مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: حكّامُنا ربطوا مصيرَهُم بمصيرِ الكيانِ الصهيونيِّ وباتَ سقوطُ هذا الكيانِ سقوطاً لهم فدافعوا عنه وهاجموا وطعنوا بالظّهرِ كلَّ مقاومةٍ شريفةٍ أنتجتها الأمةُ

العدد رقم 283 التاريخ: 2021-05-07

إسرائيل في مسار تصعيد أمام إيران سيؤدي إلى مواجهة محتمة مع الولايات المتحدة

إسرائيل في مسار تصعيد أمام إيران سيؤدي إلى مواجهة محتمة مع الولايات المتحدة

ترسخ في الأيام الأخيرة الكلام الشائع حول التصعيد المتعمد ضد إيران، والذي بحسبه يتصرف رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بدافعين: الدافع السياسي وهو خلق حالة طوارئ أمنية من أجل تحسين المناخ السياسي الإشكالي الذي هو غارق فيه، ومحاولة تشكيل حكومة.

الدافع السياسي وهو إحباط وتعقيد المفاوضات غير المباشرة التي تجري في فيينا بين الولايات المتحدة وإيران فيما يتعلق بعودة الجانبين إلى المسار وإلى إطار الاتفاق النووي، وبذلك خلق مواجهة مع الإدارة الأمريكية التي، وفقاً لهذه النظرية، تساعده في الساحة السياسية. حتى لو كان هناك مبالغة في تشخيص الدافعين، فإن الاحتكاك غير الضروري مع الولايات المتحدة يكاد يكون مؤكداً.

لطالما كانت إيران القضية الأساسية والتأسيسية لنتنياهو منذ زمن بعيد وبعد تلاشي سحر "أنا فقط أحضرت اللقاحات" وعشرات "المحادثات الودية مع اليهودي الدافئ ألبرت (بورلا، الرئيس التنفيذي لشركة فايزر)"، فمن الطبيعي في محنته أن يعود إلى إيران مرة أخرى. توجد له مصلحة اساسية في الحفاظ على مستوى العداء والتوتر مع إيران. سواء لأنه يؤمن بذلك أو لأن هذا يخدمه.

بالنسبة لنتنياهو، العام دائماً هو 1938، وإيران هي ألمانيا النازية وهو النسخة المحدثة من ونستون تشرشل.  ضد هذا الخط، لم تكن هناك معارضة تقريباً في إسرائيل، باستثناء قلة في مجتمع المخابرات والجيش على مر السنين. نتنياهو يعتبر إيران تهديد وجودي وخطواته هي خطوات منع وإحباط تاريخية. أي انتقاد أو موقف مختلف في السياسة تجاه إيران هو كفر بهذا المبدأ وعدم وطنية.

تستند هذه الحكمة التقليدية إلى التنوير البسيط: نطاق الثرثرة، والتباهي بالذات، والغطرسة بالغمزات، وتحمل مسؤولية الأفعال بشكل خاص: ضد سفينة "سافيز" الإيرانية أمام سواحل إريتريا، والانفجار في شبكة الكهرباء في منشأة تخصيب اليورانيوم في نطنز وحتى الحديث الدائر حول التسريب المرفوض قبل الأوان لعملية ثالثة، يستهدف جر إيران إلى الرد.

طالما تصرفت إسرائيل بهدوء وتكتم وبدون أي موافقة أو مصادقة، يمكن لإيران أن تستوعب الضربة، ويمكن للولايات المتحدة أن تتجاهلها. ومنذ اللحظة التي تتفاخر فيها إسرائيل وتتباهى بإنجازات عملياتية، ناجحة ولكنها محدودة النطاق والوقت، وتضخيم نطاق الضرر.

لكن نظرة أوسع على الزمان والمكان تشير إلى أن هذا التصعيد مستمر منذ عامين ونصف، منذ الانسحاب الأحادي للولايات المتحدة والرئيس السابق دونالد ترامب من الاتفاقية في أيار 2018 حتى يومنا هذا. ديناميكية التصعيد لا تنفي الدوافع السياسية الداخلية والسياسة الخارجية لنتنياهو، وبالتأكيد لا تحميه من الانتقاد. ولكن السياق أوسع من صعوبات في المفاوضات الائتلافية. خلال هذه الفترة، وسعت إسرائيل حربها – معركة بين الحروب - من الجو والبرية والسايبر إلى الساحة البحرية، وفقاً للتقارير، وزادت حجم النشاط ضد السفن الإيرانية وخطوط التجارة البحرية.

وزير الامن الإسرائيلي في حينه نفتالي بينيت أطلق على ذلك "عقيدة الاخطبوط"، وفي إطار هذا الوقت حصلت انفجارات في نطنز. والولايات المتحدة اغتالت في كانون الثاني 2020 قائد "قوة القدس" في حرس الثورة الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، وفي تشرين الثاني 2020 تم إطلاق النار على فخري زادة وقتله، وهو عالم لقب بـ "أبو المشروع النووي الإيراني". الرئيس الإيراني حسن روحاني اتهم إسرائيل باغتيال فخري زادة ووعد بالانتقام. من هذه الناحية، بين إسرائيل وإيران لا توجد حرب ظلال أو معركة بين حروب، بل حرب متعددة الابعاد، حتى لو كانت بقوة ضئيلة نسبياً.

من له مصلحة في التصعيد؟

عندما نوحّد السياق الواسع وأحداث الأيام الأخيرة، يبدو ظاهرياً أن لإسرائيل مصلحة في التصعيد. إن استخدام التعبيرات التحليلية الجميلة "التصعيد التدريجي" أو "ضبط التصعيد" له مكانه في نظريات العلاقات الدولية أو التاريخ العسكري. في الواقع، لا يوجد شيء يسمى السيطرة على التصعيد. ومن هنا يطرح السؤال: هل تم النظر في التكلفة والعائد لإسرائيل بحيث يشكل أساس استراتيجية التصعيد؟ من الصعب معرفة ذلك، حيث لا اجتماعات وزارية ولا اجتماعات حكومية ولا لجنة خارجية وأمن ولا معارضة. هناك فقط نتنياهو.

لنتنياهو مصلحة في فشل المفاوضات الأمريكية الإيرانية. الخلافات في محادثات فيينا ليست فقط حول التوقيت والمعاملة بالمثل لسلسلة عمل الولايات المتحدة وإيران، والتي يمكن حلها من خلال الصيغ المتفق عليها، ولكن أيضاً حول قضيتين أساسيتين: أولاً، مطالبة إيران بتسوية فورية، حتى لو كانت متدرجة في تنفيذها، لـ "العقوبات غير النووية". هناك أكثر من 1200 عقوبة غير مرتبطة بشكل مباشر بالمشروع النووي الذي يغطيه الاتفاق النووي.

يتعلّق الأمر بعقوبات ضد شركات وخطوط تجارة وحسابات مصرفية ونشاطات مالية واشخاص عاديين. هذه العقوبات فرضتها الولايات المتحدة بقوة قوانين ضمن إطار مكافحة الإرهاب، وليس كجزء من منظومة عقوبات موجه بشكل محدد ضد المشروع النووي الإيراني. ورفع العقوبات يحتاج بناء على ذلك إلى إجراءات أطول ومصادقات في الكونغرس، وهذا ما تسعى إدارة بايدن إلى تجنبه في هذه المرحلة المبكرة حتى لا تضع الاتفاقية بأكملها في قلب المواجهة السياسية الداخلية التي تستنزف الطاقة.

في المقابل، إيران تقول إنه مع كل الاحترام لمصدر التشريع الأمريكي، إلا أن هذه العقوبات هي خرق صارخ وواضح للاتفاق النووي، لذلك فإن من وقعوا على الاتفاق في 2015 (الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا والمانيا) تعهدوا بـ "التوقف عن أي سياسة تضر بعملية التطبيع في العلاقات والعلاقات التجارية لإيران مع دول أخرى"، الأمر الذي تتسبب به العقوبات.

الموضوع الآخر المختلف عليه بين الطرفين في محادثات فيينا هو مطالبة أمريكا بتحسين الاتفاق الأصلي وإضافة أبعاد غير نووية إليه: تطوير صواريخ بالستية من قبل طهران، تأييدها لمنظمات ونشر وتشغيل شبكة "منظمات وكيلة" من قبلها مثل حزب الله وحماس والمليشيات في اليمن والعراق وسوريا. يبدو أن هذا موضوع يقف في مركز انتقاد إسرائيل للاتفاق الأصلي من العام 2015، وتوجد لإسرائيل مصلحة واضحة وأساسية في أن تواصل الولايات المتحدة المطالبة والتصميم عليه.

منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في أيار 2018 وحتى كانون الثاني 2021، عملت إسرائيل فراغ سياسية. ترامب ونتنياهو لم يطرحا في أي يوم اتفاق "أفضل" كما وعدا وتعهّدا بذلك. استراتيجية "الضغط الاقصى" لواشنطن تجاه إيران فشلت، العقوبات الشديدة أضرت كثيراً، لكنها لم تتسبب بانهيار اقتصاد إيران، وبالتأكيد لم تتسبب بانهيار النظام.

إيران بدأت في تخصيب اليورانيوم بمستويات أكبر بـ 12 ضعف الكمية التي كانت قبل الاتفاق. ومؤخراً بدأت في ضخ غاز اليورانيوم إلى 164 جهاز طرد مركزي متطور في منشأة نطنز النووية ووقعت على اتفاق شراكة استراتيجية مع الصين. أيضاً محاولة عزل إيران عن العالم فشلت.

مع ذلك، التصعيد الحالي يحدث في الوقت الذي تجري فيه الولايات المتحدة مفاوضات من أجل العودة إلى الاتفاق النووي. وسواء نجحت أم لا، وبأي شروط، فإن إسرائيل تعمل في دائرة قريبة جداً من المصالح الأمريكية. وإذا بقي نتنياهو رئيساً للحكومة فإن الأحداث الأخيرة هي جزء من مسار التصادم والمواجهة الحتمية والمتعمدة مع إدارة بايدن. وحسب جميع العلامات، نتنياهو ينوي العودة إلى النشاطات التي قام بها خلال المحاولة غير الناجحة لإحباط وإعاقة الاتفاق النووي في 2015: مواجهة مع الرئيس، اتهام الولايات المتحدة بالتسامح، ضعف وعدم فهم للخطر الإيراني، الذهاب إلى الكونغرس، وهناك سيكون الجمهوريون سعداء للانشغال في أي موضوع يمكنهم من فتح جبهة صاخبة ضد الرئيس الديمقراطي.

ولكن الظروف في سنة 2021 لا تشبه أبداً الظروف في سنة 2015. عملياً، لا يوجد حلف بين إسرائيل والسعودية ودولة الإمارات. السعودية تم إبعادها من قبل الولايات المتحدة، في الوقت الذي فيه اتحاد الإمارات تقوم بلعب لعبة مزدوجة ومنطقية، من ناحية التشدد ضد إيران في الظاهر والتحدث معها بهدوء. في البيت الابيض يجلس رئيس ديمقراطي بعيد عن التأثر بنتنياهو. وحتى تشرين الثاني 2022، على الأقل الديمقراطيون سيتحكمون بمجلس النواب ومجلس الشيوخ. لذلك، من غير الواضح ما هو هدف إسرائيل الاستراتيجي من جولة التصعيد الحالية، إلا إذا وافق المرء على الحكمة الشائعة وهي أن هذا الأمر ببساطة يخدم نتنياهو وليس بالضرورة إسرائيل.

صحيفة هآرتس -  الون بنكاس

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

 

إخترنا لكم من العدد