإدارة نفسها، على مطلب الجامعة العربية، تصنيف إسرائيل كصديق وإدخالها إلى هيئة القرار. فيما بعد، في مؤتمر الاستطلاع التابع للـ NPT الذي عُقد عام 2010، وذلك على ضوء مطلب عربي بحث خطوات عملية في هذا الشأن، صادق الرئيس باراك أوباما على دعم الاقتراح النهائي الذي دعا إلى عقد مؤتمر في عام 2012 لمناقشة تطبيق القرار إزاء الشرق الأوسط. 

فور اتخاذ القرار في عام 2010، علّق رئيس جهاز الإعلام القومي آنذاك نير حفتس، باسم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، أن "موقف الحكومة الإسرائيلية هو أن هذا القرار رديء من أساسه ويعتريه النفاق. يتغاضى القرار عن الواقع في الشرق الأوسط وعن التهديدات الحقيقية الوشيكة للمنطقة وللعالم بأسره، يركز على إسرائيل بالتحديد، الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تطالها تهديدات التدمير. قياساً بذلك إيران، التي انتهكت معاهدة حظرِ انتشار سلاح نووي وتعلن جهاراً عن رغبتها محو إسرائيل عن وجه الأرض، لم تُذكر قط في القرار. كونها دولة لم توقّع على المعاهدة، إسرائيل غير ملزمة بقرار مؤتمر الاستطلاع، والمؤتمر لا يمثّل أي مصدر صلاحيات بالنسبة لإسرائيل. على ضوء طبيعة تحريف القرار، إسرائيل لن تشارك في تطبيقه".

على الرغم من التصريح الإسرائيلي الحاسم بعدم المشاركة في تطبيق القرار، بعد أن حدثت خطوات عملية لعقد المؤتمر في عام 2012 وحتى أنه عُيّن منسّق من قِبل الأمم المتحدة، السفير الفنلندي Jaakko Laajava، أكّد رئيس الحكومة نتنياهو أمام الدبلوماسيين الموثوقين على مسألة العمل بشكل مختلف وغير متوقع بدلا من مقاطعة عملية الالتقاء بالمنسّق الفنلندي وحتى أنه اقترح نموذجاً للتعاون، يتضمن المبادئ التالية:

- إجراء حوار إقليمي مباشر بمسؤولية وبمشاركة ممثلي دول الشرق الأوسط (وليس برعاية الأمم المتحدة أو أي نطاق دولي آخر). 

- سيتخلل الحوار مناقشات حول قضايا أمنية واسعة النطاق في الشرق الأوسط، ولن يشكّل نطاقاً للمفاوضات بخصوص قضية معينة.

- أي قرار في نطاق الحوار سيُتخذ بالإجماع بين كافة ممثلي الدول المشاركة وليس بغالبية الأصوات.

تمت صياغة بعض هذه المبادئ في التسعينيات في نطاق مباحثات مجموعة العمل لمراقبة السلاح والأمن الإقليمي (ACRS). عرضت إسرائيل المبادئ التي ستتيح لها المشاركة في العملية، لكنها أوضحت أن المسألة تتعلق من جهتها أيضاً بخطوط حمراء أي تجاوز لأحدها لن يسمح لها بالمواصلة والتقدم.

موافقة المنسّق الفنلندي على دفع المسألة قدماً وفق هذه البنود أفضت إلى تأجيل المؤتمر برعاية الأمم المتحدة في عام 2012، وفيما بعد إلى خمس جولات من المحادثات "في المخطط الإسرائيلي" التي جرت بين تشرين الأول 2013 وحزيران 2014، في الأساس في مدينة غيون Glion في سويسرا، بمشاركة ممثلين عن إسرائيل إلى جانب ممثلين عن نحو 15 دولة من الشرق الأوسط. في إحدى الجولات، في تشرين الأول 2013، شاركت أيضاً المندوبية الإيرانية.

كما في محادثات ACRS، هذه المرة امتنعت مصر والجامعة العربية عن مواجهة "الحوار الإيجابي" من جانب إسرائيل، وقرروا وقف مواصلة العملية. على ضوء ذلك، اعتُبِرت إسرائيل بنظر الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي وروسيا كجهة تحث عملية الحوار وحظيت بدعمها، مقابل انعزال مصر وممثلي الجامعة العربية. الجزم الإسرائيلي وتقديم الدول العربية وبالأخص مصر كجهة تُحبط الحوار الإقليمي، ساهم خلال المؤتمر الذي عُقد في عام 2015 بوقوف الولايات المتحدة، بريطانيا وكندا علناً ضد مصر ورفضها دعم اقتراح قرار آخر ضد إسرائيل.

تبنّت إدارة دونالد ترامب المبادئ الإسرائيلية التي قدمت في إجراء غيون. في لقاء الإعداد لمؤتمر الاستطلاع الذي جرى في 2018 قدمت الولايات المتحدة ورقة موقف رسمي، كُتب فيها: "للأسف الشديد، مطلع عام 2015 توقفت العملية بعد عدم تلبية مسؤولين رفيعين في الجامعة العربية لعدة دعوات لمواصلة لقاءات التشاور التي دعا إليها المنسّق". قيل في الورقة الأمريكية أن استمرار العملية هو من المسؤولية الكاملة لدول المنطقة بحد ذاتها، ليس برعاية دولية على غرار مؤتمر الـ NPT، وضمن حوار حول قضايا واسعة النطاق للأمن الإقليمي والاعتراف بمبدأ الإجماع. كما ورد في الورقة، أنه لضرورة إنجاح العملية، على دول المنطقة بناء ثقة من خلال حوار إقليمي مباشر وضمن الإقرار بالهواجس الأمنية لدى كل دولة، والاعتراف بإسرائيل كدولة سيادية.

كخطوة مناكفة للموقف الأمريكي، بادرت في العام نفسه دول عربية إلى القبول بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة (قرار A/73/546، 22 كانون الأول 2018) الذي دعا إلى عقد مؤتمر لإقامة منطقة منزوعة من السلاح النووي وسائر أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط. القرار، الذي دعا مدير عام الأمم المتحدة إلى عقد مؤتمر سنوي إلى أن يتم التوصّل إلى اتفاق يلزم بإقامة المنطقة المنزوعة، اتُخذ بتأييد من 88 دولة، من بينها روسيا والصين، ومعارضة 4 دول (الولايات المتحدة، إسرائيل، ليبيريا وميكرونيزيا) وامتناع 75 دولة، بما فيها دول الاتحاد الأوروبي. بعد اتخاذ القرار أعلنت إسرائيل أنه طالما أن هذا المؤتمر يُعقد، خلافاً لمفهوم الأمن الإقليمي ومبدأ الإجماع، لن تواصل إسرائيل تأييدها لقرارات الأمم المتحدة بإقامة منطقة منزوعة من السلاح النووي في الشرق الأوسط، ولن تشارك في الأحداث الإقليمية في هذا الشأن.

عُقد المؤتمر الأول في تشرين الثاني 2019، من دون مشاركة أمريكية وإسرائيلية. قد يعقد المؤتمر الثاني في نهاية عام 2021. قبيل عقد مؤتمر الاستطلاع المقبل ستضطر الولايات المتحدة إلى بلورة موقفها بشأن قضية المنطقة المنزوعة السلاح. هل ستقرر تبني النهج الذي انتهجته إدارة ترامب وقبلها في عام 2015 إدارة أوباما؟

في العقود الأخيرة اتجهت، كما ذكرنا، أنظمة ديمقراطية في الولايات المتحدة الى البحث عن صيغة تسوية لموضوع النووي في الشرق الأوسط، تكون مقبولة من الدول العربية وتحافظ على الإجماع بين الأعضاء في معاهدة الـ NPT.

التغيير الهام في الفترة الحالية هو القرار نفسه الذي اتُّخِذ عام 2018 والقاضي بعقد مؤتمر سنوي في الأمم المتحدة. هذا القرار غيّر في الواقع قواعد اللعبة، وبذلك أوجد آلية تتيح العمل بموضوع منطقة منزوعة السلاح لمدى طويل وبرعاية الأمم المتحدة. هل سيكون ذلك بغية إزالة الموضوع عن جدول أعمال مؤتمرات الاستطلاع التابعة للـ NPT؟  لغاية الآن لم يكن واضح كيف ستتصرف مصر وزملائها في الجامعة العربية في مؤتمر الاستطلاع المقبل. هناك اعتقاد بأنّ مَن وافق على آلية عقد المؤتمر، سيوافق على ذكر الموضوع في وثيقة الاتفاق.

ينبغي الافتراض، أنه في إطار التحضير للمؤتمر (على افتراض أنه سيعقد في آب) ستبلور الإدارة الأمريكية موقفها من قضية منطقة منزوعة السلاح. وحسن ما تفعل إسرائيل إذا ما قامت في إطار هذه العملية بالمضي بحوار وديّ مع الإدارة في هذه القضية، وبمعزل عن قضية النووي الإيراني، بهدف فهم جوهر سياستها وتنسيق المواقف - من خلال تجنب مواجهة ثنائية في كل واحد من هذين الموضوعين الرئيسيين. أضف الى ذلك، ينبغي على إسرائيل حثّ الإدارة الجديدة على تبني ورقة الموقف الأمريكي الرسمية منذ عام 2018، والتي تنص أنه ينبغي على الولايات المتحدة التوضيح بأنّ ليس في نيتها المشاركة في المؤتمر الذي أعلن عنه في الأمم المتحدة عام 2018 خلافاً لموقفها والمؤشرات المتفق عليها من قبل كل دول المنطقة. أيضاً ينبغي إعادة طرح بعد التنسيق مع الولايات المتحدة وعلى التوالي أيضاً مع دول الخليج، مبادرة إسرائيلية تتضمن إطار الحوار الإقليمي حول محتوى موسع لقضايا أمنية، يكون شاملاً بالنسبة للمشاركين ويحيط بكافة المواضيع (سلاح تقليدي وغير تقليدي).  

مبادرة إسرائيلية من هذا القبيل ستساهم بعرض السرد الإسرائيلي في قضايا الأمن الإقليمي وخطر انتشار سلاح الدمار الشامل في الشرق الأوسط، مقابل الدعوة العربية لمواصلة خطوات متعددة الجوانب ضد إسرائيل، برعاية الأمم المتحدة. الفرق الجوهري بين الفترة الحالية واللقاءات الإقليمية التي جرت في التسعينيات، على غرار لقاءات غيون أيضاً، هو عملية التطبيع الإقليمي التي بدأت في العام الماضي وفي نطاقها أقامت إسرائيل علاقات دبلوماسية رسمية مع عدة دول عربية، بالتشديد على دول الخليج. كجزء من ذلك، ينبغي على إسرائيل السعي إلى دفع مبادرة إقليمية لإجراء حوار مباشر بين الدول حول قضايا الأمن الإقليمي قدماً، الأمر الذي سيضعف المطلب المصري بمواصلة عقد المؤتمرات التي تركز بالتحديد على إسرائيل ولا تعرض المشكلة الحقيقة لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

معهد بحوث الأمن القومي -  إيال بروفر

ترجمة وإعداد: حسن سليمان