مجلة البلاد الإلكترونية

المجلس المركزي للتجمع: المكلفون بتشكيل الحكومة يتصارعون على أمور ليست السبب الحقيقي وراء إطالة التأليف لأشهر، فهل يُعقل أن تسمية وزيرين توقف التشكيل طول هذه المدة؟!

العدد رقم 289 التاريخ: 2021-06-19

حُرّيّةُ الرّأي والتّعبير في عالَمنا العَربيّ ودَورُ المُثقف التّنويري

نبيل علي صالح

حُرّيّةُ الرّأي والتّعبير في عالَمنا العَربيّ ودَورُ المُثقف التّنويري

من الصعب جداً القول بأنّ مناخ الحريات قائم وموجود في عالمنا العربي، ومن الصعب أكثر الإقرار بوجود بيئة سياسية عربية حاضنة للحقوق والقيم، وتسمح بالنقد والانتقاد للنظم والحكومات الرسمية العربية على هول ما قامت وتقوم به من ارتكابات وأفعال شنيعة في علاقاتها وتعاملاتها مع أفرادها ومجتمعاتها بالذات..

بل يمكن التأكيد عموماً على أنّ العربَ الغائصين في مستنقعات الاستبداد والجهل، لا يؤمنون بشيء اسمه "حرية التعبير والنقد والمساءلة"، على الرغم من أن واقعهم المأساوي يتطلب أن يكون النقدُ فضيلةَ الفضائل والحريةُ قيمةَ القيم..!!.

فنحن ما زلنا نعيش في مجتمعات لا ترى غير ذاتها، ولا تقبل النقد العلمي، بل تعتبر النقد وقول الحقيقة نوعاً من الخيانة العظمى، وأفظع بكثير من شتم الذات المقدسة والأولياء والصالحين.. ترفض أن تواجه ذاتها أمام مرآة الحقيقة لترى أمراضها ومشكلاتها الوجودية.

كما أن الجماعات الفكرية والسياسية المشكّلة عموماً للفضاء السياسي والاجتماعي العربي، وهي ذات بنى هوياتية خلاصية (دينية أم علمانية)، تواجه الإشكالية الأكبر في وجودها على الدوام، ما يسبب لها صراعات دائمة في مجتمعاتها ومحيطها، وهي إشكالية التصادم مع قيمة الحرية وجوهرها الحقيقي الشخصي والعام.. فتقييد الحرية بات أمراً غير ممكن في عالم واسع ومفتوح يتقدم علمياً وتقنياً باستمرار وبشكل غير مسبوق، في مواجهة هيمنة نصوص وتبريرات وتفسيرات غير مقنعة لأجيال الشباب الطامح والمتوثّب لممارسة حضور ودور حقيقي (غير افتراضي) يتأسس على الحريات والنقد والحقوق، في عالم يحتفي بالقيم الفردية، ويعطيها الأفضلية والأولوية على الجماعة والفهم الأيديولوجي المنمط للحياة الخارجية المتسارعة غير الحياة التي يتم فرضها عبر تشكيلات تصورية فاقدة للوجود العياني الخارجي.

وفي ظل هذه الأجواء، ما هو دور المثقف النقدي العضوي، أو المثقف التنويري؟!.. وهل يمكن في ظل هكذا مناخات سلبية للغاية تعيشها بلداننا مجتمعاتنا أن تنشأ دول مدنيّة عصريّة حديثة مؤسسية، تنظّم أمورها بالعقل والقانون، تنفتح على نظام الحقوق والحريات، وتتخلص من التقليد والعرف وأحكام "الضرورة" وغيرها؟!!.

