مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: حكّامُنا ربطوا مصيرَهُم بمصيرِ الكيانِ الصهيونيِّ وباتَ سقوطُ هذا الكيانِ سقوطاً لهم فدافعوا عنه وهاجموا وطعنوا بالظّهرِ كلَّ مقاومةٍ شريفةٍ أنتجتها الأمةُ

العدد رقم 283 التاريخ: 2021-05-07

مأرب بُوصَلةُ الحرب ونُقطة الحسم

زينب عدنان زراقط

مأرب بُوصَلةُ الحرب ونُقطة الحسم

الواقع السياسي في الإقليم مترابط ومتداخل وإنه لمن غير الممكن عزل تطورات منطقةٍ عن تداعياتٍ أُخرى في الجوار. وخيرُ بُرهانٍ على ذلك هو ما يحصل من توتّرات سياسية بعرقلة الملف الحكومي في لبنان التي هي بالتالي ليست بمعزلٍ عمّا يلوح في أُفق اليمن من تَحرُّرٍ قريب جداً!..

يبدو أن السعودية باتت شبه مستسلمة وكشفت عن عُنقها على المذبح، فلا تهديداتها قد أثمرت ولا استنجادها العالمي بطرح سلامٍ مزيّف يستر على احتلالها أو يُبرّئها من عبئ إعمارِ ما دمرته من خلال حربها الظالمة التي شنّتها على اليمن قد أُكِل طُعمه!.

لقد دخلت الحسابات السياسية المحلية ممّن سوّلت لهم أنفسهم الدخول في لعبة المُساومة السوداء تحت التهديد من مملكة آل سعود لتشكيل عامل ضغط على محور المقاومة الإقليمية ولكي يتراجع اليمنيون عن خط النار المصوّب باتجاه السعودية!. لكنَّ ما يلوح في الأفق هو قربُ بشائر النَّصر الآتي من مأرب، ساحةِ المعركةِ الحاسمة؛ والتي سوف تُسقِط جميع الرِّهانات، ويبدو أيضاً أن الانهيار الذي تحاول "المملكة" السعودية تفاديه قدر المستطاع بات وشيكاً وسيطال الملك سلمان وابنة وكُل من رعى وأمر وباشر بحرب اليمن.

عملية السادس من شعبان

بعد عملية الردع السادس التي استهدفت منشأة لتخزين النفط في رأس تنورة التي توجد فيها مصفاة للتكرير وأكبر منشأة لتحميل الخام في العالم واستهداف منشأة لأرامكو في منطقة الظهران، اختُتِم العامُ السادسُ من العدوان الأمريكي السعودي على اليمن بعملية "السادس من شعبان" فجرَ يوم الجمعة من الأسبوع الماضي. والتي تمّ من خلالها استهداف شركة أرامكو في قلب العاصمة السعودية "الرياض" بست طائرات مسيّرة أسفرت عن حرق في المنشأة استمر لأكثر من اثنتي عشر ساعة. وتأتي هذه العملية بعد سلسلة استهدافات متلاحقة بطائرات مسيّرة بأقل من 48 ساعة على مطار أبها الدولي وقاعدة خالد الجوية بخميس مشيط.

السلطات السعودية أقرّت بوقوع الهجوم على شركة أرامكو، ونقلت وكالة الأنباء السعودية "واس"، عن مصدر في وزارة الطاقة السعودية أن حريقاً كبيراً شبَّ في مصفى لتكرير النفط، وزعم المصدر كعادته بأن فرق الإطفاء تمكنت من إخماد الحريق، ولم تحدث إصابات أو خسائر في الأرواح. وتمت المطالبة ودعوة دول العالم ومنظماته لوقف هجمات القوات المسلحة اليمنية.

قلق إسرائيل على النفط السعودي

وبما أن أمريكا وإسرائيل تمتلكان – رسمياً - قواعد عسكرية في الأراضي السعودية للدفاع عنها من هجمات الحوثيين، كان للكيان الاسرائيلي حق بإبداء التخوّف والقلق على النّفط السعودي من الطائرات المسيّرة لقوات أنصار الله. حيث أبدت وسائل إعلام العدو الإسرائيلي اهتمامها بهجوم "عملية السادس من شعبان"، متحدّثة عن الضربات اليمنية المستمرة على السعودية، واستهداف شركة أرامكو، وتبيان مدى خطورة هذه الهجمات. وقد اعتبر المراقبون أن استهداف القوات المسلحة اليمنية المتكرر لشركة النفط السعودية، له انعكاساته ليس فقط على السعودية وإنما على المجتمع الدولي بشكل عام، نظراً لأنها أكبر مصدّر للبترول في العالم والذي يصل إلى أكثر من 7 ملايين برميل يومياً.

الاقتصاد السعودي على شفير الانهيار

تأتي شركة أرامكو على رأس قائمة الأهداف العسكرية والحيوية السعودية المشروعة الاستهداف من قبل أنصار الله الحوثيين. ويُذكر أن أول استهداف في أيلول 2019 في هجمةٍ غير مسبوقة على المنشآت النفطية لشركة أرامكو أدَّت إلى توقف 50% من إنتاج الشركة، ما تسبّب باضطرابات في أسواق النفط العالمية.

وقد كشفت شركة النفط السعودية أرامكو، أن ربح عام 2020 تراجع بنسبة 44%، متأثراً بانخفاض أسعار الخام والكميات المباعة منه، وتدنّي هوامش أرباح مصافي التكرير التي تتعرّض للقصفِ المتكرِّر عبر الطائراتِ المسيّرةِ والصواريخِ اليمنية. حيث انخفض صافي الربح إلى نحو 49 مليار دولار للسنة المنتهية عام 2020 مقارنة مع انخفاض إلى 89 مليار دولار قد سُجِّلَ في العام السابق 2019، وذلك وفقاً لإحصاءات وكالة "رويترز".

السعودية ومُبادرة المراوغة

بعد سلسلة عمليات الردع المكلّلة بعملية السادس من شعبان، تخرج السعودية بإشراف أمريكي بمبادرةٍ لا توقِف عدواناً ولا ترفع حصاراً، بل تستبطنُ انتزاع صكّ براءة عن جرائمها ومجازرها التي أغرقتها فيها أمريكا طيلة ست سنوات من العدوان المعلن عنه من واشنطن. ومن شأن أي مبادرة سلام أن تقدَّم من قِبَلِ طرفٍ غير منخرطٍ في الحرب، أما السعودية فهي غارقةٌ في الحرب من رأسها إلى أخمص قدميها.

لذا فإن هذه المبادرة هي لإنقاذ السعودية من الإدانة العالمية بجرمها على اليمن، وقد جاء الرّدُ سريعاً وحاسماً من اليمن برفضِ المبادرةِ التي تخلطُ التداعياتِ الانسانيةَ بالشؤونِ السياسية ومن ثَمّ لا تنازل لمبادراتٍ لا ترفع الحصار ولا توقف العدوان ولا تُدينُ العدوَّ المعتدي ولا تجعله يدفع ثمن ما سفك من دماء وما خلَّفه من دمار!.

مبادرة لاستمرار الاحتلال!

المُبادرة السعوديّة قُوبلت بالرّفض والتّشكيك من قِبلِ حركة "أنصار الله" الحوثيّة وحُلفائها. بدايةً لأنه لا حديث في المبادرة عن مسألةِ السيادةِ اليمنية، والجزرِ اليمنية المحتلةِ، وانسحابِ القواتِ الأجنبيةِ والسعوديةِ والاماراتيةِ منها، ولا يوجد أيّ إشارة لاحتِياطاتِ اليمن من النّفط والغازِ الموجودة في جوف منطقة مأرب، ولا عن كيفيّة استغلالها ومصير عائِداتها، ما يعني أن الاحتلال والاستغلال لأرض اليمن سيبقى مُباحاً.

السعودية تتهرّب من دفع الثمن!

من المنظار الأهم الذي تمّ التصويب عليه، هو محاولةُ السعوديةِ الفرار والتنصّل من تحمّلِ مسؤوليةِ الخسائر التي نتجت عن حربها العدوانية على اليمن وشعبه، وذلك ما كان قد طالَبَ به اليمن سابقاً أثناء مُفاوضات وثيقة الحل الشامل من خلال بندَيْن يفتحان الأُفق أمام ما ستؤول إليه أحداث المنطقة، وهما، أولاً، دفع السعوديّة لرواتب اليمنيين لمُدّة عشر سنوات قادمة، والبند الثاني فهو إعادة إعمار اليمن وتحمّل كُلّ التّكاليف وجلاء القوّات الأجنبيّة جميعاً عن الأراضي اليمنية، وذلك ما قد رفضه الجانب السّعودي حينها قطعاً.

خوف السعودية من تحرير مأرب

المُبادرة السعوديّة المشروطة التي تُركّز على الجانب الإنساني للأزمة وفصله عن الجوانب السياسيّة والسياديّة جاءت على شكل مُفاوضات مفتوحةِ الأجل، على الرغم من أن المُبادرة تضمّنت تنازُلات مهمّة مِثل إعادة فتح مطار صنعاء جُزئيًّا، وكذلك رفع حِصار "مشروط" على ميناء الحُديدة، هي تحمل معها رسالة مهمة حول فشل السعودية في حربها وعدم قدرتها على تحقيق أطماعها.

صحيح أن السعودية تتألم من الإصابات الدقيقة على مراكزها الحساسة وفي قلب عاصمتها إلا أن خوفها الأكبر من سقوطِ مأرب، المدينة الغنيّة جدّاً باحتِياطات النّفط والغاز، لأن سقوطها سيخفض وطأة الحصار ما يؤدي إلى انفراج على الحوثيين، وبالتالي سوف يفشل معه مخطط الضغط الأمريكي السعودي بإسقاط اليمن بسقوط أكبر معقل لقواتهم ويبدأ العدّ العكسي بتحرير اليمن!.

المخطط الأمريكي: الحصار والتجويع

وتأكيداً على الانفصام بالأدوار في المواقف السعودية، فهي تستنجد بمبادرة سلام من جهةٍ وتستمرُّ بقتل الشعب اليمني بالغارات الجوية وبفرض حصار كامل من جهةٍ أخرى! حيث لم يكفّ الطيران الحربي الأمريكي السعودي لحظةً عن قصف المدن اليمنية، والإصابات لا تُفرِّق بين الأهداف المدنية والعسكرية، غارات متتالية على "مأرب والجوف وحجة والحديدة.." وغيرها.

وآخر جرائم آل سعود، استهداف منشآت الشركة اليمنية الدولية في الصليف بالحديدة، التي تزوّد السوق اليمنية يومياً بأكثر من 15 ألف كيس من الدقيق والحبوب، إنها المنهجية الأمريكية بطرقٍ مختلفة؛ فكما تمّ إحراق المحاصيل السورية لتجويع الشعب. وكذلك لم تكتفِ السعودية بالحصار المبرم على اليمن بل عمدت الى إحراق أغذيته!. ومن غير المستبعد أن يكون انفجار مرفأ بيروت في لبنان ومشهد إهراءات القمح المحترقة ومع تضييع ملفات الإدانة والمماطلة بها إلى ما بعد الثمانية أشهر والتدخل الدولي والمخابرات الأمريكية به، ولما يُقاسيه الشعب اللبناني من ضغط اقتصادي ومعيشي متدهور، أن تكون هي الأخرى ضربة أمريكية أيضاً!.

الافتضاح الأمريكي

وافتضاحاً للتورّط الأمريكي بقيادة الحرب على اليمن وتبياناً للخداع المنمَّق لسياسة واشنطن الراعية للسلام المنافق، تمكّنت الدفاعات الجوية اليمنية من إسقاط طائرة تجسُسيه مقاتلة من نوع MQ9 الأمريكية أثناء قيامها بمهام عدائية في أجواء محافظة مأرب. وقد أعلن المتحدث باسم القوات اليمنية المسلحة أن العملية قد نُفِّذت بصاروخ مناسب لم يكشف عنه بعد. وبهذا الإنجازِ تحقّقُ الدفاعاتُ الجوية اليمنية هدفَين في شِبَاكٍ أمريكي واحد، الأوّل أنّها وصلت إلى مرحلة من الاقتدارِ بعد أن أسقطت أربع طائرات أمريكية من هذا النوع - ونلفت النظر الى أن كلفة الواحدة منها تبلغ 11.5 مليون دولار -؛ وأما الهدف الثاني فقد أماط اللثام عن واشنطن بأنها ليست راعية السلام، بل راعية للعدوان، وأن حضور طائرة من هذا النوع تُدار مباشرةً من غرف التحكّمِ الأمريكية لممارسة أعمال قتالية في مأرب، تكشف أنّ الحرب ليست أهليّةً كما يدّعي الحلف الأمريكي، بل هي حرب أمريكية القرار والأمر، والمهمّةُ هذه المرّة حمايةُ صنِيعَتها "القاعدة" في آخر معاقلِها شمالي اليمن.

خوف أمريكا من تبعات هزيمتها وهزيمة حلفائها في اليمن يكمن بتبعات هذا الحدث الذي سيجعل كل دول العالم تعرف حقيقة أن مفهوم القوة العالمية لم يعدْ من صفاتِ أمريكا وحتى لم يكن ملكاً لها يوماً بل كانت تُخادع العالم صوريّاً!.

السعودية تستغل الوضع السياسي اللبناني

تقرأ الأوساط السياسية أن الوجعَ الكبيرَ بالضربات المتتالية للأهداف الحيوية الحساسة في السعودية، ولأن السعودية عاجزةٌ عن أن تطال إيران بِحُكمِ أنهم يزعمون بأن الحوثيين وكل أشكال المقاومة ممولين ومدعومين من إيران، تلجأ بحقدها لضرب أواصر المحور، باستخدام رئيس الحكومة اللبنانية المكلف سعد الحريري كورقة ضغط للمُماطلة بتأجيج التوتر الداخلي اللبناني ليبلغ حد الانهيار وانقلاب الموقف السياسي على حزب الله وسلاح المقاومة. وهذا التواطؤ ليس بسابقةٍ فقد حصل وأن وقَعَ الحريري بالشباك السعودية حينما اختطفه ابن سلمان وأجبره على الاستقالة ولولا التّدخُّل الدولي آنذاك لحل الأزمة ما كان ليعود لمنصبه.

ومن الدلالات التي تشير لإحكام السعودية قبضتها على عنق الرئيس المكلف، ابن السعودية ووليد الرياض، ما هو حاصلٌ من خلال تهديدِه بممتلكاته واستثماراته في أراضي المملكة والجنسية السعودية. فمؤخراً، وبفترةٍ تُقارِبُ الشهر، أعلنتِ السعودية عن مزاد في الرياض لبيع أراضي تملكها شركة "سعودي أوجيه التابعة للرئيس سعد الحريري"، مع ملف "يعدّد صكوك الملكية تصل إلى 58 عقاراً ما بين الرياض والطائف والمزاحمية وجدة والدمام ومناطق أخرى". ويأتي هذا الإعلان لبيع عقارات الحريري على الأراضي السعودية في ظل الظروف الراهنة للبنان والمنطقة، وهذا يشير بديهياً إلى تصفية حسابات سعد الحريري في السعودية. ويجدر بالذكر أن هذا هو المسار الطبيعي الذي تتبعه وزارة العمل السعودية ومكتب الإفلاس بعد انهيار أي شركة لتصفية الديون ودفع المستحقات. لكنّ اللافت هو أن هذه الشركة نفسها "سعودي أوجيه" سبقَ وأن أعلنت إفلاسها وإقفال أبوابها وتسريح موظفيها في السعودية بشكل نهائي وكامل عام 2017. إلا أن الأوساط السياسية اللبنانية قرأت الرسالة بوضوح وجيداً وتمّت الإشارة إلى أنه هناك تواطئ وتدخُّلٌ خارجيٌّ سياسيٌّ لإشعال حربٍ أهليه!.

مأرب، بُوصَلةُ الحرب ونُقطة الحسم

خِتاماً، إنَّ ما لا تُدركه القيادة السعوديّة، أنّ اليمن اليوم غير اليمن الذي شُنَّت "عاصفة الحزم" عليه قبل ست سنوات، وأنّ حركة "أنصار الله" الحوثيّة وحُلفاءها باتت جُزءاً من تحالفٍ قويّ بل الأقوى في المِنطقة، اسمه "محور المُقاومة"، محورٌ مرصوصٌ بعضهُ ببعض فاليمن ليس وحده أبداً. ومن أشعل فتيل هذه الحرب لن يستطيع وقفها حاليّاً ولا في المُستقبل، كما لا تفاوض أو قُبول بأيّ مُبادرات سلام إلا بعد حسم المعركة في مأرب، بُوصَلة هذه الحرب ونُقطة الحسم فيها، وبعد ذلك لكُلّ حادثٍ حديث.

زينب عدنان زراقط