مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: حكّامُنا ربطوا مصيرَهُم بمصيرِ الكيانِ الصهيونيِّ وباتَ سقوطُ هذا الكيانِ سقوطاً لهم فدافعوا عنه وهاجموا وطعنوا بالظّهرِ كلَّ مقاومةٍ شريفةٍ أنتجتها الأمةُ

العدد رقم 283 التاريخ: 2021-05-07

عالم المعرفة: أكثرُ شيءٍ نعرِفُهُ هو أكثرُ شيءٍ نجهلُه

غسان عبد الله

هامش ثقافي

عالم المعرفة: أكثرُ شيءٍ نعرِفُهُ هو أكثرُ شيءٍ نجهلُه

يمكن الوصول للمعرفة بشيءٍ محدّد أو إلى جميع المعارف بحسب ما أوتي الإنسان من نطاق محدَّد للمعرفة، ولا يمكن أن يتعدّاه لكنهُ يكفيهِ فيما يتعلَّق بمشاكِلِهِ وحياتِهِ، قال تعالى ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً.

أما المعرفةُ الكاملة في أيِّ شيءٍ فهذا ليس للإنسانِ، ولا يوجدُ شيءٌ واحدٌ يعرفُهُ الإنسانُ بالكامل، لكنه يعرفُ منه ما يكفيهِ او ما هو مجالُ بحثِهِ واختصاصه.

فنحنُ على سبيل المِثال نعرفُ العقلَ لكننا في الوقت نفسه لا نعرفه بالمطلق!.. ومع ذلك نستفيدُ منهُ ونعتمدُ عليه، ونحن نعرف المشاعرَ ونحسُّ بها ولكننا في الوقت نفسه لا نعرفها!.. إلا أننا نستطيع أن نتعامل معها. ونحن كبشرٍ نعرفُ القوانينَ الطبيعيةَ ونقيمُ علمَنا على أساسِها لكننا لا نعلمُ ماهيّتها ولا لماذا لم تكن قوانينها أخرى غيرها!.. لأننا لا نعرف، نحن نعرفُ المادةَ وفي الوقتِ نفسه لا نعرفها!.. فلا نعرف كيف جاءت قوانيُنها ولا من أينَ جاءت ولا ما هو أبعدُ من ذرّاتها، ومع ذلك نتعاملُ معها ونستطيعُ أن نعرفَ عنها ما يتعلّقُ بحياتنا البشريةِ وهي حقائقُ أسميناها بـ "حقائق العلم المادي"، ومن يتشكك فيها فعليه أن يخالفها إن استطاع!.

إذاً توجد معرفةٌ ولا توجد في الوقتِ نفسه!! فالعلم الكامل لله، إذا تجاوزنا خيالَ الماديينَ والملحدين الجامح والذي يعتبر بأن المختبر الماديَّ يوماً من الأيام سوف يعرف الحقائقَ الكاملةَ عن كلِّ شيء، بينما مادةُ المختبرِ نفسها غير مفهومةٍ بالكاملِ إلا بالقَدْرِ الذي نستفيد بها منها.

إن جعلنا أنفسنا بشراً نقول: توجد معرفةٌ وحقائقُ موهوبةٌ لنا نستفيدُ منها ولا نحيطُ بها، وإذا نصّبنا أنفسنا آلهةً فسنكون آلهةً لكن بلا علم؛ لأنها تريدُ أن تعرفَ كلَّ شيء بالكاملِ أو ترفضَ المعرفةَ بالكامل، وهذا ما ذهب إليه الإلحاد في آخر المطاف حيث يشكِّكُ في العلمِ والعقل، أي: آلهةٍ بدونِ علمٍ ولا حتى قليل، لأنهم يتشكّكون في العلم والمنطق ولا يُقرُّون بوجودِ حقائقَ مطلقة، أي: يتشكّكون بوجودِ الحقيقةِ نفسها ونسبيةِ كل شيء، لكن لا يتشكّكون بوجودِ أهوائهم أبداً ولا أهميتها.

أما سؤالنا عن كيفيةِ الوصولِ للمعرفةِ وبالتالي إلى الحقيقةِ: فأول شرط هو اختيار الحق على الباطل- والخير على الشر- والجمال على القبح، ولا أقولُ التجرُّدَ الكامل، لأنَّ التجرُّدَ الكاملَ وهمٌ، ولو كان.. لكان بلا دافع، أي أن التجرد الكامل لا يدلّنا على الحقيقة، بل محبّةُ الحقِّ والخير والجمال ويجمعها محبةُ الله هي الدافعُ إلى المعرفةِ، فمن أحبَّ الله سلَكَ طريقَ الحقيقةِ والبحثِ عنها، وكذلك من أحبّ الحقَّ والخيرَ والجمالَ، وسلك طريق الله الموصلِ للمعرفةِ الحقيقيةِ وليست المفبركة، كنظرياتِ التطوّر والأكوانِ المتعددةِ وما شابَهَ ذلك من غير العقلانيات.

أما صاحب الهوى فلن يعرفَ أبداً إلا هواه، ولا يعرفُ حتى كيف يُشْبِعُه، وسوف يضرُّ نفسَهُ من حيثُ أرادَ مصلحتها، مهما اغترَّ الإنسانُ وطالتْ بناياتُهُ وطائراتُهُ فليس في حقيقتِهِ إلا عبدٌ لخالقٍ أعظمَ آتاهُ بعضَ العلمِ والمعرفةِ ليختبره، ولو لم يكن هناك إله لربما أمكنتِ المعرفةُ الكاملة.

لا شيء نعرِفُهُ أكثرَ من ذواتِنا، وفي الحقيقةِ أكثرُ شيءٍ نجهلُه هو ذواتُنا! نُحبُّها ولا نعرفُها!.. نُحبُّ ولا نعرفُ ما هو الحب! نتذوّقُ الجمالَ ولا نُدركُ ما هو الجمال!!. هل رأينا أننا عبيد ولا يمكن أن نكون آلهة؟! لأن أكثرَ شيءٍ نعرِفُهُ هو أكثرُ شيءٍ نجهلُه. إنه تسخيرُ الله عندما أعطانا هذا الشعورَ – رحمةً منه - الذي يجعلُنا نحسُّ بالمعرفةِ بينما نحنُ في الحقيقةِ لا نعرف، وإلا لقَتَلَنا الخوفُ والتشكَّكُ حتى من أنفسِنا.

عندما تقول "أنا" تقولها بملء فَمِك، ثم سألكَ طفلٌ متفلسفٌ: أرني هذا الأنا؟ وأين مكانُهُ في جسمك؟ وما هو؟! وأي شيءٍ في جسمِكَ تقصدُ عندما تقول "أنا"؟.. وهل هو في جسمِكَ أو خارجَهُ؟؟ لأنّ هناك من استؤصِلَتْ أجزاءٌ من جسمِهم ولا تزالُ الأنا عندَهُ كما هي من دون أي نقصان!!.

إذا نظرنا إلى الكاملِ والكليِّ فنحنُ لا نعرفُ شيئاً، وإذا نظرنا إلى ما يتعلّقُ بوجُودِنا وحياتِنا نجدُ أننا نستطيعُ أن نعرفَ الكثيرَ من ذلكَ القليلِ من العلم، لكنها كلُّها معرفةٌ ناقصةٌ.. وإن كانت معرفةً لا تتشكّكْ في أنها معرفة، فعندما تقول "أنا" فأنت ميّزتَ شيئاً عن أشياء، لكن ما هو هذا الشيء بتفاصيله؟؟ لا تعرف!!.

لا حظ دقة الآية ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا...﴾ تدلُّ على السِّعةِ، لكنَّ "مِنْ" تفيدُ التبعيضَ، أي: بعضاً من كلِّ العلمِ.. شيئاً من كلِّ شيء.. لكنَّ معرفةَ كلِّ شيءٍ عن كلِّ شيءٍ هي أمرٌ مستحيلٌ أن يصِلَ إليهِ البشرُ وليس مسألةَ وقتٍ، لأنّ العقلَ مِنْحةٌ مجهولةٌ محدّدةٌ، وهو وسيلتُنا للمعرفةِ، أي: نحنُ نجهلُ حقيقةَ وماهيّةَ ما نعرفُ به، فهل بعد هذا تتفاءل بأنَّ العلمَ سيعرفُ كلَّ شيءٍ ما دامَ لمْ يعرفْ ولا حتى وسيلتَهُ بالمعرفة؟.. كلا.. ففاقِدُ الشيءُ لا يعطيه.

أما المنهجُ الموصِلُ للحقيقةِ فهو حبُّ الحقِّ وكراهيةُ الباطلِ صغيراً أو كبيراً، قليلاً أو كثيراً، معنا أو ضدنا، من اختارَ هذا الاختيارَ فسيكونُ الله معه، قال الله تعالى عن الكفار المعاندينَ المُعْرِضِينَ عن الحقيقة ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾، فاللّه يهدي الضالَّ الباحثَ عن الهدايةِ، لكنّه لا يهدي الضالَّ الذي يكرهُ الهدايةِ ويحبُّ العمى على النورِ لأجلِ مصالحَ وشهواتٍ عاجلةٍ يتوقّعُ أنها ستُسْعِدُهُ بينما الحقيقةُ ليست كذلك؛ لأنه طَلَبها دونَ أن يطلبَ الحقيقةَ، والحقيقةُ هي التي تُسعد، والسعادةُ مرتبطةٌ بالحقيقةِ، والشقاءُ مرتبطٌ بالباطل.

إنّ أيّ خطأٍ نتهاونُ بهِ يأخُذُ حقَّهُ منا، فما بالُنا إذا أخطأنا في الحقائقِ الكبرى فلا بد أنها ستأخذُ حقّها منا وبشدّةٍ أكبر، كلُّ شيءٍ منضبطٌ ومحكومٌ ولا مكانَ للفوضى كما يتمنى الملحدون المؤمنونَ بالعبثية واللاهدف من الوجودِ، بينما الحقائقُ الصغيرةُ تنتقمُ منهم، كأن تُهْمِلَ في قيادةِ السيارةِ أو إغلاق مفتاح الغاز...  الخ، فما بالنا بالحقائق الكبرى؟؟! كالظّلمِ والكذبِ على الله وإنكارِ وجودِهِ وظلمِ الحقائقِ والتّهاونِ بها والتشكيكِ بها.

ولنتذكر دائماً أن الأخطاءَ الصغيرةَ تنتقِمُ منّا لأنها تعتَمِدُ على حقائق، ولهذا فطلبُ المعرفةِ والحقيقةِ والفلسفةِ الباحثةِ عن الحقِّ واجبٌ وفريضةٌ وليست من التّرفِ الفكريِّ كما يتصوّرُ الكثيرون، ما دامَ مفتاحُ البابِ يعاقِبُنا إذا أخطأنا ونسينَاهُ داخلَ الغرفةِ فما بالنا بخالقِ الكونِ وتجرُّؤهِم عليه؟! وكلاهما حقائقُ دلَّ عليها الحسُّ والمنطقُ، هم احترموا حقيقةَ المفتاحِ ولم يحترموا حقيقةَ خالِقٍ أوجَدَ الوجودَ ونظَّمَهُ وهم يعرفونَ أنهم ليسوا هم من فَعلوا ذلك!.

غسان عبد الله

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد