مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: مع أننا كنا نفضل أن تأتي شخصية جديدة من خارج نادي رؤساء الحكومات السابقين.. إلا إننا نرى أن الوضع بحاجة إلى تضافر الجهود للخروج بالبلد من المأزق

العدد رقم 295 التاريخ: 2021-07-30

قناة السويس في دائرة الاستهداف الإسرائيلي.. التطبيع لا يعمل لمصلحة الدول العربية

ابتسام الشامي

قناة السويس في دائرة الاستهداف الإسرائيلي..

التطبيع لا يعمل لمصلحة الدول العربية

لم يكن جنوح ناقلة الحاويات العملاقة "إيفر غيفين" حدثاً عادياً في تاريخ قناة السويس الممتد على مئة واثنين وخمسين عاماً، فالحادثة التي عطّلت القناة ستة أيام متواصلة، أعادت تسليط الضوء على أهميتها بما هي شريان حياة للتجارة الدولية، وفي الوقت نفسه ساهمت في كشف النقاب عن بعض المشاريع الإسرائيلية التي تستهدف تحييدها لمصلحة خطوط تجارية مع دول التطبيع الخليجية.

تاريخ القناة

عادت قناة السويس إلى العمل بعد تعطّل قسري فرضه جنوح ناقلة حاويات عملاقة كانت في طريقها من الصين إلى هولندا، بفعل عاصفة ترابية ضربت بقوة خليج السويس، الأمر الذي أدى إلى توقف حركة عبور السفن في هذه المنطقة الحيوية من العالم، واصطفافها في طوابير طويلة على طرفي القناة بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، أو تحويل بعضها مساره باتجاه رأس الرجاء الصالح، وهو ما رفع حجم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن التعطيل.

وعلى الرغم من وجود خطوط أخرى للتجارة الدولية، إلا أن قناة السويس بموقعها الجيو/استراتيجي في قلب العالم تبقى الوجهة المفضلة للتجارة لاختصارها المسافات بين قارتي آسيا وأوروبا، بما ينعكس انخفاضاً في الكلفة الاقتصادية للتجارة العابرة للقناة التي تقدر بين 8 إلى 12% من حجم التجارة العالمية.

تعود فكرة إنشاء القناة وهي عبارة عن ممر مائي صناعي ازدواجي المرور، إلى القرن الثامن عشر وتحديداً إلى الحملة الفرنسية على مصر، حين راودت فكرة شق قناة تربط البحرين المتوسط والأحمر، القائد العسكري الذي أصبح امبراطوراً لفرنسا لاحقاً نابليون بونابرت عام 1798، إلا أن خططه على هذا الصعيد باءت بالفشل، لكن المشروع سيعود إلى الواجهة مجدداً عام 1854، مع القائد الفرنسي "فرديناند دي لسبس" الذي استطاع إقناع الوالي العثماني على مصر آنذاك، محمد سعيد باشا بمشروع القناة، وحصل على موافقة الباب العالي. وقام على ضوء ذلك بمنح الشركة الفرنسية برئاسة دي لسبس امتياز حفر وتشغيل القناة مدة 99 عام.

القناة التي استغرق بناؤها عشر سنوات، حفرها المصريون بدمائهم وليس بأيديهم فحسب، إذ ساهم في أعمال شقها أكثر من مليون عامل مصري قضى أكثر من مئة وعشرين ألفاً منهم، نتيجة الجوع والعطش والأوبئة والمعاملة السيئة، وبعد نحو خمسة وثلاثين عاماً على افتتاحها عام 1869، حاولت الشركة الفرنسية تمديد حق الامتياز 50 عاماً إضافية إلا أنها فشلت في ذلك.

تأميم القناة

سجل السادس والعشرون من تموز عام 1956حدثاً مفصلياً في تاريخ مصر وقناة السويس، تمثّل بقيام الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر بتأميم القناة، وهو ما سارعت قوى الاستعمار التقليدي إلى الردّ عليه بحرب عدوانية اشتركت فيها كل من بريطانيا وفرنسا إلى جانب كيان العدو، عرفت لاحقاً باسم العدوان الثلاثي على مصر، انتهى بعد عشرة أيام على انطلاقته، بفعل المقاومة الشعبية وبعض الضغوط الدولية.

ولم تمض سنوات قليلة على هذا العدوان الذي تعطلت بموجبه قناة السويس، حتى شن كيان العدو عدواناً جديداً على الدول العربية عرف باسم حرب عام 1967 واحتل بموجبه الجيش الإسرائيلي كامل فلسطين التاريخية، وسيناء المصرية، إضافة إلى الجولان السوري، وقد تسبّبت هذه الحرب في إغلاق قناة السويس لأكثر من 8 سنوات، حتى قام الرئيس أنور السادات بإعادة افتتاحها في حزيران 1975، على ضوء اتفاق فضّ الاشتباك بين القاهرة وتل ابيب، ووقف إطلاق النار ضمن أحداث حرب أكتوبر عام 1973.

ومنذ ذلك الوقت شهدت قناة السويس مشاريع عدة لتوسيع مجراها وتقليل وقت عبورها بدأت عام 1980 وكان آخرها في السادس من آب عام 2015 مع افتتاح مشروع قناة السويس الجديدة.

مشاريع إسرائيلية تستهدف القناة

الموقع الاستراتيجي لقناة السويس كنقطة ربط بين قارتي آسيا وأوروبا وأسرع ممر بحري بينهما، جعلها شاهدة ومتأثرة بتطورات القرن الماضي بدءاً بالحرب العالمية الأولى وصولاً إلى حرب تشرين عام 1973، حيث تعرضت القناة للإغلاق لفترات تراوحت بين أيام وسنوات، وإذا كان الصراع بين القوى الكبرى في الماضي على الإمساك بالقناة والتجارة التي تمر عبرها، فإن المشاريع التي تخرج إلى الضوء تستهدف تعطيل قناة السويس من خلال تحييدها أو تقليص مساهمتها في التجارة العابرة للقارات عبر استحداث طرق تجارية جديدة بحرية وبرية، كشفت النقاب عنها اتفاقيات التطبيع بين عدد من الأنظمة الخليجية ودولة الاحتلال. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى ما نشره موقع "غلوبس" الإسرائيلي المتخصص بالاقتصاد، حول إمكانية استغلال تل أبيب حادثة توقّف الملاحة في قناة السويس مؤخراً لطرح مشاريع بديلة معدة مسبقاً، لعلّ أبرزها المشروع الذي، يقول الموقع إنه يقلق مصر بشكل خاص، وهو "خط لنقل النفط والمشتقات النفطية المخطط من الإمارات العربية المتحدة إلى ميناء إيلات ومن هناك يضخ إلى عسقلان عبر خط أنابيب النفط إيلات عسقلان (EPA) وهذا الخط، لديه القدرة على تحويل جزء كبير من حركة ناقلات النفط، والتي تنتقل حالياً إلى أوروبا عبر قناة السويس". وبحسب الموقع الإسرائيلي نفسه، فإن الأمر "يتعلق بخط يفترض أن يعمل في المرحلة الأولى باستخدام ناقلات النفط التي ستفرغ حمولتها في الميناء التابع لخط النفط إيلات عسقلان (EPA) في إيلات بدلاً من عبور قناة السويس. والتطلع في المستقبل هو مدّ خط أنابيب بري يمكنه أيضاً ضخ النفط والمشتقات من السعودية إلى إسرائيل" على حد تعبير الموقع.

وإلى هذا المشروع يتحدث موقع "غلوبس" الإسرائيلي، عن مشروعين آخرين، يتعلقان بربط خطوط السكك الحديدية بين دول الخليج وما يسميه شواطئ البحر الأبيض المتوسط في إسرائيل. "الأول الذي تصدر عناوين الصحف مؤخراً، هو خط السكة الحديد، من خليج حيفا إلى الخليج. وفقاً للخطة، سيبدأ الخط من ميناء حيفا، ويمرّ عبر جسر الشيخ حسين بالقرب من بيت شان، ومن هناك على طول الأردن حتى الربط مع شبكة السكك الحديدية السعودية والإمارات العربية المتحدة. أما الطريق الالتفافي الثالث فهو خط السكك الحديدية "الأسطوري" بين أشدود وميناء إيلات، والذي من المفترض أن ينقل البضائع والركاب في آن معاً".

ويتوقّف الموقع الإسرائيلي عند نقطة مهمة وهي أن المشترك بين كل هذه المشاريع "هو الاستثمارات الضخمة المطلوبة لإنشائها"، قبل أن يضيف أن "الخلل في قناة السويس والأضرار الاقتصادية الكبيرة التي لحقت بالاقتصاد العالمي قد تغير قواعد اللعبة، حيث أن دولاً كثيرة تعتمد على الواردات المنتظمة للسلع والمواد الخام ومصادر الطاقة من الشرق، اكتشفت فجأة أن جزءاً كبيراً من اقتصادها يعتمد على حرية الحركة في ممر مياه اصطناعي ضيق، يمكن أن يقطع في أية لحظة بالصدفة أو بشكل مبادر، نتيجة أعمال حربية وهي متوفرة في المنطقة. وبالتالي لن تتفاجأ على الإطلاق بخطط تمويل طرق تلتف على قناة السويس، سيكون لها الآن المزيد من الأبواب المفتوحة والآذان الصاغية بين الهيئات الدولية".

خاتمة

لم تعلن مصر حتى الآن نتيجة تحقيقاتها بشأن جنوح ناقلة الحاويات العملاقة وما أدى إليه ذلك من تعطيل حركة الملاحة في قناة السويس، وإذا كانت بعض التقديرات قد ذهبت إلى القول إن الحادثة غير بريئة، فإن المشاريع التي كشف النقاب عنها خلال الأيام الستة لتوقفها عن العمل، توضح أن القناة تقع في دائرة الاستهداف، وأن اتفاقية كامب دايفيد بين تل أبيب والقاهرة ليس فقط لم تجلب لمصر التنمية والرفاهية، وإنما لم تكفها شر العدوّ وتربُّصه الدائم بأرضها وثرواتها كما باقي الجغرافيا العربية وثرواتها.

ابتسام الشامي

 

إخترنا لكم من العدد