مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: حكّامُنا ربطوا مصيرَهُم بمصيرِ الكيانِ الصهيونيِّ وباتَ سقوطُ هذا الكيانِ سقوطاً لهم فدافعوا عنه وهاجموا وطعنوا بالظّهرِ كلَّ مقاومةٍ شريفةٍ أنتجتها الأمةُ

العدد رقم 283 التاريخ: 2021-05-07

فشل جولة كينشاسا تنذر بحرب بين مصر وإثيوبيا

توفيق المديني

فشل جولة كينشاسا تنذر بحرب بين مصر وإثيوبيا

فشلت جولة المباحثات بين مصر والسودان وإثيوبيا التي عقدت في كينشاسا بالكونغو الديمقراطية على مدار يومي 4 و5 نيسان/ أبريل 2021، بعد شهور من تجمد المفاوضات تحت رعاية الاتحاد الأفريقي، بسبب تمسك جميع الأطراف بمواقفهم المعلنة مسبقاً، وخصوصاً في ظل تنامي تعقيدات العلاقة مع السودان وإصرار إثيوبيا على فكرة السيادة المطلقة على المياه.

لماذا ترفض إثيوبيا الوساطة الدولية؟

لم تحقق جولة المفاوضات، التي عقدت خلال يومي 4 و5 نيسان/ أبريل 2021  في كينشاسا عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية، وشارك فيها وزراء الخارجية والري من السودان ومصر وإثيوبيا، ورعاها رئيس الكونغو الديمقراطية الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي فيليكس تشيسيكيدي، للنظر في إمكانية تغيير منهج التفاوض الثلاثي حول سد النهضة، لم تحقق أي تقدم، ولم تفض إلى اتفاق حول إعادة إطلاق المفاوضات، حيث رفضت إثيوبيا المقترح الذي قدمه السودان وأيدته مصر بتشكيل وساطة رباعية دولية تضم الاتحاد الأفريقي، والاتحاد الأوروبي، وهيئة الأمم المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، جملة وتفصيلاً، وتمسكت بالوساطة الأفريقية، ما عمق الهوة بين أطراف النزاع.

وقالت الخارجية المصرية، في بيان لها، أن إثيوبيا رفضت كذلك خلال الاجتماع كافة المقترحات والبدائل الأخرى التي طرحتها مصر وأيدتها السودان من أجل تطوير العملية التفاوضية لتمكين الدول والأطراف المشاركة في المفاوضات كمراقبين من الانخراط بنشاط في المباحثات والمشاركة في تسيير المفاوضات وطرح حلول للقضايا الفنية والقانونية الخلافية.

واتّهمت الخارجية المصرية بغياب الإرادة السياسية لديها للتفاوض بحسن نية وسعيها للمماطلة والتسويف من خلال الاكتفاء بآلية تفاوضية شكلية وغير مجدية، محذرة في الوقت نفسه من أن ذلك سيؤدي إلى تعقيد أزمة سد النهضة وزيادة الاحتقان في المنطقة.

أما وزير الري والموارد المائية السوداني، ياسر عباس، فقد قال في مؤتمر صحافي له بالخرطوم، يوم الأربعاء 7نيسان/أبريل 2021، بعد عودة وفد التفاوض من كينشاسا، أن فريق التفاوض وفريقاً آخر مسانداً له، يواصل اجتماعات مستمرة لتحديد الخيارات الأفضل للسودان من النواحي الفنية والسياسية والقانونية. ولم يستبعد عباس أن يكون خيار مجلس الأمن الدولي من بين تلك الخيارات المتاحة والممكنة والتي يكفلها القانون الدولي، إضافة إلى التصعيد داخلياً وخارجياً وإعلامياً.

وحمّل عباس مسؤولية فشل مفاوضات كينشاسا لإثيوبيا، مشدداً على أنها تعنّتت تجاه كل المقترحات التي قدمها السودان ومصر خلال الجلسات، ومن بينها مقترح مصري يستبعد فكرة الوساطة كلياً مع التوصل لاتفاق في غضون 8 أسابيع، وأشار الوزير إلى أن أديس أبابا تعمل منذ فترة على شراء الوقت قبل الملء الثاني لسد النهضة الذي سيكون له آثار كبيرة على السودان، إذا تم دون اتفاق.

