مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: حكّامُنا ربطوا مصيرَهُم بمصيرِ الكيانِ الصهيونيِّ وباتَ سقوطُ هذا الكيانِ سقوطاً لهم فدافعوا عنه وهاجموا وطعنوا بالظّهرِ كلَّ مقاومةٍ شريفةٍ أنتجتها الأمةُ

العدد رقم 283 التاريخ: 2021-05-07

هجرةُ الشّبابُ العَربي.. أَسبابٌ وحُلولٌ إشكَاليّاتُ الهِجرةِ والمُستقبل العَربِي المَجهُول

نبيل علي صالح

هجرةُ الشّبابُ العَربي.. أَسبابٌ وحُلولٌ

إشكَاليّاتُ الهِجرةِ والمُستقبل العَربِي المَجهُول

الشبابُ العربي يهاجرُ خارجَ بلدانه، هذا جزءٌ من مشهد عربي عام محبط وبائس، وهو حقيقةٌ واقعة منذ زمن ليس بالقصير، تشي بالكثير الكثير مما هو قائم سلباً في دنيا العرب على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي..

وهذا الشباب لم يهاجر حبّاً بالهجرة وركوب المخاطر وتعريض حياتهم للخطر، وترك ديارهم وأهلهم وبيئتهم ومسقط رأسهم، هم يهاجرون (أو يتهجّرون) بحثاً عن عمل كريم يحقق لهم وجودهم الإنساني الحر الكريم، أو طلباً لعلم نافع وعمل عليه القيمة، وبالتالي سعياً وراء تحقيق معيشة مقبولة نسبياً يمكن أنْ توفّرهَا لهم بيئة مجتمعات الهجرة (حيث الحريات العامة والاقتصاد الحر والقوانين العادلة)، بعد أن أصبحت حياتهم ومعيشتهم في مجتمعاتهم الأصلية صعبة المنال والتحقق.. والأرقام في هذا الشأن كبيرة وكثيرة وخطيرة للغاية، وتكتسي أهمية خاصة من جهتين:

الأولى، أن معظم الشباب العربي المهاجر هم من الفئة المتعلّمة والمتدرّبة والتي تمتلك مزايا وكفاءات وطاقات علمية مهمة ونوعية، تحتاج بمعظمها للصقل والخبرة فقط.

والثانية: جهة ارتباط الهجرة بفئةٍ عمرية - اجتماعية تمثّل القلب النابض والرهان الأساسي لمجتمعاتنا والمفترض فيها (أي تلك الفئة) أن تكون قاعدة النهوض والتطور المستقبلي التنموي والتحرّري.

والأرقام التي باتت مرتفعة في عدد من الدول، كما في لبنان (77% من الشباب) وليبيا (69%)، والعراق (65%)، وسوريا (54%)، باتت تهدد تركيبة المجتمعات التي يمكن أن تميل سريعاً إلى شيخوخة مبكرة، إذا ما استمر النزيف البشري، من دون نسب عالية للولادات الجديدة، خصوصاً في البلدان التي أنهكتها الحروب وخسرت أرقاماً كبيرة كضحايا بين صفوف شبابها!!.

كما أفاد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في تقرير من تقاريره حول الموضوع أن الهجرة تتشكل أساساً من الشباب الذين تمثّل فئتهم العمرية (15 - 29 سنة)، أي نحو 30% من إجمالي حجم السكان في المنطقة، مضيفاً أنه لا تزال الهجرة الاحتمالية (الأشخاص الذين يرغبون في الهجرة) لخريجي التعليم العالي في معظم البلدان العربية أكثر من نصف الشريحة التي ترغب في الهجرة الدائمة، كما أن الهجرة الفعلية لأصحاب الكفاءات لا تزال مستمرة في التصاعد..

.. وتكمن أسباب الهجرة أساساً في بقاءِ مجتمعاتنا في القاع الحضاري العلمي والتنموي والسياسي، بقائهم رهنَ الاستبداد والفوضى والأزمات والصراعات والعطالة الاقتصادية وعدم وجود بيئة قانونية ومؤسساتية حقيقية، وشيوع مظاهر الفساد والنهب، وعدم تقدير الكفاءات العلمية وغير العلمية، مع انخفاض الأجور وانعدام أي أفق بالإصلاح والتغيير.

.. طبعاً وعلى الرغم من وجود سلبيات كثيرة للهجرة، كالشعور الدائم بالغربة والافتقاد للهوية الأصيلة، وصعوبات الاندماج في مجتمعات الهجرة، وظهور خطورة عضوية حقيقية على حياتهم نتيجة صعود تيارات وأحزاب اليمين العنصري المتطرف في الغرب، الرافض لوجود العرب في بلدانهم، على الرغم من كل ما تقدّم من سلبيات ومخاطر، فإنَّ الشبابَ العربي، ما زالَ يندفعُ مسافراً وبأعداد كبيرة إلى بلادِ الهجرة والاغتراب شَرقاً وغرباً، بما يدلُّنا على حجمِ وضخامةِ المعاناة وقَسوةِ الحياة التي يعيشُها في بلدانه ومجتمعاته الأصلية.. وعلى رأسها قسوة الاستبداد والفساد، والعطالة والبطالة.

والسؤال هنا: ماذا فعلت النظم العربية والحكام العرب وأصحاب القرار العربي لمواجهة واقع هجرة شبابهم العربي؟!. وما هي السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي سلكوها لمنع تدفق الشباب بأعداد هائلة لخارج بلدانهم خصوصاً وأن الشباب هم أمل المستقبل وقاعدة تطور المجتمعات، بما يفترض إقرار وبناء استراتيجيات اقتصادية وسياسية - اجتماعية رشيدة وعلمية عقلانية لإدماج الشباب العربي في مجتمعاتهم من خلال العمل والإنتاج الحقيقي؟!!.

للأسف الواقع سيء للغاية، فالحكومات العربية تعيش وهم التخطيطِ ووهمَ الحداثةِ ووهم البناء الاجتماعي، يعقدون مؤتمرات وندوات ويشكّلون لجاناً خاصةً بدراسة واقع الشباب، وووإلخ، ولكن لا نتائج تذكر إطلاقاً.. فلا حرّيات ولا عدالة اجتماعية ولا مؤسسات عقلانية ولا فصل للسلطات ولا مجالس شعبية مؤثرة على صناع القرار الذي ما زالوا يعيشون هاجس السلطة والنفوذ والبقاء على الكراسي.. ما فعلته نظم العرب وصناع القرار فيها، كان العكس تماماً، فهم من جهة نهبوا بلدانهم وسرقوا خيراتها ومواردها وأحالوها خراباً وحطاماً، ومن جهة أخرى تآمروا مع الآخرين (من يُفترض أنهم أعداء!!!) ضد شعوبهم وأبناء مجتمعاتهم، والأمثلة كثيرة بلا شك، والدليل عليها واقع العربي المنهار على كل المستويات والأصعدة (تخلف – جهل – تبعية – استلاب – فساد – استبداد - وووإلخ)، واندفاع الشباب للهجرة والعيش في بلاد غير بلدانهم واستثمار طاقاتهم فيها (من قبل دول الهجرة) بدلاً من أن يستفيد منها أهلهم وبلدانهم الأصلية.

ونُخَبُ الحكم العربي ومن لفَّ لفها من الإعلام السلطوي وبطانات الحكم العربي الفاسد، يعتقدون دوماً أن المؤامرات والمخططات والدسائس وغيرها من السلوكيات السياسية وغير السياسية التي تقوم بها دول ضد أخرى طلباً لمصالحها وسعياً لمنافعها، هي السبب في كل شيء سلبي وسيء عندهم، حتى على مستوى هجرة الشباب العربي، وهؤلاء يعتقدون (وقد يكونون محقّين في اعتبارهم هذا) أن هجرة الكفاءات العربية العالية والمتوسطة مخطط مرسوم تسعى من خلاله دول الهجرة الى اجتذاب هذه الكفاءات للإفادة من إمكاناتها، واستثمار المتفوقين منهم في البحث العلمي والتطوير، وتمكين أصحاب المهن الصناعية والحرفية لأنهم عناصر إنتاج... وهذا قد يكون صحيحاً.. ولكن أساس وجوهر المرض والأزمة داخلي، في جسدنا العربي الطارد للكفاءات العلمية وغير العلمية العربية، وحتى لو كانَ هناكَ مؤامرات علينا، على هذا الصعيد (مثل أي صعيد آخر)، فالمؤامرات والمخططات لا تنجح إلا في الأرض الهشّة والمجتمعات الهزيلة والبلدان المنهوبة والمسروقة الخيرات.

إن إحصائيات هجرة الشباب العربي، بأرقامها المخيفة التي أشرنا وألمحنا إليها سابقاً، لم تدفع نخب القرار العربي حتى اللحظة، لدراسة وتحليل معطياتها والخلوص لنتائج والقيام بمبادرات فعالة لاحتوائها وإيجاد حلول جدية لها.. وهي لن تفعل، لأن الرجاء مقطوع منها، فعوامل الطرد والنبذ في الداخل باقية وتتمدد (من قمع واستبداد وبطالة وفساد وتخلّف)، وعواملُ الجذبِ والهجرةِ للخارجِ قائمةٌ ودافعة، وأوّلها وجود العمل والخدمات الضرورية اللائقة، وتوفر الحريات العامة والخاصة، وهيمنة القوانين والحالة المؤسسية، وبالتالي تحقق الأمان الفردي والمجتمعي.

إنّ استنزاف مجتمعاتنا العربية على صعيد هجرة كفاءاتها وطاقاتها الشبابية التي باتت تؤثر على وضعها الديموغرافي والعلمي، لن يكون ممكناً من دون تحقيق تغييرات نوعية كبرى على صعيد السياسة والحكم السياسي وتفعيل مبدأ المواطنة والمشاركة وتركيز منظومة الحقوق الإنسانية، أي وضع إطار قانوني عملي لسياسات الانتقال الديمقراطي المؤسسي على أساس رؤية تنموية متكاملة، تركز على التطوير المؤسسي الديمقراطي لإدارة شؤون الدولة والمجتمع في البلدان العربية، وتعزيز القدرات البشرية والمعرفية للشباب، وإتاحة المجال أمامهم للمشاركة الفعالة السياسية والمجتمعية العامة والمتمثلة في توسيع خياراتهم المدنية والعلمية، وفي تنمية مجتمعاتهم علمياً واقتصادياً، وفي بناء مستقبلهم العلمي والحياتي الخاص والعام، والتمكن من ممارسة حقوقهم الاجتماعية والسياسية المواطنية المدنية، وتعزيز شروط الأمن والأمان الإنساني للحدِّ من تدفّقات الهجرة الخارجية.. فهل هذا ممكن في بلدان ما زالت تعيش على المساعدات الخارجية والاستدانة من الصناديق المالية الدولية المكلفة، ولم تغادر اقتصاداتها الريعية، وثقافاتها التغلبية القهرية وسياسات حكامها القمعية؟!.

نبيل علي صالح

إخترنا لكم من العدد