مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: حكّامُنا ربطوا مصيرَهُم بمصيرِ الكيانِ الصهيونيِّ وباتَ سقوطُ هذا الكيانِ سقوطاً لهم فدافعوا عنه وهاجموا وطعنوا بالظّهرِ كلَّ مقاومةٍ شريفةٍ أنتجتها الأمةُ

العدد رقم 283 التاريخ: 2021-05-07

معادلةُ الأنا والآخر

نبيل علي صالح

معادلةُ الأنا والآخر

هل نحنُ نعيشُ لوحدنا في هذا العالم؟! أصلاً هل نستطيع العيش لوحدنا؟! أو بتعبير آخر: هل من المنطقي والعقلاني والطّبيعي أن نعيش لوحدنا؟ وهل نستطيع العيش من دون آخر، نظير لنا في الخلق، وجار لنا في مشوار الحياة، نختلف معه، ونتمايز عنه، شكلاً ومضموناً، له قناعاته وخياراته المختلفة عن قناعاتنا وخياراتنا، والتي يجب أن تكون موضع احترام وتقدير لا موضع خلاف وتنازع وصراع؟!..

إنَّ اللهَ تعالى لم يخلق الحياة على نموذج واحد وشكل واحد وهيئة واحدة... الله خلقنا مختلفين متعددين غير متشابهين لا في الشكل والجسد ولا في الوعي ومستويات الذّكاء والعقل والإدراكات، على الرغم من أنه وفّر الأجواء والبيئة الملائمة لنمو تلك العقول وتفتحُ تلك المدارك، حيث القابليات كامنة وموجودة.. وفي هذا غاية نبيلة وسامية، وهي أن نستثمر بعضنا ونتكامل مع بعضنا، ويكمل بعضنا البعض الآخر.. فالحياةُ مختلفة متعددة متنوعة، يعيشُ فيها كل البشر على اختلاف أشكالهم وانتماءاتهم وقوّمياتهم وخلفياتهم، يعيشُ فيها الأبيض والأسود والأصفر، والطويل والقصير ومتوسط الطول، يعيش فيها الأمي الجاهل والمتعلم والذكي والعبقري، يعيش فيها العالِم الكبير والطبيب الحاذق والمهندس الماهر والمعلّم الناجح والإعلامي النبيه وووإلخ....  يعيش فيها الحانوتي وصاحب الحرفة والمهنة الحرة، يعيش فيها الكاتب والمفكر والسياسي، وكلهم درجات في الوعي والخبرة والتجربة الحياتية... هكذا إذاً هي الحياة، لا تعاش إلا بأنا وهو، أنا وآخر... يقول تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾(سورة الزخرف/32)، ويقول الإمام علي(ع) في عهده لمالك الأشتر: ".. الناس صنفان، إمّا أخٌ لكَ في الدين، وإمّا نظيرٌ لكَ في الخَلْق.."(1).

لكن المشكلة لا تكمن في قيمنا النظرية المعيارية العظيمة ورؤيتنا الحضارية الإسلامية المتينة في ضرورة إقامة الحياة على أسس العدل وأهمية التواصل والتفاعل بين الناس واستثمار البشر لبعضهم بعضاً بناء على معايير الحق والمساواة، بل تكمن في مسألتين:

الأولى، على صعيد الخارج: حيث هيمنة العقلية النفعية على كثير من الأمم والحضارات وعلى رأسها الحضارة الغربية التي تمكنت من الوصول إلى أعلى مراحل النمو المادي وتحقيق الغايات المادية للإنسان، ولكن بالوقت نفسه فشلت في إيجاد معاني وجودية لحياته.. ولم تتحول إلى حضارة رائدة لغيرها على مستوى الحقوق والإنسانيات وليس فقط على مستوى الاختراعات والاكتشافات المادية.. والفارق الحضاري النوعي كبير جداً بين مختلف الكتل الحضارية، وهذا دليل كاشف وفاضح في أن الغرب بقي في عقله وثقافته مركزياً، وفي سياسته نخبوياً، وفي اقتصاديه ناهباً و"حرامياً"...!!.

الثانية، على صعيد الداخل: حيث هناك فكرة تقوم على الربط بين متطلبات التنمية الداخلية واستحقاقات المواجهة الخارجية مع المحاور والقوى الإقليمية والدولية الكبرى.. وذلك لجهة تأجيل استحقاقات البناء والتنمية الداخلية ريثما يتم الانتهاء من إيجاد حول ناجعة لمجمل أزمات الخارج وتحدياته المفصلية.

إن معادلة التعامل مع الآخر (الأقوى) لا يمكن أن تكون منتجة وفاعلة ومؤثرة في عالم اليوم والغد إلا بتغيير مقدماتها الأساسية والتي تتمثل أساساً في تأمين شروط النهضة العربية والإسلامية المنشودة، بما سيؤدي مباشرةً إلى تغيير موازين القوى الداخلية، ويقود فوراً إلى إحداث تغيير (واختراق) نوعي كبير في الاستراتيجية التي اعتمدتها النظم العربية والإسلامية في تعاملها مع الآخرين في مجمل الملفات والأزمات القائمة. والأولوية في تلك المعادلة هي لإصلاح وجودنا العربي الهش المبعثر، وليس للمتاجرة بقضايانا العربية - ومنها قضية فلسطين - في ساحات التفاوض وبازارات السياسة الإقليمية والدولية. وأول إصلاح الوجود يكمن أساساً وجوهرياً في إصلاح السياسة وبنية الدولة العربية ذاتها، أي إعادة السياسة إلى حضن المجتمع، وأنسنة ممارسة السياسة وأنسنة مبادئ الدولة. بما يتطلبه ذلك من بناء للدولة المدنية المؤسسية القوية القادرة والعادلة القادرة، القوية أمام الأعداء والخادمة لمواطنيها، وإعطائهم حقوقهم، وعلى رأسها وتمكين الحريات للمواطن الحر.

وهذا ما يعني إعادة الاعتبار القوي للمجتمع في مشاركته الحقيقية في العملية التنموية الشاملة.. أي نزع القيود السياسية والفكرية المسؤولة عن عدم مشاركة الناس في الحركة الوطنية العامة، والتعاطي معهم كذوات حرة عاقلة، أي كأفراد يحتاجون إلى الاحترام والتقدير والشعور بالكرامة والحرية والثقة بالنفس.

إنّ الدولة العربية الحديثة التي ورثناها عن عهود الاستقلال الشكلي عن المستعمر الخارجي منذ عقود طويلة، لم تتطور في بنيتها الجوهرية الموضوعية، تغير شكلها فقط، حيث أضفت على ذاتها ألوان وزخارف الحداثة الشكلية فحسب.. بقيت دولة فاقدة للشرعية الجماهيرية، تحكم بموجب قانون العنف والقوة العارية، تستبيح كل محرم أمامها لتأبيد صنميتها وقوننة وجودها الطغياني، مستفيدة من قوة استبدادها وقوة فسادها وإفسادها.

ورغم كل مظاهر الانهيار والتفكك السياسي والاجتماعي العربي، ما زال بعضنا، من الساسة والمثقفين، يعيدون انهيارنا وتراجعنا وانكسارنا الحضاري الراهن إلى الآخر، مجتمعاً أم دولاً أم مراكز قوى إقليمية أم دولية.. وكثيرون أيضاً لا يتعبون أنفسهم قليلاً في التفكير الجدي بحثاً عن الاسباب والعلل والدوافع الكامنة وراء عقليات الهيمنة والسيطرة الإقليمية على وجه الخصوص.. والتي حددناها سابقاً.

لهذا وقبل أن نتحدث عن قوة الآخر، وعن هيمنته وظلمه وعدوانه، وعن تآمره ومخططاته ودسائسه، وهو أمر قائم بطبيعة الحال، علينا أنْ نقرَّ ونعترفَ بأن هناك ثغرات بنيوية واختلالات جذرية عميقة غائرة في تربة مجتمعاتنا وبلداننا العربية، على مستوى الذات والموضوع في الداخل والخارج، أدت بمجملها إلى بدء مشاهد الانهيارات، وهي التي دفعت وتدفع الدول والقوى الإقليمية والدولية الطامعة بنا للاستمرار في ممارسة سياسات الهيمنة والتسلط والتدخل في سياساتنا الداخلية والخارجية، ورسم خططنا واستراتيجياتنا، وتجذبها دوماً للسعي باتجاه تحقيق مطامعها بسهولة ويسر على حساب ثروات العرب ومواردهم وقدراتهم الهائلة التي بدأت بالنضوب.

وفي محاولتنا البحث والتدقيق في علة المرض، يمكن القول بأنه وعلى مدى عقود طويلة لم تنجح حكومات العرب في بناء ونسج علاقة مواطنة سليمة وصحيحة وناجحة وفعالة مع الفرد الإنسان المواطن، كما وأنها فشلت فشلاً ذريعاً في تحشيد وتحريض أجمل ما عنده من قيم ومبادئ فكرية وسلوكية لدفعه باتجاه العمل المنتج والفعال.. كما فشلت في بناء وإقامة أي شكل فعال ومؤثر من التعاون الحقيقي والتنسيق الجاد فيما بينها كنظم وحكومات مسؤولة عن تطوير وتأمين احتياجات شعوبها العربية، وضمان حصولها على حقوقها وتأمين مصيرها الحي الفعال.. وبما يساعد على تطوير مجمل القوى والمواقع الاستراتيجية اقتصاداً وسياسةً وأمناً، وبما يعزز أيضاً استقلال قرارها الخارجي عن القوى الإقليم والدولية المؤثرة في معادلاتها السياسية والاقتصادية الداخلية قبل الخارجية... كدول وحكومات قائمة ومسؤولة أمام شعوبها ومجتمعاتها.

فماذا كانت النتيجة العملية التي وصلت إليها مجتمعاتنا وبلداننا طيلة فترة تطبيق تلك السياسات العقيمة الفاشلة التي لم تنتقد مضامينها، ولم تراجع سياساتها وتطبيقاتها العملية، ولم تتم مساءلة خياراتها، ومحاسبة الأشخاص القائمين عليها الذين أدمنوها ودفعوا باتجاهها؟!!..

حقيقةً، كانت النتيجة أن المنطقة العربية غموماً (وهي منطقتنا أساساً، وعليها وفيها ومنها تخرج ثرواتنا ومواردنا الطبيعية والبشرية الضخمة من دون أن نستفيد منها الاستفادة النوعية المطلوبة، وفي هذا أرقام وبيانات وإحصائيات علمية مهمة صحيحة ودقيقة لا مجال لذكرها هنا) باتت منطقة جاذبة ومستقطِبة لمطامع الآخرين، على مستوى دول الإقليم بالذات.

إذاً باتت منطقتنا العربية، كصحن الحلوى، الجاذب لشهية الآخرين، باتت منطقتنا منطقة فارغة استراتيجياً وجيوسياسياً، فسقطْنا كعرب –دولاً ونخباً وحكومات- في خضم منطقة منزوعة الحماية الدولية وفاقدة لأي توجه استراتيجي حقيقي بإرادة أبنائها، بعدما استقرت لزمن طويل (استقرار الأعماق واستقرار الأموات)، واستمرت عقوداً طويلة تحظى برعاية (واستثمارات مصلحية نفعية) غربية وأمريكية مؤثرة، وانطلقت تلك القوى الإقليمية لتفعل فعلها فينا، في معظم دولنا العربية المشرقية بالذات، ولتخوض على أرضنا (ونحن الضعفاء) حروبها وصراعاتها مع القوى الدولية، وتستخدم فيها أبناءنا، وتحقق مكاسبها بدمائنا، وعلى حساب ثرواتنا المبددة والضائعة.

وهنا نسأل كما يسأل الكثيرون: أين يكمن الحل والدواء بعد تشخيص المشكلة والداء؟!..

يجب أن ندرك أولاً أن الجسد العربي ضعيف جداً، ومناعته الذاتية هشة، ولكن ضعفه ليس ناجماً عن حالة ضعف ذاتي قدري، بمقدار ما هو ناجم عن تضعيفنا نحن له ولذاتنا، وتسليم مراسي سفننا وقيادنا للآخرين، بما يخلق الفرصة أمام القوى الإقليمية للتأثير علينا والتلاعب بمصائرنا ومقدراتنا..

وثانياً، يجب أن نعمل – مهما كابرنا ورفضنا ودفعنا من أثمان - على إعادة السياسة إلى حضن المجتمع، وتثمير جهود الأفراد، وتزخيم جهودنا وقوانا كدول عربية ذات إمكانات قوية قادرة على الفعل والتأثير.

وهذه كله توفره الدولة المدنية، فهي الوحيدة القادرة اليوم على الخوض في غمار تحدي البناء التنموي الحقيقي، والدخول إلى هذا العالم، بثقة وثبات وإنتاجية.. إنها دولة الخدمات والمؤسسات والقانون والعدل.. وهي بطبيعتها دولة غير أيديولوجية وغير متحيّزة، دولة حيادية تجاه الأديان والطوائف والأفكار والمعتقدات والانتماءات، دستورها مدني جامع غير مفرّق، معاييرها: العمل والإنتاج والتنمية وتطور المجتمعات، وعناصر نجاحها على صعيد الفرد: الكفاءة والعلم والنزاهة والتأهيل والتدريب العلمي الصحيح، أساسها الفرد (المواطن) الحر والقوي والقادر على القيام بمسؤولياته الوطنية بناءً على منظومة حقوق وواجبات.. والحقوق – كما نعلم - أساس بناء الدول والأوطان ومعيار نجاحها الرئيسي.. ولهذا نقول دوماً: أعطوا الناسَ حقوقها، ومن ثم سائلوها وطالبوها وحاسبوها..!!..

نبيل علي صالح

هوامش

1- ابن أبي الحديد المعتزلي، شرحُ نهجِ البلاغة، ج3، ص84.