مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: حكّامُنا ربطوا مصيرَهُم بمصيرِ الكيانِ الصهيونيِّ وباتَ سقوطُ هذا الكيانِ سقوطاً لهم فدافعوا عنه وهاجموا وطعنوا بالظّهرِ كلَّ مقاومةٍ شريفةٍ أنتجتها الأمةُ

العدد رقم 283 التاريخ: 2021-05-07

بايدن والاستخبارات.. عودة إلى الأصول وحدودها

بايدن والاستخبارات.. عودة إلى الأصول وحدودها

على خلفية الأزمة العميقة التي ميّزت علاقة الرئيس السابق دونالد ترامب بمجتمع الاستخبارات الأمريكية، يُنظر إلى فترة بايدن المبكرة على أنها نوع من "العودة إلى المصادر" ما يعزّز مكانة "خبراء الاستخبارات" الذين خبرتهم وأنماط عملهم يجب أن تضمن تحليلاً للواقع بشكل احترافي ومحايد؛ وتوضيح أهمية المعطيات والمعلومات "الوقائع" والتحليل الذي يعتمد عليها كقاعدة لاتخاذ القرارات.

الأشخاص الذين عُيّنوا من قِبل بايدن في المناصب الأرفع في الجهاز وتقارير الاستخبارات التي نُشرت في الأسابيع الأخيرة من قِبَلِهم تعكس بوضوح هذا المنحى. يبدو إذاً أن توليه المنصب سيساهم في ترسيخ أسس العمل الاستخباراتي التي تزعزعت في عهد ترامب. مع ذلك، الإطار العام الأوسع الذي في نطاقه صيغ مفهوم الاستخبارات التقليدي تزعزع في عصر ما بعد - الحقيقة وهنا يطرح السؤال هل سينجح بايدن والمسؤولون الرفيعون الذين عيّنهم في إنشاء نطاق حديث ومناسب لعلاقات جهاز الاستخبارات مع الزبون الأرفع لديها.

عكست علاقة الرئيس دونالد ترامب مع مجتمع الاستخبارات الأمريكية أزمة عميقة في العلاقة المعقدة بالفعل بين عملاء المخابرات وصناع القرار. كشف تحليل الأزمة عن صورة معقدة. انتقاد ترامب لأجهزة الاستخبارات، الذي كان محقّاً في جزء منه، عكس في الواقع مشاكل أساسية خطيرة تعاني منها أجهزة الاستخبارات في الولايات المتحدة (وأجهزة الاستخبارات بشكل عام). لكن، يبدو أن الأزمة تتمحور حول مفهوم أساسي ومقلق للغاية لدى ترامب إزاء نفس عمل أنظمة توضيح الواقع في عملية اتخاذ القرارات، كذلك إزاء مكانة الجهات المهنية التي تعنى بهذا الشأن. ترامب زعزع في الواقع، بشكل علني وصارخ، الأساسين الرئيسيين للعمل الاستخباراتي: التشديد على المهارة، الخبرة وتبني أساليب عمل مخصصة للحد من الأخطاء وضمان تحليل مهني وحيادي، قدر الإمكان، للواقع، والتركيز على المعطيات والمعلومات ("الوقائع") في العمل الاستخباراتي.

لم يُعرِب ترامب عن ارتيابه إزاء الخبرة والوقائع في القضايا الاستخباراتية وإزاء المستوى الاستخباراتي المهني فحسب، بل أيضاً في تطرقه الأكثر شمولية لمكانتها في إجراءات اتخاذ القرارات. هذا التوتر ظهر أيضاً في تصرّف الرئيس إزاء جائحة كورونا. منذ نشوب الأزمة، عارض الرئيس بشدة المعلومات والمعطيات الواضحة التي تشير إلى أزمة خطيرة، والخبراء الذين قدّموا هذه الوقائع. لقد حرَّف، كذَّب، وقلَّل من أهميةِ المعطياتِ، وعندما لم يتّفق معه الخبراء، انتقل إلى الهجوم المباشر عليهم.

أسلوب بايدن لتوضيح الواقع وفهمه، ولمكانة الوقائع والتحليل المهني الذي يعتمد عليها يبدو مختلفاً تماماً. لقد انعكس في خطاب تأديته اليمين، الذي شخّص فيه جيّداً سمات هذه الفترة، وكرّر تشديده على أهمية الحقيقة في الوقت الحالي. شدّد بايدن على أن هناك حقيقة وهناك كذب، حيث على الجميع، وبالأخص القادة، مسؤولية للدفاع عن الحقيقة ودحض الأكاذيب؛ والإعلان عن حرب على ثقافة المعلومات الخاطئة والمضللة. يُكثر بايدن من التشديد على هذا الخط الواضح بشكل دائم أيضاً في خطاباته منذ توليه المنصب. في خطابه التلفزيوني الأول، قال إن السبيل الوحيد للتغلّب على أزمة الكورونا هو عبر قول الحقيقة، وتقريباً في كل خطاب أو تصريح آخر له يكرّر أن الشعب الأمريكي يريد "حقيقة ووقائع".

أسلوب بايدن ينعكس بوضوح أيضاً في تعييناته للمناصب الرئيسية في جهاز الاستخبارات. أبريل هاينس، عينها في منصب رئيس الاستخبارات القومي، لديها خبرة عملانية في عالم الاستخبارات، وعملت في السابق نائبة لرئيس الـ CIA. أشارت في تصريح لها أنه يلقى على الـ DNI واجب "power to speak truth to"، عبارة تشكّل ما يشبه شعار لجهاز الاستخبارات الأمريكي، مضيفة بأن ثمة أهمية للقيام بذلك خصوصاً عندما تكون المعلومات قاسية أو غير مريحة بالنسبة لأصحاب القرارات. ثمة تعيين رئيسي آخر لـ بايدن هو ويليام برنس، رجل وزارة الخارجية، في منصب رئيس الـ CIA. إلى جانب المعرفة التي تجمعهما منذ سنوات طويلة، يبدو أن أحد أسباب هذا التعيين هو أن برنس معروف كشخص مهني وغير حزبي، خدم في ظل أنظمة الديمقراطيين والجمهوريين، ميزة يقدّرها بايدن ويريد أن يحثّها في جهاز الاستخبارات. صحيح أن برنس رجل وزارة الخارجية، ليس لديه خبرة في وكالة الاستخبارات بحد ذاتها، لكن لديه خبرة لسنوات طوال في العمل الاستخباراتي وذلك في أعقاب مناصبه الرفيعة التي تولاها في وزارة الخارجية كونه سفير، وكذلك العلاقات الممتازة مع عناصر الخارجية والأمن القومي الرفيعين في الإدارة. في تصريح حول التعيين، أشار بايدن إلى أن الاثنين يتشاطران مفهوم عالم مشترك حول الحياد السياسي للاستخبارات وضرورة تقدير مهنية عناصر الاستخبارات. 

لوحظ التغيير مقارنةً بعهد ترامب في نشر تقريرَيْن استخباراتيَّيْن من قِبل جهاز الاستخبارات الأمريكي في الأسابيع الأخيرة، تقرير حول نتائج التحقيق باغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وتقرير آخر حول التدخّل الأجنبي في انتخابات 2020. يعتمد التقريران بغالبيتهما على المعلومات التي جُمِعت وعلى تحقيق أجراه جهاز الاستخبارات في فترة ولاية ترامب، ويتعلق بالقضايا التي كانت موضع خلاف بين جهاز الاستخبارات والمستوى السياسي القائم. التقريران بحد ذاتهما (اللذان مُنع نشرهما في عهد ترامب) يعكسان إلى حد كبير الفرق بين أسلوب الرئيس الأسبق والرئيس الحالي. التشديد الكبير على عرض "الحقائق"، مثلما طُبّق في التقرير حول التدخل الأجنبي في الانتخابات وبعض الشيء في التقديرات، ينسجم مع النهج الذي يتبعه بايدن في تطرقه إلى العمل الاستخباراتي.

على الأرجح أن بايدن سينجح في ترميم العلاقات بين البيت الأبيض وأجهزة الاستخبارات، لكن في فكرة "العودة إلى الأصول"، أي إلى أنماط العمل السابقة، تكمن أيضاً مشاكل لا بأس بها. هذه المسألة ترتبط بكون جزء من الانتقاد الذي وجّهه ترامب خلال فترة ولايته إلى أجهزة الاستخبارات كان محقاً، والتطرّق إلى مشاكل أساسية معروفة ما زالت قائمة في جهاز الاستخبارات الأمريكي ولا تتعلق عموماً بوجود ترامب في البيت الأبيض: فجوات منهجية وتنظيمية أفضت إلى إخفاقات تقديرية، إجراءات عمل بالية، لم تعد تتناسب مع التغيّرات التي حصلت في عصرِ المعلومات، ومنهج استخباراتي تقليديّ وإشكاليّ، يتّسم به البعض في الجهاز الأمريكي، حيث في معياره المتطرّف يظهر عناصر الاستخبارات كمرشدين لأصحاب القرارات ويريد لنفسه احتكار توضيح الواقع إزاء العدو والمحيط.

إلى جانب تصرّفه المتزعزع، وضع ترامب بناءً على ذلك أيضاً رؤيا تنطوي على تحدٍّ أمام الأجهزة الأمريكية والمنهجية الاستخباراتية عموماً. ثمة للحقائق، الخبرة والتحليل المهني، بالتأكيد، مكاناً رئيسياً، لكن التبجّح بتعليم أصحاب القرارات على أساسها، لا يتناسب مع طبيعة هذه الفترة (ولم يتناسب معها في الماضي أيضاً). دائماً ما تكون الخبرة الاستخباراتية جزئية، هشّة، مؤقتة ومرتبطة بسلسلة طويلة من العوامل. في جزء كبير من القضايا، هي ليست سوى منظومة تقديرات قيد الاختبار. في جزء آخر، صاحب القرارات عموماً ليس بحاجة إلى المعلومات، بل إلى إدراك وجهات تطوّر محتملة. كذلك كان هناك مكان للشكوك التي أظهرها ترامب إزاء بعض القضايا ومن المحتمل أنها أفضت إلى إعادة النظر ببعض المفاهيم الاستخباراتية القديمة.

لدى بايدن ماضٍ طويل في الشؤون السياسية ولقد عني بما لا بأس به من الشؤون الاستخباراتية. وُصِفَ في تصريحات متنوعة على أنه شخصية رئيسية، تدمج في عملية اتخاذ القرارات أبعاد صحيحة للارتياب والجدال. هكذا، على سبيل المثال، في عدة أحداث - على شاكلة عملية اصطياد بن لادن، القرار إزاء التدخل العسكري في ليبيا عام 2011، والمناقشات حول حجم التدخل العسكري في أفغانستان عام 2009 - وُصِفَ بايدن من قِبل الرئيس أوباما ومسؤولين آخرين كصاحب مهمة "محامي الشيطان"، عامل يستخدم كـ "طاقم أحمر" بحسب الرأي السائد في الغرفة، ضمن رغبة بتحدٍّ مفاهيمي، الخوض في تفاصيل المسألة، والتأكّد من أن المعطيات والمعلومات ذات الصلة معروفة لدى الحاضرين ومأخوذة بعين الاعتبار. في أغلب الأحيان تولى إدارة عملية اتخاذ القرارات لصالح الرئيس، سواءً عبر تشكيل غرفة اتخاذ قرارات تفكيرية، انتقادية وتشك بأن الجدال موجود فيه، أو عبر تجنيد أفكار الخبراء من أجل تقديم تصوّر.

يمكن التمني أن تؤثر شكوك بايدن أيضاً على علاقاته كرئيس مع أجهزة الاستخبارات. إلا أن الأجهزة الاستخباراتية تعيش أزمة عميقة للغاية، ترتبط بالاتساع الكبير لطبيعة هذه الفترة، حيث سينوب ترامب ويساعد في صياغتها. لا يدور الحديث فقط عن تعويم المعلومات فحسب، التي تلاقي أحياناً صعوبة في توضيح الواقع وفهمه، بل عن تحدٍ عميق جداً: العرف الليبرالي الذي في نطاقه صيغ مفهوم الاستخبارات السائد اليوم يعيش أزمة هو الآخر، في نطاقها القيم الرئيسية الأهم التي تستخدم لتوضيح الواقع - جدال، تعددية فكرية وسوق الآراء الحرّة - ليس فقط لم تتمكن من مواجهة تحديات الفترة، بل أيضاً أدخلت بحد ذاتها المشاكل الجديدة للفترة الحالية إلى غرفة اتخاذ القرارات وصياغة السياسة. السؤال هو إذاً هل سيتمكّن بايدن وطاقمه من مواجهة طبيعة الفترة الجديدة ورسم طريق جديد لعلاقات أجهزة الاستخبارات مع زبون الاستخبارات الأرفع لديها.

معهد أبحاث الأمن القومي- تومر برنت وإيتي برون

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

 

إخترنا لكم من العدد