مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: مع أننا كنا نفضل أن تأتي شخصية جديدة من خارج نادي رؤساء الحكومات السابقين.. إلا إننا نرى أن الوضع بحاجة إلى تضافر الجهود للخروج بالبلد من المأزق

العدد رقم 295 التاريخ: 2021-07-30

هل تندلع الحرب بين روسيا وأوكرانيا؟

توفيق المديني

هل تندلع الحرب بين روسيا وأوكرانيا؟

يتابع الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية ومعها حلف الناتو، والاتحاد الأوروبي، بقلقٍ شديدٍ، اشتدادِ حِدَّةِ التوتر العسكري بين الانفصاليّين الموالين لروسيا في منطقة دونباس، والجنود الأوكرانيين في شرق أوكرانيا، بالتزامن مع إجراء روسيا تحركاتٍ عسكريةٍ على الحدود بين البلدين، ووصول آلاف القوّات والمعدّات الروسيّة إلى الحدود الروسيّة - الأوكرانيّة.

ويأتي ذلك في وقت تصاعدت فيه الاشتباكات منذ يناير/ كانون الثاني في المنطقة بعد هدنة استمرّت فترة قياسية خلال النصف الثاني من 2020.

سبب التوتر العسكري على الحدود

يخوض الجيش الأوكراني معارك في مواجهة الانفصاليين الموالين لروسيا في منطقتي دونيتسك ولوغانسك منذ 2014، بعد ضمّ موسكو شبه جزيرة القرم في أعقاب انتفاضة أطاحت الرئيس الأوكراني الذي كان مقرّباً من الكرملين فيكتور يانوكوفيتش. وتبادلت موسكو وكييف الاتّهامات هذا الأسبوع بالوقوف وراء ارتفاع منسوب العنف عند الخطوط الأمامية، ما قوّض اتفاقاً لوقف إطلاق النار جرى التوصّل إليه في يوليو/ تموز2020. ومنذ 2014 أوقع النزاع في شرق أوكرانيا أكثر من 14 ألف قتيل. وتتّهم أوكرانيا وحلفاؤها الغربيون روسيا بإرسال قوات وأسلحة لدعم الانفصاليين، وهو ما تنفيه موسكو.

تعيش منطقة دونباس، الواقعة شرقي أوكرانيا والموالية لروسيا، منذ أواخر شهر مارس/آذار الماضي، مؤشرات حرب بين الجيش الأوكراني من جهة، وقوات "جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين" المعلنتين من طرف واحد والمدعومتين من موسكو من جهة أخرى، بعد وصول الوضع على خطّ التماس إلى أسوأ أحواله منذ توقيع اتفاقات الهدنة في يوليو/تموز2020.

وقالت سلطات جمهورية دونيتسك المعلنة أحادياً إنّ طفلاً "مولوداً عام 2016" قُتل، وأصيبت امرأة عمرها يتجاوز 65 عاماً السبت في قصفٍ نفّذته طائرة أوكرانية بلا طيار في قرية ألكسندريفسكي، على بُعد كيلومترين من خط الجبهة. ومن جانبه، أفاد الجيش الأوكراني بمقتل جندي السبت الماضي، في انفجار لغم قرب قرية شومي، على بعد نحو ثلاثين كيلومتراً شمال دونيتسك. وفي نهاية مارس/ آذار2021، لقي أربعة جنود أوكرانيين مصرعهم في قصف بالقرب من هذه البلدة.

ويعتبر التصعيد العسكري على خطّ الجبهة، في شرق أوكرانيا، انعكاساً للتوتر المتصاعد بين روسيا والغرب، على خلفية قضايا متعددة، ما أعاد الأزمة الأوكرانية إلى الواجهة، حيث يبدو أنَّ موسكو وكييف تقتربان سريعاً من طيّ صفحة تحسين العلاقات بينهما، والتي أعقبت انتخاب فولوديمير زيلينسكي رئيساً لأوكرانيا في العام 2019، وما تلاه من عمليات تبادل للأسرى وفصل القوات في منطقة حوض دونباس وتمديد اتفاق نقل الغاز الروسي عبر الأراضي الأوكرانية.

التحرك العسكري الروسي واختبار رد واشنطن

قال المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، للصحافيين، في مؤتمر عبر الهاتف يوم الإثنين 5 أبريل 2021، إنَّ التحركات العسكرية الرّوسية قرب الحدود المشتركة مع أوكرانيا لا تمثّل تهديداً لأوكرانيا أو لغيرها، وإنَّ روسيا تحرك قواتها داخل البلاد وفقاً لما تراه مناسباً.

وأعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية، أنَّ القوات الروسية قصفت 20 موقعاً دفاعياً للجيش الأوكراني، الجمعة الماضي، في منطقة دونباس، شرق البلاد. وأوضحت القوات المسلحة - في بيان - أنَّ الانفصاليين المدعومين من روسيا خرقوا وقف إطلاق النار شرق البلاد 21 مرَّة، الجمعة. وأشارت إلى استهداف الانفصاليين بالنيران مناطق "زولوتي"، و"نوفوليكساندريفكا"، و"سفيتلودارسك"، و"بيشوفيك"، و"كراسنوهوريفكا" التابعة لـ"دونباس".

في الواقع، إنَّ روسيا منزعجة من مناورات عسكرية مشتركة لأوكرانيا مع قوات حلف الناتو. في حين قالت القوات المسلحة الأوكرانية، في بيان، إنَّ التدريبات سيشارك فيها أكثر من 1000 عسكري من خمس دول أعضاء في حلف الأطلسي، وستجرى في غضون بضعة أشهر. ولم توضح موعد بدء التدريبات على وجه الدقة.

وأبدى حلف شمال الأطلسي "الناتو" قلقه، الخميس الماضي، بشأن ما وصفه بـ "تعزيز عسكري روسي كبير بالقرب من شرق أوكرانيا". وأصدر الكرملين بعدها، الجمعة الماضي، بياناً قال فيه إنَّ أيَّ نشرٍ لقواتِ حلف شمال الأطلسي في أوكرانيا سيؤدي إلى مزيدٍ من التوتراتِ بالقربِ من حدود روسيا، ويجبر موسكو على اتخاذ تدابير إضافية لضمان أمنها.

وإذا كان الروس والأمريكيون قد بدأوا التواصل حول المسألة، إلا أنَّ التصريحات اليومية بين أطراف الأزمة المباشرين وغير المباشرين، إضافة إلى الأحداث العسكرية اليومية، تَشِّي بإمكانية تَفَلُّتِ الأمورِ في أيِّ لحظةٍ، وفقاً لحسابات موسكو خصوصاً، المضغوطة بالعقوبات الغربية. وفضلاً عن ذلك، فإنَّ كييف تسعى لاستغلال الجو الغربي المعادي لموسكو لتسريع انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، فيما ترفض موسكو أي تجاوز لـ "الخطوط الحمر".

فقد ذكر موقع "ذا هيل" الأمريكي أنَّ روسيا تُصَّعِدُ قعقعة السيوف في أوروبا الشرقية والقطب الشمالي، وهي خطوة وضعت إدارة بايدن في حالة تأهبٍ. ويرى الموقع الأمريكي أنَّ موسكو تحركتْ لاختبارِ واشنطن وحلفائها في البرِّ والجوِّ والبحرِ من خلال تعزيزِ المعداتِ العسكريةِ في شرق أوكرانيا، والرحلات الجوية العسكرية بالقرب من المجال الجوي في ألاسكا، ونشاط الغواصات في القطب الشمالي.

ودفعتْ تلك الإجراءاتِ، حسب الموقع، القيادة الأوروبية الأمريكية إلى رفع حالة التأهب إلى أعلى مستوياتها، وقد دفع النشاط في أوكرانيا، على وجه الخصوص، كبار قادة الأمن القومي في إدارة بايدن إلى الاتصال بنظرائهم الأوكرانيين والقادة الآخرين في المنطقة.

التطورات في أوكرانيا دفعت رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكي الجنرال مارك ميلي للتواصل عبر الهاتف مع رئيس الأركان العامة الأوكراني اللفتنانت جنرال رسلان خومتشاك.

كما اتصل وزير الدفاع لويد أوستن بنظيره الأوكراني، وزير الدفاع أندري تاران، "لمناقشة الوضع الأمني الإقليمي" وإدانة "التصعيد الأخير للأعمال العدوانية والاستفزازية الروسية في شرق أوكرانيا".

روسيا ولَجْمِ تَمَدُّدِ الحِلْفِ الْأطْلَسِيِّ إلى حُدُودِهَا

ينبع التشدد الروسي تجاه أوكرانيا من استراتيجية الحصار والتطويق التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية ضد روسيا منذ نهاية الحرب الباردة، وانهيار المنظومة السوفياتية عام 1991، بهدف ضم الدول التي كانت منضوية في تلك المنظومة سابقا إلى منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو).

ويرى المحللون الاستراتيجيون في الغرب أنَّ أوكرانيا هي كيان سياسي هش مثل العديد من الكيانات السياسية الهشة الموجودة في العالم.‏ وبالنسبة إلى العديد منها فهو حافظ على وحدته السياسية إبان الحرب الباردة بفضل التوازن الاستراتيجي الذي كان قائماً بين الشرق والغرب.‏ أما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي فقد استعادت حركة التاريخ دورتها نحو الأفضل أو نحو الأسوأ. فهناك دول أوروبا الشرقية وكذلك دول البلطيق التي كانت جزءاً من المنظومة السوفييتية وجدت ضالة استقرارها السياسي من خلال نيل عضويتها في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. ‏وهناك دولة يوغوسلافيا السابقة التي تبلقنت وتشظّت بفعل التناقضات الغربية مع بداية 1990.‏

وتعكس الأزمة الراهنة الانقسامات العميقة في أوكرانيا بين المناطق الشرقية الصناعية من البلاد والناطقة بالروسية التي تفضل تطوير العلاقات التقليدية مع روسيا والمناطق الزراعية الناطقة بالأوكرانية وهي تفضل تطوير العلاقات مع الغرب بما في ذلك الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي.‏

ويعتبر المراقبون أن المعارضة في أوكرانيا تذكرنا بمعارضات أخرى في عالم ما بعد الحقبة السوفياتية، التي توقعت الكثير من الغرب وخاب ظنّها في النهاية. وربما حان الوقت لإلقاء نظرة أكثر واقعية إلى ما يجري في الاتحاد السوفياتي السابق. فخلال ما عرف بالثورة البرتقالية الأوكرانية في العام 2004، لم ير كثيرون في الغرب إلا ما أرادوا رؤيته: شعباً ينتفض على الفساد وسياسة التلاعب والضغوطات الروسية باسم التقدم نحو الديموقراطية والأسواق الحرة والغرب.

وأبعد من ذلك، اختار كثيرون في الغرب التغاضي عن واقع أنَّ أوكرانيا، على غرار معظم الجمهوريات السوفياتية السابقة (باستثناء 3 دول صغيرة من البلطيق)، بقيت شديدة الارتباط بروسيا والجمهوريات الأخرى. ففي أوكرانيا، وهي جزء من الكيان السلافي في الامبراطورية السوفياتية القديمة، ما زال نصف السكان يتماهون مع روسيا من الناحيتين الإثنية والوطنية. وهكذا، من السخيف الاعتقاد بأن المعارضة قادرة على نقل أوكرانيا إلى المدار الغربي. إذ لم يتوقف التدخل في السياسة الأوكرانية على روسيا بل تعداه إلى أوروبا التي هي أكثر اهتماماً بالغاز الروسي منه بالديموقراطية الأوكرانية.

فمنذ نشوب "الثورة البرتقالية" الأوكرانية في أواخر عام 2004، وتولّي الرئيس فيكتور يوشينكو مهامه، سارت العلاقات بين موسكو وكييف من سيئ إلى أسوأ بسبب السياسات المعادية لروسيا التي انتهجها الرئيس الأوكراني، خصوصاً مساعيه لضم بلاده إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، وهو ما لا تستطيع موسكو السكوت عليه. فهناك من الروابط السياسية والاقتصادية والثقافية والأبعاد الاستراتيجية ما يجعل من هذا السكوت خطيئة سياسية لأي قيادة روسية، لا يمكن التساهل بشأنها أو غفرانها لمن ارتكبها أو سكت عليها من قِبَلِ الأجيالِ الرّوسية المقبلة. فأوكرانيا هي التوأم التاريخي لروسيا، وهي دولة كبيرة بمعايير المساحة والسكان (46 مليون نسمة) والقدرات الاقتصادية والعسكرية، ولا يمكن مقارنتها مثلاً بدول البلطيق الثلاث، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي الحيوي بين روسيا ودول شرق ووسط أوروبا والقوقاز. وفي حال انضمام أوكرانيا للناتو فإن هذا يعني اقتراب الغرب من روسيا إلى حدود ما قبل القرن السابع عشر، حينما كانت روسيا حبيسة الثلوج وبعيدة عن المياه الدافئة وهو الهدف الذي ما انفكّت روسيا تسعى للتغلب عليه بخطى وئيدة منذ بطرس الأكبر. فأول تداعيات هذا الانضمام هو خروج الأسطول الروسي من ميناء سيفاستوبول الأوكراني على البحر الأسود وتقلص الإطلالة الروسية عليه في مجرد شريط ساحلي ضيق لا يفي بغرض وجود قدرات عسكرية روسية معتبرة تؤمن المصالح الروسية في هذه المنطقة الحيوية، التي ستصبح معبراً رئيسياً لإمدادات النفط والغاز من آسيا الوسطى والقوقاز إلى أوروبا شمالاً وجنوباً. وهناك ثمة قناعة يجمع كل الباحثين الروس والأوروبيين مفادها أن منطقة البحر الأسود لن تعود أبداً تحت النفوذ الروسي في حال انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو.

خاتمة

يعلم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جيداً أنَّ الغالبية الساحقة من الروس يحنّون بقوة إلى المرحلة التي كانت فيها روسيا قوة عظمى، سواء أكانت قيصرية أم بلشفية. وكان توكفيل قد تنبأ في زمانه، أنها ستتقاسم النفوذ والسيطرة على العالم مع الولايات المتحدة الأمريكية. بيد أن الرئيس بوتين الذي قدّم تنازلات لأمريكا مع بداية الألفية الثالثة - إذ أصبحت القواعد الأمريكية موجودة على حدود روسيا، كما أنَّ دول أوروبا الشرقية التي كانت خاضعة للهيمنة السوفياتية إبان الحرب الباردة، دخلت في معظمها إلى الاتحاد الأوروبي، وأصبحت منضوية تحت لواء الحلف الأطلسي - هذا الرئيس الروسي نفسه لن ينظر بعين الرضى إلى دخول أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي.

ويأتي تصعيد روسيا الأزمة مع أوكرانيا بعد عودة الديموقراطيين للحكم في الولايات المتحدة، لا سيما في ظل الرئيس جوزيف بايدن المعروف بتوجهاته الحادة تجاه روسيا. فعلى عكس معظم دول العالم التي انتابتها موجة ترحيب برحيل إدارة ترامب الجمهورية وتفاؤل بانتخاب الديموقراطي جوزيف بايدن، فإنَّ روسيا تبدي تحفّظاً تجاه إدارة بايدن الديموقراطية.

فالثابت تاريخياً هو أن معظم أصحاب السياسات الأمريكية المعادية لروسيا في الأساس هم من الديموقراطيين. وتشهد خلافات موسكو وواشنطن تجاذبات ومساومات صعبة، خصوصاً في قضيتي الدرع الصاروخية وانضمام أوكرانيا لحلف الناتو. وتحسّباً لهذه المواجهة المرتقبة ورغبة منها في اختبار النيات والإرادات، ومن أجل رفع سقف مساوماتها مع واشنطن، عمدت موسكو لانتهاج سياسة هجومية تقوم على أخذ زمام المبادرة، فقامت بتصعيد مع أوكرانيا. فروسيا تخشى حالياً مخطّطات الديموقراطيين لتوسيع الناتو شرقاً، وبالقطع ستعود أوكرانيا لتحتلّ المكانة الكبيرة التي كانت لها في التسعينات من القرن الماضي، حين باتت أوكرانيا ثالث دولة بعد إسرائيل ومصر في حجم المساعدات الخارجية. وسيعود اهتمام واشنطن بها إلى الازدياد بشكل كبير.

وإذا كان المؤرخون وعلماء الجغرافيا يقرّون بوجود أمة أوكرانية وهوية أوكرانية، إلا أن البلاد مقسمة الآن إلى قسمين متوازيين تقريباً على الصعيد الديموغرافي: قسم غني يقطنه السكان من أصل روسي وموال لروسيا، وقسم آخر أقل ثراءً، بسبب تدمير الزراعة في ظل النظام الشيوعي السابق، وهو غير متجانس، وموال للغرب. والحال هذه، يمكن القول إنَّ إسمنت الهوية الذي يلحم الكيان السياسي الأوكراني هش. فهذه الهوية الرخوة تأسّست خلال تاريخ اتسم بالسيطرة الأجنبية الشديدة في معظم الأحيان، البولندية - الليتوانية، الروسية، أو أيضا النمساوية - الهنغارية، وحتى العثمانية، إضافة إلى الاحتلال النازي في عهد هتلر. وشهدت حدود البلاد ترسيمات عدة كما هي الحال في بولندا.

توفيق المديني

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد