مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: حكّامُنا ربطوا مصيرَهُم بمصيرِ الكيانِ الصهيونيِّ وباتَ سقوطُ هذا الكيانِ سقوطاً لهم فدافعوا عنه وهاجموا وطعنوا بالظّهرِ كلَّ مقاومةٍ شريفةٍ أنتجتها الأمةُ

العدد رقم 283 التاريخ: 2021-05-07

المَلَف النَّووي الإيراني: عَرقَلَةٌ إسرائيليةٌ وجزعٌ سُعوديٌّ وتَحَايُلٌ أَمريكي

زينب عدنان زراقط

المَلَف النَّووي الإيراني: عَرقَلَةٌ إسرائيليةٌ وجزعٌ سُعوديٌّ وتَحَايُلٌ أَمريكي

المفاوضات الإيرانية حول ملفها النووي تسير بمسارها الطبيعي الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى رضوخ واشنطن أمام أهون الشرّين، وهو السير بالمفاوضات وإن انكسر التعنُّت الأمريكي عند مطلب طهران برفع جميع العقوبات مقابل ألاَّ تسمح لإيران بالمُضيِّ في التوسُّع بنشاطها النووي.

المفاوضات تُناقَشُ بتأنٍّ وحذر في ظل الغياب الحاضر للطرف المعنيّ المباشر "الأمريكي" المُقرِّ بانهزامه في نفسه إلاَّ أنه يسعى لاستغلال أي محاولة لاستفزاز طهران، وفي المُقابل فإن الكيان الصهيوني يعبّر عن جزعه من سير الأحداث ويرسل إنذارات ناعمه تحكي هوانه أمام إيران عن خوض أي حرب، ورسالة إقرار ترجو من الأمريكي أن يضمن له أمانه!. أمريكا تراقب من المقعد الخلفي سير المفاوضات - التي تسير أساساً وفق توجهاتها وإن غابت -، التي ترمي عن بُعد ومن خلف الكواليس لإدراج الملفات الأخرى العالقة في المنطقة وأبرزها "حرب اليمن" ضمن المناقشات الإيرانية - كونها عصب المقاومة الأساس - مُحاوِلةً أن تحظى بمكسبٍ ما لتهدئة روع السعودية القلقة جداً حيال نجاح المفاوضات مع إيران، التي تُفضي إن نجحت إلى انفراج اقتصادي ضخم وذلك ومن دون شكّ ستعود تبعاته الإيجابية على كافة محور المُمانعة ما سيُشكّل تهديداً أكيداً للسعودية التي تلفظُ أنفاسها الأخيرة على أرض اليمن، والأمريكي يأبى أن يُعطي الأمر بوقف هذه الحرب دون مُقابل!.  

مفاوضات تسير في صالح إيران

حتى انتهاء الجولة الثانية للجنة المشتركة للاتفاق النووي من اجتماعها في العاصمة النمساوية فيينا، كانت إيران ملتزمة بنسبة 20% من التخصيب وأكَّد رئيس الوفد الإيراني عباس عراقجي "أن أياً من أنشطة إيران النووية لن يتوقف ولا حتى ينخفض قبل الإلغاء الكامل للحظر من قِبَل أمريكا وعودتها للاتفاق النووي". موضحاً أن التفاوض مع مجموعة دول الأعضاء الراهنة في الاتفاق النووي، أي الدول الأوروبية الثلاث وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي بصفته منسق الاتفاق النووي وهم من جانب آخر يتحدثون مع الأمريكيين بالأسلوب الذي يرتؤونه وينقلون لهم النتائج.

كما أكد مساعد وزير الخارجية الإيراني عراقجي أن "هناك مؤشرات تدل على أن الأمريكيين يدرسون مواقفهم ويتجهون نحو رفع الحظر بشكل كامل عن إيران، لكننا لسنا في وضع يسمح لنا بالحكم، ولم تنته المفاوضات بعد" جازماً أن هنالك "طريقاً طويلاً لنقطعه، على الرغم من إن حركتنا تمضي قُدُماً وأجواء المفاوضات بنّاءة". وذلك ما أعرب عنه البيت الأبيض بتصريحه "نعلم أن المحادثات مع إيران ستكون عملية طويلة لكنها خطوة إيجابية".

إسرائيل تضرب مفاعل "نطنز" الإيراني

إنَّ هذه الوتيرة الإيجابية من سير المفاوضات وعودة أمريكا من جديد إلى الملف النووي مع إيران أقلق الكيان الإسرائيلي الذي لا مقعد له ولا موقف يذكر عنه في هذه المفاوضات التي هي في الحقيقة تشكّل التهديد الأكبر على وجوده مقابل المقاومة التي سيُرفع الحصار عنها!. فاختارت إسرائيل العمل التخريبي للسفن الإيرانية والمفاعلات النووية لإظهارها أمام الرأي العام بأنها كيانٌ موجود يجب الالتفات اليه، أما صورتها الحقيقية فهي قاصرةٌ وعاجزةٌ أمام أي تهديد من قبل إيران وتطالب أمريكا بحصَّتها بما يكفل وجودها في صلب المفاوضات مع إيران.

المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بهروز كمالوندي أَعلن فجر يوم الأحد عن وقوع حادث في قسم شبكة توزيع الكهرباء في منشأة تخصيب اليورانيوم بمفاعل نطنز لم تؤدِّ إلى تلوُّث نووي ولم ينجم عنها أي إصابات. وأكد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بأن الكيان الصهيوني سيتلقّى الرد إنْ ثَبُت ضلوعُه في العمل التخريبي الذي تعرّضت له منشاة نطنز النووية وسيعلم حينها أي حماقة ارتكب. وشدَّد الرئيس حسن روحاني أنه "لا يمكن أن تمرّ جرائم الأعداء من دون رد وسنقطع أيادي المعتدين على إيران".

يأتي توقيت هذا الهجوم السايبري بعد حوالي الشهر من إعلان إيران عن البدء بعملية ضخ الغاز في أجهزة طرد مركزي من الجيل الجديد IR-9 في مجمع نطنز لتخصيب اليورانيوم بإيعاز من رئيس الجمهورية حسن روحاني وفي الذكرى الـ 15 لليوم الوطني للتكنولوجيا النووية الإيرانية الشهر الماضي.

كما وأنها ضربةٌ تخلّلت انعقاد المفاوضات النووية الإيرانية الأمريكية، وبما أن الكيان الإسرائيلي هو المتهم لا بل وتبنى رسمياً الهجوم السايبري لمنشأة نطنز النووي وفي حين أن التصريحات الأمريكية عبر جريدة واشنطن بوست أعربت عن أن "ليس للولايات المتحدة أي دور في عملية منشأة نطنز"، تفيد التحليلات السياسية إلى أن الاستهداف يرمي إلى عرقلة المفاوضات تخوفاً من توسّع النفوذ الإيراني وبالتالي زيادة الدعم والإمدادات لمحورها في المنطقة!.

إيران تهدد إسرائيل

مساعد رئيس الجمهورية رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية "محمد رضا صالحي" اعتبر حادث الإخلال في شبكة توزيع الكهرباء في موقع نطنز النووي بأنه إرهاب نووي يجب على المجتمع الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية التصدي له، مؤكداً احتفاظ إيران بحقها في اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد الضالعين فيه. كما صرَّح يوم الاثنين الفائت المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة، أن بلاده ستردُّ على الكيان الصهيوني في الزمان والمكان المناسبين على هجوم نطنز، مشيراً إلى أن الحادثة كانت ستؤدي إلى كارثة وجريمة ضد الإنسانية في حال أدّت إلى تلوث إشعاعي، مضيفاً أن اجهزة الطرد المركزي التي خرجت من المدار إثر حادث نطنز يوم أمس كانت من طراز IR1 وسيتم تعويضها بأجهزة أكثر تطوراً.

بدوره وزير الخارجية محمد جواد ظريف، اتهم إسرائيل بالمسؤولية عن العمل التخريبي الذي حدث في منشأة نطنز النووية وأكّدَ أن الكيان الصهيوني يريد الانتقام من الشعب الإيراني للنجاحات التي حققها في مسار رفع الحظر الجائر، وأنه لن يُسمح له القيام بذلك وسيتم الانتقام من ممارساتهم. وقد أشار إلى أن مسؤولي الكيان الصهيوني كانوا قد أعلنوا بصراحة أنهم "لن يسمحوا بأي تقدّم على صعيد رفع الحظر عن إيران"، وأنهم يتصورون هدفهم قد تحقّق، لكنهم سيتلقون "الرد بمزيد من تطوير الصناعة النووية في إيران".

تصعيد بالإنتاج النووي

أرسل وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدكتور ظريف رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة حول استهداف منشأة الطاقة النووية الأخير، واصفاً إياه بأنه إرهابٌ نوويٌ وجريمةُ حربٍ مؤكداً أن التهديدات الإسرائيلية باتخاذ إجراءات لمنع عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي بدأت تظهر الآن. وجاء في الرسالة تبليغه أن البرنامج النووي الإيراني "سيقوم بقفزة بعد الهجوم الأخير على منشأة نطنز". لتُعلن بعدها منظمة الطاقة الذرية الإيرانية أنها ستبدأ بتخصيب اليورانيوم بنسبة 60%، مشيرة إلى أنه ضروري لإنتاج الأدوية المشعة.

وذلك ما أكدته أيضاً وكالة الطاقة الذرية يوم الثلاثاء الماضي بتصريحها "أبلغتنا إيران عن نيتها بالبدء بتخصيب اليورانيوم بنسبة ستين في المئة في مصنعها بنطنز وأبلغتنا نيتها تركيب 1024 جهاز طرد مركزي إضافي". كما أوضح مندوب إيران الدائم لدى المنظمات الدولية في فيينا كاظم غريب آبادي أن الرئيس الإيراني حسن روحاني أصدر القرار برفع تخصيب اليورانيوم إلى 60% وفقاً لحاجة البلاد وامتثالاً للقرار الذي أصدره البرلمان الايراني "قانون المبادرة الاستراتيجية لإلغاء الحظر والحفاظ على مصالح الشعب الإيراني" ويأتي ذلك رداً على جريمة ضرب المفاعل النووي.

نتنياهو يحفر هوَّة هلاكه بيديه

أما على صعيد الكيان الصهيوني، فقد اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، إيهود أولمرت، أن رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، مستعد لبيع أمن إسرائيل من أجل تحقيق أمنه الشخصي. واتّهمه بالتسريبات المتعمّدة التي يُساندها، ربما لخدمة مصالحه السياسية أو الشخصية، مشيراً إلى أنه من الممكن أن يكون هنالك قنبلة مهرّبة إلى الموقع النووي قد تم تفعيلها عن بعد.

وأضاف أولمرت أن هدف نتنياهو من تسريب عملية الهجوم على نطنز هو خلق جو من التخوف من تطورات عسكرية في ظل الحكومة المنقسمة بين الأفرقاء السياسيين وإخبارهم بأنه يمكن أن تتطور الأمور إلى حرب ومواجهة عسكرية خوفاً من فقدان منصبه في الحكومة غير النافذة حالياً. كما أكدّ أن نتنياهو "يتعمَّد استفزاز الأمريكيين في الوقت الذي يتضح فيه احتمالية أنهم يريدون الدخول في ترتيب جديد مع الإيرانيين".

استهداف سفينة إسرائيلية في الامارات

لم تمر سوى أيام قليلة على استهداف منشأة نطنز، حتى تم الإعلان يوم الثلاثاء من هذا الأسبوع عن استهداف سفينة إسرائيلية في مياه الخليج الفارسي قرب ميناء الفجيرة في الإمارات. إنها ضربةٌ جاءت تناسُبِيّة مع الاعتداء الإسرائيلي الذي سبقه، من دون أن تُسفر عن إصابات بشرية أو أضرار مادّية جسيمة. وتشير التقارير الأولية إلى أن السفينة المستهدفة اسمها "هايبيرن" وهي تابعة لشركة "pcc" الإسرائيلية وكانت ترفع علم الكيان الصهيوني كما وأنها مملوكة لرجل أعمال إسرائيلي هو صديق مقرب لرئيس الموساد وتشير المعلومات إلى أن السفينة الإسرائيلية كانت تتستر خلف الفرقاطة البلجيكية BNS، التي تعمل في إطار مهمة بحرية أوروبية بالقرب من مضيق هرمز!.

وادّعت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن السفينة قد تمّ استهدافها من قِبَل إيران بصاروخ أو بطائرة بدون طيار دون أن يصدر عن الجانب الإيراني أي تصريح حول الحادثة.

السعودية ترتعد خوفاً

عبّرت السعودية ببيان رسمي عن وزارة خارجيتها نشرته وسائل الإعلام الرسمية يوم الأربعاء عن قلقها إزاء نية إيران البدء في تخصيب اليورانيوم بدرجة نقاء 60%، معتبرةً أن "مثل هذه الخطوة لا يمكن اعتبارها جزءاً من برنامج نووي سلمي"!.

السعودية هي تماماً كما الإسرائيلي – وإنما بالطبع لا تجرؤ على القيام بعمل عسكري ضد إيران! -، تسأل الأمريكي عن مصيرها بعد عودتها إلى الملف النووي ورفع أشكال الحظر عن إيران، فهي إن كانت عاجزة عن التصدي للهجمات اليمنية لأنصار الله ومع هذا القدر – تحت العقوبات - من المساعدات الإيرانية، تُرى بعد إسقاط الضغوطات الأمريكية والحظر عن إيران - وانفراج الامدادات لمحور إيران -، مدى الصواريخ اليمنية "المدعومة من إيران!!" هل ستصل الى عُقر "ابن سلمان ونتياهو" في مقرّهم لاستراتيجي "نيوم" المُحاذي لمُفاعلاتهم النووية المُخبّأةِ هُناك!!.

ماذا عن النشاط النووي الإسرائيلي؟!

نحن في عصرٍ يتم تحريض العالم كله على إيران بذريعة برنامجها النووي وكأنه لا يحق لها استخدام البرنامج النووي في الأغراض والاستخدامات السلمية وللجوانب الدفاعية المشروعة - مع العلم أنها تعمل بكامل الشفافية وتُصرّح عن جميع أشكال نشاطاتها وتقنيات صناعتها -، أما البرنامج النووي الإسرائيلي فلا يجب أن يُذكر أو يُسأل عنه كونه تحت مظلّةِ الشيطان الأمريكي الذي يعطيه الحرية المُطلقة بأعماله النووية!.

مفاعل ديمونة الإسرائيلي في صحراء النقب الفلسطينية المحتلة والمطلة على البحر الأحمر، أنشئ في الخمسينيات من قبل خبراء يهود من جنسيات مختلفة وهو يصنّع مادة "البلوتونيوم" وقوداً لترسانة إسرائيل التي تقدر بـ 80 رأساً نووياً!!. ولقد تم تطويره وتحديثه وتتواصل فيه الأبحاث النووية دون أن تتوفّر أي معلومات مُصرّح عنها عن طبيعة المهام والأعمال التي تُقام داخل هذا المُفاعل النووي والتي هي في الغالب لا تصب في خدمة الإنسانية، ولا تمت بأدنى صلة للأغراض السلمية، وفي هذا السياق تُطرح تساؤلات -حتمية الإجابة فلا شكّ فيها - عن صناعة قنابل ورؤوس نووية إسرائيلية داخل هذا المفاعل وسط تكتُّمٍ وحذرٍ دوليٍّ. ويبقى هذا الكيان بمنأى عن أي مساءلةٍ أو استجواب أو حتى إشارةٍ أو تلميحٍ دوليٍّ حيال برنامجه النووي!! فذلك حال سيّده المتغطرس الأمريكي الذي يستخدم التقنيات النووية في جرائم الإبادة وتعزيز نفوذه وخدمةً لمشاريعها الاستيطانية، وخير شاهد على الوحشية والإجرام الأمريكي الذي لا تزال اليابان تعانيه من القنابل الأمريكية النووية التي ألقتها عليها!.

وفي أنباءٍ حول المفاعل الإسرائيلي مؤخراً فقد ظهرت صورٌ تمَّ نشرها عبر "منظمة دولية غير حكومية تسعى للحد من انتشار الأسلحة النووية" الشهر الماضي، تُبْرز أن إسرائيل تقوم بأعمال بناءٍ جديدة هي الأولى منذ عقود في مفاعل ديمونا!.

تائهون في "إطار الرُعب النووي الإيراني"!

في الختام، إنَّ جدلية التصنيع النووي وهواجس أمريكا واللوبي الصهيوني من نشاط إيران الصناعي ما يعني أن كل محور المقاومة من الممكن أن يكون بحيازته سلاحٌ نوويٌّ إن استدعى الأمر بسبب الضغط الذي يمارسه العدو في أي حربٍ من الممكن أن يقترفها، ومن منحى آخر فإن هذا الأسلوب الأمريكي الصهيوني فيه اعتراف صريح على قدرة وكفاءة إيران في هذا المجال على الرغم من أنَّ لهم ما لهم من المفاعلات النووية والنشاطات المحرّمة دولياً وإنما يبقون تائهون في "إطار الرُعب النووي الإيراني"!.

على كُلٍ، إن حماقات إسرائيل بالضربات السيبرانية على إيران، دفعت النشاط الإيراني منذ ساعتها لأن يتضاعف مرتين ونصف، وعليه الآن فقد بات من غير المعلوم إن كانت إيران ستعود لتفاوِضَ على المنسوبِ الأدنى السابق أم أنَّ هذه القفزة بالتصنيع النووي ستكون صفعةً يندمُ عليها الصهيونيُّ ولا رجوعَ لإيران عنها حتى هلاكه وذلك ما ستُبيّنهُ الأيام القليلة الآتيةِ!.

زينب عدنان زراقط

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد