مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: حكّامُنا ربطوا مصيرَهُم بمصيرِ الكيانِ الصهيونيِّ وباتَ سقوطُ هذا الكيانِ سقوطاً لهم فدافعوا عنه وهاجموا وطعنوا بالظّهرِ كلَّ مقاومةٍ شريفةٍ أنتجتها الأمةُ

العدد رقم 283 التاريخ: 2021-05-07

ثقافة السلام وثقافة الاستشهاد

غسان عبد الله

هامش ثقافي

ثقافة السلام وثقافة الاستشهاد

تُعْتَبَرُ ثقافةُ السلامِ مرتَكَزاً أساساً من مرتكزاتِ عمليةِ التطبيعِ مع العدوِّ الصهيوني.. وتعتَمِدُ عمليةُ التطبيع على مَنْهَجٍ يرسُمُ خطاً معاكساً لخطِّ التطورِ الجهاديِّ الذي تخوضُهُ قوى المقاومةِ والممانعةِ.. فثقافةُ السلامِ تشكِّلُ ارتداداً ونكوصاً..

إن مصطلحَ التطبيعِ في اللغةِ الإنكليزيةِ normalization تعيَّنَ فَرْضَ تطبيقِ المعيارِ والمقياسِ من طرفٍ على طرفٍ آخر.. وإن مدلولَ هذا المصطلحِ واضحٌ منهُ أنَّ هناك خروجاً عن المعيارِ أو القاعدةِ يجب تحديدُهُ أو ضبطُهُ.. وهذا بالتالي مختلفٌ تماماً عن مفاهيمَ أخرى من مِثْلِ التكيُّفِ أو التأقْلُمِ.  

من هذا التحديدِ للمفاهيمِ يمكن أن نعطيَ لمصطلحِ ثقافةِ السلامِ أبعاداً خطيرةً في حياةِ شعبِنا العربيِّ، بعامةٍ وفي حياةِ أمتنا الإسلامية على وجهِ الخصوص.. فمن خلالِ هذا المصطلحِ يمكنُ أن تتسرَّبَ مستوياتٌ متعددةٌ من العملِ السياسيِّ المرتبطةُ بمضمونِ مصطلحِ ثقافةِ السلامِ من مِثْلِ التفاوضِ والدّخولِ في أنفاقِ التسويةِ غيرِ المتكافئةِ أو المتوازنةِ والتي تُطْرَحُ من قَبِيلِ ردودِ الفعلِ للعدوانِ الصهيونيِّ.. قد يكونُ من المفيدِ التمييزُ بين التفاوضِ والتسويةِ بقصدِ التنازلِ، وبين الاتفاقِ لإنهاءِ الاحتلالِ العسكريِّ الصهيونيِّ..

إن ثقافةَ السلامِ، وفْقَ منهَجِ التطبيعِ، تعني تغييراً مقصوداً للقيمِ الثقافيةِ والمعتقداتِ السائدةِ وتعديلاً لأنماطِ السلوكِ في المجتمعِ العربيِّ، وذلك حَسْبَ المعيارِ الغربيِّ وتصادُمِهِ مع كلِّ القيمِ والأنماطِ السلوكيةِ المختلفةِ مَعَهُ ومع نزعتِهِ للهيمنةِ والتسلُّطِ والتمييزِ.. وتستَنِدُ نزعةُ المتسلّطين من الغربيّينَ على خلفيةٍ استعماريةٍ قديمةٍ عَبَّرَتْ عنها الدراساتُ الأنثروبولوجيةُ القديمةُ التي كانت تنظُرُ إلى عقليةِ الشعوبِ البدائيةِ على أنها عقليةٌ غيرُ طبيعيةٍ ومريضةٌ تتطلَّبُ التغييرَ بالقوةِ.. ومن هنا كانت، مثلُ تلك الدراساتِ تنظرُ إلى الشعوبِ البدائيةِ والقبائلِ وقيمِها الثقافيةِ على أنها تشكِّلُ حالةً من حالاتِ المرضِ والشذوذ. ونتيجةً لهذه الخلفيةِ جاءَ استخدامُ مصطلحِ التطبيعِ وفْقَ المفهومِ الغربيِّ تغييراً في القيمِ، وليس تغيُّراً طبيعياً وتطوراً اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً لمجملِ العلاقاتِ وأنماطِ السلوكِ وإرادةِ الأفرادِ والجماعاتِ وحريَّتِهِم وهناك فرقٌ جوهريٌّ بين التغيُّرِ الطبيعيِّ وبين التغييرِ حَسْبَ المعاييرِ والمقاييسِ التي يفرِضُها الطرفُ المهيمنُ ويعتَبَرُ كلُّ من لا يخضعُ لها خارجاً على قانونِهِ الخاصِ وإرادَتِهِ..

واستناداً إلى معيارِ التطبيعِ ومنطقِ الصحةِ اللفظيةِ تكتسبُ ثقافةُ السلامِ شرعيتَها ووجاهَتَها.. وتنتَقِلُ عملياتُ تطبيقِ الشرعيةِ الدوليةِ من خانةِ رفعِ الظلمِ عن المضطهَدِينَ إلى خانةِ إلحاقِهم وجرِّهِم إلى المصيرِ الذي يفرِضُهُ الظالمُ ويعتبِرُهُ مقياساً لأمنِهِ واستقرارِهِ. فشرعيةُ ثقافةِ السلامِ مستمَدَّةٌ من قوةِ الغالِبِ وهيمنتِهِ.. وتغدو المطالبةُ بتحقيقِ الشرعيةِ الدوليةِ عمليةً مؤجلةً ومجمَّدةً إلى أمَدٍ غيرِ محدَّدٍ. وتصبحُ مصطلحاتٌ متداولةٌ ومتكررةٌ من مِثْلِ ثقافةِ السلامِ والشرعيةِ الدوليةِ وحقوقِ الإنسانِ مجرَّدَ تعابيرٍ بدونِ مضمونٍ أو معنى، لا تخلو من ذكرِها وتردَادِها النشراتُ الإعلاميةُ والبياناتُ السياسيةُ والتظاهراتُ الاحتجاجيةُ.‏

أما ثقافةُ الاستشهادِ فهي تطورٌ ذاتيٌّ طبيعيٌّ انبَثَقَ من خلالِ المعاناةِ والنضالِ والتكيُّفِ مع مستوياتِ التحدي والمقاومة التي خاضَتها المقاومةُ الإسلامية في لبنان والفلسطينيةُ في فلسطين ومقاومةُ الشعب اليمني ضد التحالف الشرير.. إضافةً إلى العديد من أعمال المقاومة لأي احتلال كان أو ظلمٍ ما يلحقُ بالشعوب.

لم تنشأ ثقافة الاستشهاد من خلال ردودَ فعلٍ موسميةٍ عابرةٍ.. فثقافةُ الاستشهادِ المنبثقةُ من داخلِ الأرضِ المحتلةِ، بشَّرَتْ بها حركةُ المقاومةِ في البدايةِ من خارِجِ فلسطينَ في عملياتٍ رائدةٍ، تجذَّرَتْ بعد قيامِ الانتفاضةِ الأولى عام 1987. والعملياتُ الاستشهاديةُ هي تطوُّرٌ طبيعيٌ سارَتْ فيه الانتفاضةُ ضمنَ سلسلةٍ متصاعدةٍ، بدأت بانتفاضةِ الحجرِ.. وخلَقَتْ من جيلِ الانتفاضةِ الأولى شبابَ وفتيانَ قوافلِ الشهداءِ الميامين في الحالةِ المتطورةِ من النضالِ والكفاحِ التي حققتها الحالةُ النوعيةُ التي نمرُّ بها في الوقتِ الحاضرِ. ثم كانت العمليات الاستشهادية في لبنان التي أخرجت الأمريكيين من لبنان ومن بعدِها كرّت العمليات الاستشهادية - "أحمد قصير.. صلاح غندور.. أبو زينب.. هيثم دبوق.. علي منيف أشمر.. وغيرهم" -.

لقد خَلَقَ اختلالُ موازينِ القوى التي تعيشُهُ الأمةُ منذ نكبةِ فلسطين عام 1948 وعياً جمعياً متطوراً مع الأسبابِ الماديةِ والظروفِ العالميةِ الظالمةِ وغيرِ العادلةِ عُبِّرَ عنهُ في سلسلةٍ من القيمِ والنُّظُمِ الثقافيةِ التي تدورُ حولَ محورِ علاقةِ الشهادةِ بالحياةِ ومَنْحِ الشهادةِ من أجلِ حياةِ الجماعةِ وَفْقَ إدراكٍ أخلاقيٍّ وراسخٍ بأنَّ التغيُّرَ والانطلاقَ نحو الحياةِ الكريمةِ الفضلى يبدأُ من الذاتِ ومن حريةِ الاختيارِ والإرادةِ الحرةِ في رفضِ إرادةِ القويِّ وجبروتِهِ.. لذلكَ يقفُ المتسلِّطُ والمتجبِّرُ ضعيفاً وعاجزاً عن مواجهةِ الإرادةِ الصلبةِ والمتحديةِ.. وقد استخْدَمَتْ قوى البطشِ والحربِ الصهيونيةِ كل الإمكانياتِ التكنولوجيةِ والأسلحةِ المتطورةِ في مواجهةِ الجماهيرِ وعملياتِ الاستشهاد، ولكنها تقفُ عاجزةً عن تغييرِ قِيَمِ ومعتقداتِ وطموحِ الجيلِ المقاوم المؤمن. فالوسائلُ وطرقُ عملِ وتحقيقِ المهامِ العمليةِ لحركةِ المقاومةِ معجونةٌ من مواد ومعدن لا تستطيعُ أن تصلَ إليها عقليةُ المستعمرِ والمحتلِّ ولا يمْكِنُ لمنطقِ القوةِ الماديةِ والتقنيةِ اللاإنسانية إدراكَهُ.‏

يحاولُ منظِّرو منطقِ القوةِ والتسلُّطِ تحليلَ مجرى العملِ المقاوم على أنها مراحلُ تعلو وتهبِطُ.. تثورُ وتخْمُدُ.. من خلال تقسيمِ الأحداثِ إلى فتراتٍ زمنيةٍ معيَّنةٍ، كما يحلو لبعضِ اللاهثينَ وراءَ حلولِ التسويةِ إعطاءَ الأحكامِ التقديريةِ حَسْبَ تخيُّلاتِ وأوهامِ ما يسمَّى بثقافةِ السلامِ والشرعيةِ الدوليةِ والتفاوض. ولا تدخُلُ مثلُ هذه التحليلاتِ في كُنْهِ الحالةِ النوعيةِ والتطوُّرِ الذي لا رَجْعَةَ فيه، فالمقاومةُ التي مضى عليها أكثر من ربع قرن تحولَّتْ إلى حالةٍ راسخةٍ من النضالِ والوعي الجمعيِّ المتطورِ دائماً من أجلِ تحقيقِ هَدَفِ التحرير.‏

يعبِّرُ النموُّ الحضاريُّ في العالمِ عن مجرىً طبيعيٍّ تطوريٍّ لمجملِ الإنجازاتِ الماديةِ والفكريةِ ولما يُحْدِثُهُ من تغيراتٍ متراكمةٍ في النُّظُمِ المعرفيَّةِ والقيمِ الثقافيةِ. ومثلُ هذا النموِّ لا يحدُثُ بفرضِ الإرادةِ أو بالممارسةِ القهريةِ للمتسلِّطِ، الذي يمثِّلُهُ الغربيُّ الأمريكيُّ وعلى رأسِهِ الصهيونيُّ، بل هو نتيجةٌ حتميةٌ متفاعلةٌ لمجموعةٍ من العملياتِ، مثلِ المثاقفةِ والتكيُّفِ والتأقلُمِ والحوارِ الحضاريِّ والجدلِ والمناظرةِ المتكافِئَيْنِ بين الثقافاتِ الإنسانيةِ والجماعاتِ البشريةِ. وتُحْكِمُ الجماعةُ المتسلطةُ سلطَتَها القاهرةَ وَفْقَ رؤيتِها الذاتيةِ لمصالحِها على كلِّ القيمِ وما أفرَزَتْهُ عمليةُ النموِّ الحضاريِّ وبعدها التاريخي وتصبِحُ الشعاراتُ المعروفةُ عن حقوقِ الإنسانِ والعدلِ والسلامِ أدواتٍ تُرْفَعُ في أوقاتٍ محددةٍ ووفْقَ برامِجَ مرسومةٍ مسبقاً.. وبالتالي فإن ترويجَ مصطلحاتٍ بعينها هو جزءٌ من إدارةِ عمليةِ الصراعِ والصِّدَامِ الذي تحاولُ عقليةُ التسلُّطِ والهيمنةِ فَرَضَها على من يخالِفُها أو يناقِضُها.. وفي عُرْفِ هذه العقليةِ المتسلطةِ المستبدةِ تتحولُ ثقافةُ الاستشهادِ إلى جملةٍ من الأفكارِ تضمنها تعابيرُ عامةٌ جوفاءَ تُطْلِقُها في بياناتها بدون أسانيد مثل: الشر والتوحش والانتحار والإرهاب والبدائية والهدم واللاتحضُّر.. الخ.‏

عندما نعطي ثقافةَ الاستشهادِ مكانها الطبيعيَّ في سلَّمِ قِيَمِنا الثقافيةِ والدينيةِ، فإننا نعطيها حقَّها الطبيعيَّ في رسمِ مجملِ ما مرَّ في حياةِ أمتنا الإسلامية وشعبِنا العربيِّ الفلسطينيِّ منذ نكبةِ العَرَبِ الأولى في تاريخِ العرَبِ المعاصرِ.. ونعتبرُها ثقافةً معبِّرةً عن تطوُّرٍ وتغيُّرٍ طبيعِيَّيْن، وفي مُناخٍ صحيٍّ وحرٍّ منطلِقٍ ومستقلٍ عن الضغوطِ والاعتباراتِ التي تراعي التوازناتِ وعلاقاتِ الدولِ وأنظمةَ العلاقاتِ الدبلوماسية.. وما يطرحُ من أفكارٍ وصورٍ افتراضيةٍ للتسويةِ وللتفاوضِ أو بعبارةٍ مختصرةٍ مما يسمى بثقافةِ السلامِ إنما هي ردودُ فعلٍ عابرةٍ وغيرُ دائمة.

غسان عبد الله