في الواقع، المثقف العضوي، مثقف يؤمن بأفكار حرة مدنية، لكنه أيضاً عملي بوعيه العملي المنفتح على شؤون الناس، هو ميداني بالسلوك أكثر مما هو مثقف بنظريات تمامية حالمة بالتغيير من وراء صفحات الكتب وأوراق المجلات، على طريقة أهل ومثقفي اليسار – وغيرهم - الذين ما فتئوا يحلمون بالتغيير الواسع والجذري والانقلابي، من خلال تدبيج النصوص ومراجعات الكتب ورومانسية النظريات والأفكار المنمَّطة التاريخية الحالمة، حتى باغتتهم الأحداث والتغيرات والمستجدات الكونية وأصابتهم في مقتل، فباتوا في وادٍ، وتسارع الحياة وتطوراتها الهائلة في وادِ آخر..!!.

إذاً، المثقفُ العضوي هو رجل فكر وعقلانية واقعية أكثر مما هو رجل تأمُّل وتفذلك فلسفي غير منتج.. مثقف مندمج مع واقعه لجهة الوعي الفعال به، ونقده ومساءلته، انطلاقاً من تصوراته القائمة على التواصل والنقد والمعالجات العقلية والعلمية المباشرة.. وكثير من دول وحضارات العالم التي نجحت في مساراتها الحياتية والعمراني الفردية والجماعية، كان لهذا المثقف دور مهم وحيوي في نهضتها وحداثتها وعمرانها المعنوي والمادي، حيث تمكنت من تثبيت مبادئ حقوق الإنسان وتنظيم الحريات العامة والخاصة، وبناء آليات الحكم الديمقراطي المدني التعددي القائم أساساً على معيار جوهري هو قيمة الحرية وأهمية "الإنسان-الفرد" باعتباره جوهر ونواة أي فعل وحضور وتطور وازدهار مجتمعي عام، فهو غاية الغايات ولا شيء سواه قادر على تحقيق الوجود الفعال والمؤثر.

من هنا:

المثقف النقدي (العضوي) الحقيقي، ليس هو ذاك الذي يسكن في الأبراج العاجية العالية بعيداً عن واقع الناس وهموم المجتمع ومشاغل أفراده على كل المستويات والأصعدة، وليس ذاك الذي يكتب وينتج ويدبّج خطابات فكرية أدبية وغير أدبية من خلال نشاطه العقلي والذهني، ليكتفي بتضخيم نتاجاته النظرية (تنظير وحكي وقيل وقال…)، بل هو المثقف الميداني الذي يؤدّي – ما قلنا - أدواراً اجتماعية ووظيفة حياتية مجتمعية غاية في الأهمية والحيوية (ولنقل عنه: دوراً طليعياً واعياً لا نخبوياً مفارقاً) يحرضه دوماً للدفاع عن المبادئ الإنسانية، وحقوق الناس المدنية، والتزام النقد الموضوعي، بهدف تعزيز مناعة المجتمع في مواجهة الفساد والحرمان والتسلط والظلم الاجتماعي، وتغوّل مختلف مواقعه وامتداداته ومظاهره الفردية والعامة، بعيداً عن الفوضى والعبثية واللاجدوى.. وبما يؤدي إلى خلق قوى اجتماعية حية قوية وقادرة على منع الإساءة لقيم الدولة المدنية (من عدل ومساواة وغيرها)، والتصدي بقوة للتلاعب بمقدراتها واستنزاف وسرقة مواردها وطاقاتها.

هذا هو المثقفُ النقدي العضوي الحر (المتمرد بطبيعته على واقع الاستحكام والهيمنة والاستلحاق والإمّعية الحضارية) والذي لا يمارس أية حالة وصائية فكرية وسياسية على أحد، بل هو مثل باقي أفراد المجتمع، منضبط ومنتظم ضمن منظومة حقوق دستورية قانونية ينادي بها ويخضع لها، ويدافع عنها لأنها تحقق مصلحة المجموع العام.. وعندما تذهب الحرية (وهي المبدأ الجوهري الذي يدافع عنه هذا المثقف باعتبارها قيم القيم)، وتذهب معه العلاقات الانسانية الاجتماعية وغير الاجتماعية، فما قيمة أي شيء آخر في الحياة؟! ما نفع الوجود كله؟ ما معنى الحداثة والعمران والتغني بالشعارات الجميلة الفضفاضة والواسعة؟!.. ما هو معنى الحَجَر والشجر والطبيعة الجميلة الغناء والمعاني العذبة والصافية؟!. ما معنى أن تسافر الى أروع الأماكن وأجمل بقاع الدنيا، وتحوز على أرفع الجوائز، وتحقق أعلى وأميز المطالب والأمنيات والغايات الكبرى، ولكنك أنتَ في داخلك حزين بائس تفتقر للراحة والسكينة والتصالح مع الذات؟!!.

بطبيعة الحال الإنسان-المثقف الحر الواعي والمتوازن المنسجم مع ذاته، هو من يضفي ويعطي للوجود كله، معناه الحقيقي، بوعيه العقلاني، وفكره النيّر الرصين، وارادته الحية الفاعلة، وعطاءاته العملية المميزة، وسلوكه الحضاري النبيل.. فهل إلى ذلك من سبيل حالياً؟!.

للأسف، الإجابة سلبية حتى اليوم في هذا العالم العربي الذي يلّفه الحزن والسواد على حال ووضع الإنسان فيه، وحال القيم الحقوقية والإنسانية المفترض أنه أول ما كان يجبُ أن يأخذ بها ويطبقها استجابة لدعوات (وأحكام) رسالته الدينية بالذات التي تعلي من شأن الحق والحقوق والمبادئ الإنسانية...!!.

والإجابة سلبية أيضاً بناءً على حال ووضع المثقف وقيمة الحرية التي يرفع لواءها على الرغم من الصعاب والأهوال… إذْ كيف نريدُ للشجر الجديد (شجر الفكر والعقل والمدنية والتطلع لبناء دول الحق والعدل والمساواة كقيم نهائية) أن ينمو ويثمر في أرضٍ تعاني من اليباس والقحط والجدب، أي ما زالتْ تربتها مالحة، وماؤها صديد، وتعج فيها المستنقعات الآسنة..؟!! في ظل ما قامت (وتقوم به) نخب الحكم العربي الرسمية القائمة بالأمر، من ممارسات سلطوية قهرية، تهيمن من خلالها على كافة مواقع المجال العام، فكراً وسياسة، واجتماعاً واقتصاداً، إعلاماً وأصواتاً، لتمنع بموجبه المثقف من ممارسة رسالته ودوره في النقد والمساءلة وتعرية الواقع، والإشارة إلى مواطن الخلل والاهتراء والتفكك التي تظلل وجودنا العربي.. بما جعل كثيراً من مثقفينا مجرد منفعلين بالأحداث، هامشيين وتابعين لرحل السياسة، بدلاً من أن يكونوا عناصر فاعلة وقوية في أي مشروع نهضوي مجتمعي عام..!!.

إنّ الخوف من كلمة المثقف الحر التنويري، هو خوف السلطات الوجودي والمصيري من قوة حضور هذه الكلمة (النقدية الحرة)، وشدة وقْعها وتأثيرها على الرأي العام والمجال العام لجهة إمكانية الثورة عليها والتخلص منها.. ولهذا تشتغل (تلك السلطات) على تشويه الوعي، وتحريف الوقائع، والتلاعب بالرأي العام، والضغط على المثقف لمنع قول الحقيقة، وهذه أمور من أصعب ما يمر على الاجتماع البشري، نظراً لفاعليتها المؤثرة سلباً على حياة الفرد ومستقبله.. خاصةً في مجتمعات متخلفة كمجتمعاتنا العربية.. وهنا يلعب الإعلام (الموجّه) أكثر الأدوار سلبيةً وعدمية نتيجة انحيازه للرأي الواحد والفكر الواحد..

وقد قادت تلك الأجواء المعيقة للإصلاح والتغيير، إلى بقاء العرب على هامش التاريخ، حيث لم يعد بإمكانهم اليوم فعل أي شيء في معادلات السياسة الإقليمية والدولية، وحتى ما يتعلق منها بمصالحهم، هم بعيدون عن تحقيقها بلا مساعدة وتدخلات من دول أخرى، بما يفقدهم سيادتهم وقرارهم وامتلاك زمام أمورهم، والسبب في سلبيتهم وانعدام تأثيرهم، وحالة انعدام وزنهم إقليمياً وعالمياً، هو أنهم نظم غير شرعية، أي تفتقد للتأييد الشعبي الحقيقي، وتعتمد فقط على العنف والقوة لبقائها.. وبرأيي هذا لن يدوم طويلاً، على الرغم من انسداد آفاق التغيير العربي حالياً... والفارق الوحيد الممكن حدوثه لاحقاً ليغير من واقع الحال العربي، على الرغم من الصعوبات والضغوطات وسياسات المنع والإعاقة والاستبداد، هو مشروع الشعوب القوية والقادرة وصاحبة المصلحة الأساسية في التغيير المستقلبي المأمول!!.

وهذا سيحدثُ بلا أدنى شك، رغم لجوء تلك النظم إلى شماعة الإرهاب والتخويف من التيارات الإسلامية، سواء المتطرفة منها أو المعتدلة، وهو خوف ليس في محله، رغم مساوئ تلك التيارات وفشلها في وعي مصالح الشعوب والاستجابة للوعي المدني الحضاري.. فلبُّ وجوهر ومركز "المشكلة - الأزمة" الذي تهرب منه تلك الأنظمة – ويهرب معها لفيف من مثقفي السلطة والوعظ السلطاني والديني - هو أنهم لا يشيرون إلى موضع الخلل الحقيقي والجوهري، موضع المرض والاستعصاء التاريخي الذي تعاني منه مجتمعاتنا وبلداننا منذ زمن ليس بالقصير، وهو مرض واستعصاء الاستبداد والقمع وإلغاء السياسة من المجتمعات ومنع الناس من التعبير والعودة لممارسة دورها النوعي الفعال في مجالها العام الذي هو من ضرورات وجودها وتطورها وتحقيقها لمصالحها الاقتصادية والتنموية والسياسية في إقامة مجتمعات متطورة ومزدهرة يعيشون فيها بأمان واستقرار وسعادة حقيقية.. يتعاملون معها وكأنها مجتمعات جاهلة ومتخلفة وفاقدة للأهلية العقلية والنفسية، وغارقة في ظلاميتها وووإلخ... مع أنه لو كان الأمر صحيحاً، فلماذا لم تقم النظم العلمانية التي استلمت الحكم منذ عقود طويلة على تدريب تلك الشعوب على الحداثة والوعي المدني؟! ولماذا لم تقم بتحديثها وتطوير وعيها وتنميتها عقلياً وعلمياً وووإلخ؟!!..

إننا نعتقد أنه لا مصلحة لتلك النظم بتطوير مجتمعاتها وتحديثها من خلال إعادة السياسة إليها..

إن التنمية والازدهار والتقدم الاجتماعي والعلمي والاقتصادي يحتاج لواقع سياسي عقلاني يقوم على الحريات والتعددية والمساءلة، يحتاج لفكر حر ومنفتح بعيد عن التعقيدات والشعارات والزيف الأيديولوجي... يحتاج لعمل دؤوب وصادق وحقوق مُصانة ومُجسَّدة.. وهذه شروط ما زلنا بعيدين عنها بعد السماء عن الأرض، مع أن الأمل حاضر بقوة، وهو أملٌ يرتكزُ بالأساس كما قلنا على مشروع الشعوب القوية والقادرة التي لا أحد يعلم زمن ولحظة تفجُّر إرادتها الحرة المنتظرة!!!. على الرغم مما لحق بها من أذى وتسلط وجروحات عميقة!!.

نبيل علي صالح

 

 

إخترنا لكم من العدد