مجلة البلاد الإلكترونية

المجلس المركزي للتجمع: المكلفون بتشكيل الحكومة يتصارعون على أمور ليست السبب الحقيقي وراء إطالة التأليف لأشهر، فهل يُعقل أن تسمية وزيرين توقف التشكيل طول هذه المدة؟!

العدد رقم 289 التاريخ: 2021-06-19

الخليج وشرق البحر المتوسط: اتحاد خليجي يوناني طور التشكّل؟

الخليج وشرق البحر المتوسط: اتحاد خليجي يوناني طور التشكّل؟

تميّز العام الماضي بتحسّن جوهري في التعاون السياسي الأمني بين المملكة السعودية والإمارات العربية وبين اليونان وقبرص. وفي شهر آذار الماضي أقلعت طائرات حربية وشحن سعودية إلى اليونان للمشاركة في مناورة واسعة النطاق ("عين الصقر 1") والأولى من نوعها بين سلاحي الجوّ في الدولتين، فيما وفي موعد قريب من المناورة وصل إلى اليونان وفد عسكري سعودي برئاسة رئيس هيئة الأركان، فيّاض بن حمد الغويلي لإجراء محادثات.

كما أفيد أنّ اليونان ستُرسل بطاريّة باتريوت وأطقم دفاع جوّي للمملكة السعودية لمساعدتها في حماية بنى تحتية حرجة من هجمات سيّما من جهة اليمن، هجمات أدانتها اليونان بشدّة مع أنّها شدّدت، بخلفية الامتعاض الإيراني، على أنّ المعارك دفاعية وليس لها أيّ طابع هجومي. بحسب معدّ التقرير، السعوديّون لن يُموّلوا فقط تنصيب المنظومات والأطقم، إنّما أيضاً تحسين المنظومات لصالح اليونانيين. أمّا بين الإمارات العربية واليونان فقد سُجّل تقارب أوسع بكثير. في آب العام 2020، بعد أسبوع على إعلان اتّفاقية التطبيع بين إسرائيل والإمارات العربية، أرسلت الإمارات العربية طائرات حربية وأطقم بريّة إلى اليونان للمشاركة في مناورة بين سلاحي جوّ الدولتين وفي شهر تشرين الثاني من تلك السنة، خلال زيارة رئيس الحكومة اليوناني إلى أبو ظبي، وقّعت الدولتان على اتّفاقية "تعاون استراتيجي" واسعة النطاق تشمل بحسب ما أفيد مكوّن أمني جوهري.

إلى جانب التعاون الأمني هناك لقاءات سياسية رفيعة المستوى. في أيار العام 2020، في تصريح مشترك بين وزراء خارجية اليونان، قبرص، مصر، الإمارات العربية وفرنسا، بعد لقاء على المنصّة الافتراضية، أدانت الدول إرسال سفن تنقيب تركية إلى المياه الاقتصادية القبرصية. في شباط العام 2021 عُقدت في اليونان قمّة لوزراء خارجية اليونان، قبرص، الإمارات العربية، المملكة السعودية، البحرين، مصر وفرنسا. في منتصف نيسان عُقد في بافوس لقاء رباعي بمشاركة وزراء خارجية قبرص، اليونان، إسرائيل ومستشار الرئيس الإماراتي، وزير الدولة للشؤون الخارجية سابقا. خلال اللقاء في بافوس قال وزير الخارجية القبرصي إنّ "الشبكة التي تُنسج لتعاون إقليمي تخلق رواية جديدة".

مصالح مشتركة

التأرجح الإقليمي واكتشاف الغاز في شرق البحر المتوسط يقفان في خلفية توسّع العلاقة التي بين الساحة الخليجية وساحة شرق البحر المتوسط. هذا، إثر السياسة الإقليمية العدوانية لأنقرة من جهة وللإمارات العربية (التي تسلّمت القيادة) والمملكة السعودية من جهة أخرى. أنقرة، الرياض وأبو ظبي سعوا فيما بينهم لصياغة النظام الإقليمي بعد التأرجح. منذ العام 2017، القاعدة العسكرية التركية في قطر هي مصدر لتوتّر متواصل بين الأطراف الثلاثة. كما بدأت بالتدخّل بساحات بعيدة عن حدودها، حيث يسود عدم الاستقرار أو فراغ سلطوي. لتطورات على شاكلة تدخّل لاعبين مختلفين في الحرب الأهلية في ليبيا تأثير جوهري على ما يحدث شرق البحر المتوسط. إلى جانب إنشاء قواعد عسكرية، مرافئ ودعم وكلاء، حاولت الدول إنشاء تحالفات، وإن ضعيفة، لتحقيق مصالحها.

فحصت الرياض وأبو ظبي بصورة عملية في السنوات الماضية سُبل قيام تعاون بينها وبين دول قلقة أيضا من التعنّت التركي في شرق المتوسط، في البحر المتوسط وفي البحر الأحمر، وانطلاقا من رغبتهما في توسعة حدود تأثيرهما وتدخّلهما. دوافع مشابهة ساهمت أيضا في إنضاج اتّفاقية التطبيع بين إسرائيل والإمارات العربية، اللتان تريا في أنقرة منافس جيو/استراتيجي، وفي حالة أبو ظبي/أيديولوجي أيضاً. هذه التطورات تداخلت جيداً بمبادرات ديبلوماسية قبرصية ويونانية إزاء شرق البحر المتوسط.

المناورات الجويّة، ومعها محادثات ولقاءات تجري بوتيرة متزايدة بين مسؤولين رفيعين من كلا الطرفين، أكثر من أنّها هدفت إلى فحص القدرات العسكرية لدى الدولتين، مرتبطة برغبة الإعراب عن دعم وتضامن خليجي مع اليونان على خلفية الارتفاع الجوهري في بالتوتّر في شرق البحر المتوسط خلال العام 2020 وللتلويح لأنقرة بتشكّل تحالف ضدّها يضمّ دولا مصرّة على كبح سياستها التعنتيّة. في التقارير التي تتناول التعاون اليوناني الخليجي المتزايد يندّس أكثر من مرّة اسم إسرائيل. الإمارات العربية وإسرائيل شاركتا هذه السنة أيضا في مناورة جويّة دولية في اليونان، إلاّ أنّه وبخلاف السنوات الماضية، هذه المرّة سمحت أبو ظبي بالإعلان عن مشاركتها في مناورة إلى جانب إسرائيل.

الاستقواء الجوهري للمكوّن الجيو/سياسي للعلاقات بين دول الخليج وبين اليونان هو وليدة السنوات الأخيرة. في الماضي، العلاقة بين الساحة الخليجية وشرق البحر المتوسّط ارتكزت بالأساس على الاقتصاد والتجارة، وإن بنطاقات محدودة نسبيّاً. نطاق التجارة بين المملكة السعودية واليونان بلغ حوالي مليار دولار عام 2020، فيما نطاق التجارة بين اليونان والإمارات العربية وصل إلى حوالي 400 مليون دولار عام 2019. من باب المقارنة، نطاق التجارة بين تركيا والمملكة السعودية في العام 2018 كان حوالي 5 مليار دولار، وبين تركيا والإمارات العربية حوالي 7 مليار دولار.

التوتّر مع أنقرة جعل بمفاهيم عديدة الإمارات العربية الشريك العربي الأقرب لليونان. أثينا تدعم جهود أبو ظبي في سوريا، وفي ليبيا تجري حوارا مع الجنرال حفتر المدعوم، على الأقلّ حتى الفترة الأخيرة، من قبل الإمارات العربية. أبو ظبي والرياض من جهتهما ترغبان من خلال تعزيز الروابط مع أثينا (وفرنسا، الموجودة أيضا في المعسكر المعارض لتركيا)، ليس فقط إيجاد ردّ للتّعنت التركي المتزايد إنّما أيضا التقرّب من بروكسل وتعزيز روابطهما مع الاتحاد الأوروبي.

يتم التشديد على أنّ سخونة العلاقات الأمنيّة بين عدّة دول خليجية وبين اليونان تأتي إلى جانب محاولات تنفيذ مواءمات في السياسة الخارجية التركية، منذ انتخاب جو بايدن لرئاسة الولايات المتحدة، من جملة أمور تجاه المملكة السعودية، الإمارات العربية وحتى اليونان، وأيضا إظهار براغماتية معيّنة من قبل أنقرة، التي تُصرّح برغبتها بوضع العلاقات على مسار صحيح. مع هذا تجد أنقرة صعوبة في أن تُثبت للأطراف بأنّها فعلا صادقة في محاولات معاودة بدء العلاقات معها وأنّها لا تعمل فقط انطلاقا من رغبة حلّ التحالف السياسي القائم ضدّها.

تحالف دائم؟

على الرغم من عدم اليقين بأنّ المسألة تتعلّق بتحالف مُلزم ودائم، قد، خاصّة على ضوء الاتّفاق الأمني الذي جرى توقيعه بين الإمارات العربية واليونان، يوجد ترقّب لمساعدة متبادلة ودعم مصالح ومتطلبات، حتى الاقتصادية منها، لكلا الطرفين. ليس بمقدور القوّة العسكرية للإمارات العربية والمملكة السعودية تغيير الميزان الأمني بين اليونان وتركيا في شرق البحر المتوسط والمساهمة العسكرية لليونان في أمن شبه الجزيرة العربية ضئيلة هي أيضاً. إلاّ أنّ للتحالف، وإن كان مؤقتاً وغير مُلزم بطبيعته، مغزى سياسي مهم لأنّه يزيد من عزلة أنقرة ويُلزمها بإعادة فحص سياستها الإقليمية.

الدوافع الاستراتيجية التي حثّت عدد من دول الخليج على تدخّل متزايد في شرق البحر المتوسط في السنوات الأخيرة هي بنسبة كبيرة غير ثابتة إنّما مرتبطة بالظروف. هكذا على سبيل المثال، التغييرات والمواءمات في السياسة التركية وفي السياسة الأمريكية في المنطقة سيكون طبعاً لها تأثير على الحاجة الخليجية لتواجد عسكري في ساحة بعيدة. تراجع تركيا عن سياستها التعنتيّة، في حال تحقّقت فعلاً، سيُساهم في إضعاف مستقبلي في العلاقات السياسية اليونانية الخليجية. كما أنّه، في حال نجحت الولايات المتحدة في التوازن بين رغبتها في تخفيف تدخلها في الشرق الأوسط وبين الحاجة إلى تمرير رسالة إلى حلفائها الإقليميين بأنّها لا تتخلّى عنهم، سيخفّ اهتمام اللاعبون الإقليميون للقيام بأنشطة مستقلّة. ولكن، بما أنّ الوجهات الحالية في المنطقة تُشير تحديدا إلى اتجاهات معاكسة، وعلى ضوء التوازن الاستراتيجي والموقف المشترك ضدّ تركيا، قد يُصبح المؤقّت دائما والتحالف اليوناني الخليجي المتبلور سيترسّخ. 

لإسرائيل مصلحة في لجم سياسة تركيا التعنتية. لكنّها، ليست العنصر الدافع في هذا السياق. قد يكون لشركاء إسرائيل في الخليج اهتمام بتدخّل أفعل في كبح أنقرة من قبل القدس، وعليه مطلوب تنسيق توقعات معها في هذه المسألة. طالما أنّه من الواضح في أيّ جهة من المتراس تقف إسرائيل، وإسرائيل نفسها عمّقت علاقتها مع اليونان وقبرص في العقد الأخير، القرب الجغرافي الإسرائيلي من مركز التوتّر بين اليونان وتركيا يفرض حذر مضاعف من جهتها. هذا خصّوصاً على ضوء واقع أنّ إسرائيل عليها مواجهة تحديّات أكثر جوهرية بالنسبة لها، على رأسها إيران. هكذا على سبيل المثال، وزير الخارجية غابي أشكنازي في مشاركته في نهاية اللقاء الرباعي في بافوس شدّد على التهديد من قبل إيران وحزب الله. فيما التصريحات الصادرة عن أصحاب القرار في الدول المختلفة تُشير فعلا غير مرّة إلى أنّ هدف التحالف هو أبعد من تهديد محدّد أيّا كان، وأنّ الوجهة هي المساهمة في الاستقرار الإقليمي، يجب ذكر أنّه لولا التصرّف التعنتي التركي، من غير المؤكّد وصول العلاقات إلى هذا المستوى.

مركز أبحاث الأمن القومي - يوآل غوجنسكي وغليا ليندنشتراوس

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

 

 

 

إخترنا لكم من العدد