من جهتها استمرت إثيوبيا في اتّباع سياسة استنزاف الوقت، والدفع بمصر تحديداً إلى الحافة لاختبار مدى جديتها في تنفيذ التهديدات بالحلّ العسكري، في ظل ضمانات دولية مختلفة حصلت عليها أديس أبابا بأن القاهرة تخشى اتخاذ خطوة عسكرية خوفاً من العقوبات الدولية. وبالتالي فإنَّ وجهة النظر الإثيوبية تتمثل في استمرار العمل على إنجاز الملء الثاني لسد النهضة في موعده المحدد، أو قبله، وفقاً للدراسات الفنية الأخيرة التي تتفاءل بفيضان مماثل لفيضان العام الماضي، ومن ثم وضع مصر أمام الأمر الواقع، الذي يصعب معه اتخاذ خطوات تصعيد عسكري ضد السد، وإلا فسوف تحل كارثة بيئية غير محمودة العواقب في السودان.

ورفضت إثيوبيا أيضاً أن تسند الدول الثلاث لآلية الوساطة جميع الملفات التي كانت السودان ومصر تطالبان بإيكالها إليها، وأولها صياغة اتفاق نهائي لقواعد الملء والتشغيل، بحيث ترعى الآلية صياغة نهائية وموحدة لجميع البنود التي شهدت المفاوضات السابقة خلافات واسعة بشأنها، ومنها وضع برنامج واضح ومسبق ومتفق عليه للملء المستمر والدائم للسد، والاتفاق على حجم التدفق اليومي من السد والذي سيصل إلى سد الروصيرص في السودان، والاتفاق على حجم التدفق العام في فترات الجفاف والجفاف الممتد. والملف الثاني هو القيام على ضمان سياسي وتفاوضي لتقديم إثيوبيا خطتها طويلة الأمد للاستخدامات الخاصة بالمياه، سواء كانت مخصصة لإنتاج الطاقة أو الزراعة أو غيرهما، تحقيقاً لمبدأ عدم الإضرار بدولتي المصب. والملف الثالث هو حسم المواضيع القانونية العالقة والتي من بينها التوافق على آلية فضّ المنازعات التي ستنشأ مستقبلاً حول تشغيل السد والملء، والبت في اقتراح مصري سوداني بأن تظل الآلية الرباعية هي مرجعية فضّ المنازعات وليس الاتحاد الأفريقي فقط. والملف الرابع هو القيام بضمانة سياسية في المقام الأول لالتزام إثيوبيا بتنفيذ الاتفاق واعتباره ملزماً بشكل نهائي، وعدم التراجع فيه، أو الالتفاف عليه. أما الملف الخامس فهو رعاية وضع أسس تفاوضية لأي اتفاق مستقبلي بشأن التطورات التي ستطرأ على حوض النيل الأزرق مثل السدود والمشاريع والبحيرات الصناعية. وذكرت المصادر أن إثيوبيا تصرّ أيضاً على إخراج الملفات الثالث والرابع والخامس المذكورة سلفاً من أي مفاوضات بوساطة دولية، زاعمة أن اتفاق المبادئ يكفي لحسم تلك المسائل.

تراجع حصص الماء التاريخية لمصر

تقول مصر إن سد النهضة يحرمها من حصصها التاريخية في مياه النيل بسبب إصرار أديس أبابا على الملء الثاني لسد النهضة  في تموز/يوليو2021، وسط خلاف حاد مع القاهرة والخرطوم، وتعثّر المفاوضات التي بدأت قبل 10 سنوات ويديرها الاتحاد الأفريقي منذ أشهر عدة. وتكتسب مصر حقّاً من مياه نهر النيل يقدر بـ 48 مليار متر مكعب سنوياً، وفقاً لاتفاقية تقاسم المياه الموقع بالقاهرة عام 1959. وتضمنت الاتفاقية توزيع الفائدة المائية من السد العالي، الذي أنشأته مصر على النهر، البالغة 22 مليار متر مكعب سنوياً، مع السودان حصول القاهرة على 7.5 مليار متر مكعب، ليصل المجموع إلى 55.5 مليار متر مكعب سنوياً.

ويبلغ مجموع الموارد المائية لمصر من النيل، وغيرها من مياه الأمطار والمياه الجوفية، 72 مليار متر مكعب، لكن هذا الرقم تناقص مع تفاقم أزمة سد النهضة على مدار السنوات الماضية، ووصل حتى العام 2013 إلى 70 مليار متر مكعب، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

ويُعَدُّ نهر النيل أهم الموارد المائية لمصر في استخداماتها المختلفة، وتبلغ الحصة من مياهه 55.5 مليار متر مكعب، بواقع 79.3% من مجمل الموارد المائية، وهو يغطي 95% من حاجات مصر الحالية. وتقدر كمية المياه الجوفية المستفاد منها في مصر حوالي 6.1 مليار متر مكعب في السنة، في مناطق الوادي والدلتا، ويمكن زيادة هذه الكمية مستقبلاً لتصل إلى 7.5 مليار متر مكعب في السنة، دون تعريض المخزون الجوفي للخطر.

ولا تعد الأمطار مصدراً رئيسياً للمياه الجوفية في مصر، بسبب قلة كمية المتساقطات شتاءً، وتبلغ كمية مياه الأمطار التقديرية 1.3 مليار متر مكعب في العام. لكنَّ أحد أبرز المصادر المائية الهامة لمصر تأتي من مياه الصرف الصحي، بسبب كميتها الكبيرة، إذ يبلغ المتوسط السنوي لمياه الصرف الزراعي قرابة 12 مليار متر مكعب في السنة، يعاد استخدام 5.7 مليار متر مكعب منها حالياً، وسط خطط من أجل رفع نسبة الاستفادة إلى أكثر من 10 مليارات متر مكعب. وتقدر كميات مياه الصرف الصحي بمصر بنحو 2.5 مليار متر مكعب سنوياً، ويعاد استخدام 1.3 مليار متر مكعب منها، بعد معالجتها في محطات تنقية لمشاريع الاستزراع الصحراوي واستخدامات المياه المختلفة.

ويُعَدُّ الاستخدام الزراعي أبرز قطاعات استهلاك المياه في مصر، بسبب الأراضي الزراعية الشاسعة، ويذهب إليها نحو 59.3 مليار متر مكعب سنوياً، بواقع 86% من إجمالي استخدامات المياه في البلاد. ويحتاج القطاع الصناعي نحو 7.8 مليار متر مكعب، لكن المستهلك منها فعلياً نحو 1.15 مليار متر مكعب سنوياً، وباقي الكمية تعود إلى النيل والتّرع والمصارف بصورة ملوثة.

وعلى الرغم من حدوث تناقص في الموارد المائية في مصر، إلا أن نسبة الأراضي الزراعية ارتفعت ووصلت إلى 9.4 فدان على مستوى البلاد عام 2020، بحسب بيانات لوزارة الزراعة. مقارنة بـ 9.2 مليون فدان في العام 2019. لكن هذه الزيادة في مساحات الأرض الزراعية، مقابل تناقص الحصة المائية لمصر من مياه النيل، تضع مصر أمام كارثة كبيرة على الصعيد الزراعي، ووفقاً لأبحاث جامعة القاهرة، فإن تأثيرات سد النهضة، والذي سيجعل الحصة المائية من النيل نحو 34 مليار متر مكعب سنوياً، سيهدد الزراعة والثروة الحيوانية، والعديد من المشاريع التنموية، ويفاقم مشكلة الجفاف.

وقدرت أبحاث الجامعة، أن الانتهاء من السد يعني أن حصة مصر ستتراجع بواقع 9- 12 مليار متر مكعب سنوياً، وفي حال إكمال إثيوبيا بناء السدود المتكاملة، وعددها أربعة، فإن النقص سيرتفع إلى 15 مليار متر مكعب، ما يعني خسارة مصر 3 ملايين فدان زراعي، والمحصلة تشريد 5 - 6 ملايين مزارع.

بناء سد النهضة مشروع قومي لإثيوبيا

حسب قول الخبير الإفريقي "محمد صلاح" مدير وحدة الدراسات في المركز الأفريقي للأبحاث ودراسة السياسات (أفروبوليسي)، يُعَدُّ بناء سدَ النهضة مشروعاً مصيرياً لرئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، القادم من جهاز الاستخبارات، والذي ترأّس الحكومة الإثيوبية بصيغة "انتقالية"، عام 2018، بعد مرحلة من الفوضى والاحتجاجات على حكم أقلية التيغراي، الذي استمر منذ مطلع التسعينيات.

وكلفت الحكومة المؤقتة بتهيئة الظروف في البلاد وإنهاء النزاعات لاستئناف العملية الديمقراطية، وقد حقق نجاحات كبيرة، منحته جائزة نوبل للسلام عام 2019. لكن شكوكاً حول احترامه التفاهمات التي جاء بموجبها لسدة الحكم، واتخاذه خطوات لتعزيز موقعه أدى أخيراً إلى اندلاع حرب تيغراي العام الماضي، والتي لا يزال يعاني من آثارها، وخصوصاً المتمثلة بعقوبات أمريكية واتهامات بارتكاب جرائم.

ولفت الخبير الإفريقي "محمد صالح"، إلى اكتساب السد بعداً استراتيجياً يفوق في أهميته الشعارات الوطنية المجردة، ويتجاوز الحسابات السياسية والإثنية، ويُعَدُّ هدفاً يجمع الفسيفساء الإثيوبية، على الرغم من الاختلافات الشديدة. والمشروع بحدِّ ذاته ليس حديثاً، بل إنه يعود إلى ستينيات القرن الماضي، إبان النظام الإمبراطوري، وأُعِيدَ إحياؤه في ظل حكم أقلية التيغراي، ووضع حجره الأساس من قبل رئيس الوزراء الأسبق، ميليس زيناوي، عام 2011، فيما حقق آبي أحمد أكبر الإنجازات في مسيرة تشييده.

وأسهمت مكونات المجتمع الإثيوبي على اختلاف تنوعها وتعددها، من شركات، ومؤسسات، وأفراد، في تمويل بناء سدِّ النهضة، بوصفه قضية أمن قومي استراتيجية، فضلا عن الفوائد المادية.

خاتمة: الخيارات الصعبة لمصر

يُعَدُّ مشروع سد النهضة قيمة إضافية لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي تمكن من حصد الكثير من التأييد لمضيه بالمشروع حتى أنجز الملء الأول لبحيرة السد العام الماضي، وهو على أعتاب الملء الثاني صيف هذا العام، لا سيما أنَّ استكمال السد، الذي تم إنشاء 80 بالمئة منه حتى الآن، والحفاظ عليه، وتنفيذ الاستراتيجية المرتبطة به، يحافظ على درجة عالية جدا من نسبة التأييد وتماسك اللحمة الداخلية الإثيوبية.

في مواجهة الملء الثاني لسد النهضة الذي تعتزم إثيوبيا القيام به قريبا، وهو ما يعطي إثيوبيا "قنبلة مائية"، وهذا تهديد استراتيجي خطير، تواجه مصر والسودان خيارات صعبة لإلزام أديس أبابا على احترام الحقوق التاريخية المائية لمصر والسودان، إذْ لم يبق لهما من خيار سوى اللجوء لمجلس الأمن ووساطة أمريكا. فقد حصلت إثيوبيا حتى الآن على 90% دون أن تقدم أي التزام أو تنازل، وحصلت على ذلك بموافقة السودان ومصر.

يبدو إقدام مصر على خوض حرب المياه ضد إثيوبيا، صعب جداً في الوقت الحاضر، في ظلِّ الظروفِ الإقليمية والدولية المعقدة، لأنها ستتعرض للعقوبات الدولية، التي قد تؤدي إلى إسقاط نظام الجنرال السيسي، على الرغم من تلويح هذا الأخير مؤخراً بالخيار العسكري. ويبقى الخيار الأفضل هو تحرك مجلس الأمن، لوقف مؤقت إلى حين الوصول إلى اتفاق ملزم بين الدول الثلاث. والتحرك من أمريكا، ليس من أجل تمرير مسودة تخدم المصالح الإثيوبية، بل الحل يكمن في أن تقدم أمريكا مسودة متوازنة تحفظ حقوق الدول الثلاث. وفي حال لم يتحرك مجلس الأمن، فهذا يعطي مصر والسودان المبرر للمواجهة عسكرياً مع إثيوبيا.

توفيق المديني

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد