مجلة البلاد الإلكترونية

المجلس المركزي للتجمع: المكلفون بتشكيل الحكومة يتصارعون على أمور ليست السبب الحقيقي وراء إطالة التأليف لأشهر، فهل يُعقل أن تسمية وزيرين توقف التشكيل طول هذه المدة؟!

العدد رقم 289 التاريخ: 2021-06-19

عالمنا العربي

غسان عبد الله

هامش ثقافي

عالمنا العربي

على الرغم مما يجري في العالم من تطور مذهل إما في قطاعات التكنولوجيا أو مجالات حياتية أخرى تساهم في الارتقاء بالإنسان نحو مراتب أعلى، نجد أنفسنا في العالم العربي كمن قتلته "زوجة أبيه" وتركته ينام دون عشاء!!.

ومع الأيام تطورت ونمت فكرة شريرة في عقولنا وهي "أن من يكتب في العالم العربي كأنه يسير في حقل من الألغام وفي أية لحظة قد ينفجر فيه لغم ويقتله".. ورحنا نواسي أنفسنا وندعي أن ديمقراطية الغرب مزيفة! وذلك لأن أحد الحريصين(!!) يخرج لنا كل يوم من قمقم المؤسسات الرسمية للكتاب العرب ويخبرنا بأن ديمقراطية الغرب سلعة بيد التجار هناك، ويزيد في شرحه وشرخه لنا حتى نواسي أنفسنا ونصمت. ثم يتابع غسلَ دماغنا ويدعونا بغزو الأندلس أن نفاخر، وبالكلمة الطيبة والكذبة المرة أن نتاجر، وأن ننظر إلى وجوهنا في ماء عكر وليس في المرايا والمجاهر لنكبّر الصغرى ونصغّر الكبائر... وبعد قرون من الشرح ونقل التباشير واللغة والخطب العصماء لن يبقى لنا سوى غسل الصحون والطناجر..

وبات الكاتب العربي، وفي قرار حاسم منه، يطفئ كل الأنوار من حوله ويغلق النوافذ ويجلس لكتابة مقالة على ضوء الشمعة، مخافة من يراه أحد البصاصين أو العسس وهو يكتب قصيدة حب، فيتم تكفيره، وربما إبعاده عن غرفة نومه!! نعم إنها عقوبة قاتلة لكل من سوّلت له نفسه أن يفكّر على ضوء الشمعة، التي تنير مساحات من الظلام والظلمة، ويا لها من عقوبة حضارية فذة: أبعدوه عن وطنه وارجموه، إنه الشيطان الرجيم!!.

إنها لحظة سبات عميق يمر بها عالمنا العربي. وهذا ما جعل الكثير من الحكايات الشعبية تروى في الأزقة وفي الغرف المغلقة عن بعض دعاة الديمقراطية في عالمنا العربي، والذين كرهوا حياتهم وأصابهم الملل من كثرة ما طالبوا بالديمقراطية دون جدوى. وانتهى بهم المطاف إلى زيارة ساحر هندي، يقال عنه أنه لديه مجموعة من التعويذات التي تجلب الخير والسلام والديمقراطية. وعندما استقبلهم هذا الساحر وعرف أنهم من العالم العربي، ضحك وقال لهم أن لديه تعويذة خاصة لهم وهي مكتوبة على ورقة ملفوفة بالقماش لا يجب أن تفتح إلا بمرور ثلاثة أعوام على الأقل.

وعندما عاد دعاة الديمقراطية إلى بلدانهم وبمرور الوقت وقرروا أن يفتحوا التعويذة، وبعد فركها قليلاً، خرج لهم مارد كبير لينفذ لهم كل رغباتهم. فقال أحدهم: نريد حريات، وقال الآخر: نريد ديمقراطية، وقال ثالث: نريد إيقاف فتاوى التكفير والرجم... فضحك المارد عليهم وقال: سامحوني يا أصدقائي، فأنا أستطيع جلب الديمقراطية إلى كل أنحاء العالم ما عدا العالم العربي، ويبدو أنكم لم تشاهدوا الملاحظة المكتوبة في أسفل التعويذة والتي تقول: بالنسبة للعالم العربي يفضل الانتظار ليوم القيامة لتحقيق ما تحلمون به!!.

وهكذا كتب على المساكين أن ينتظروا إلى يوم الدين.. وبمرور هذا الوقت ستقص أدمغتهم وأدمغتنا خطابات النسّاك الزاهدين المزهدين، وأحاديث هؤلاء البائسين الذين حملوا سيفاً لنحر القرن الحادي والعشرين والسيف نفسه قد ضاع في تفسيراتهم للعلم والحضارة في كلمات من الشك واليقين.

كتب علينا، إذن، في هذا العالم العربي الطيب، أن ننتظر رحمة السماء حتى تخلصنا من "حبوب منع التفكير" التي تجهضنا كلما حملنا في عقولنا حلماً أو فكرة لمستقبل وغد مشرق تشرق شمسه من وراء الجبال وليس من تحت إبط هؤلاء البائسين!!.

غداً، وربما بعد ألف عام، سننشر قصائد الحب على الجدران، وسنعلن البيان رقم واحد والذي ينادي بحقنا بالحب والحياة واستنشاق روائح الفل والياسمين. غداً، وربما بعد ألف عام، سنكتب عن طفل حملَ كعكةً فصوّرَتْهُ كل فضائيات العالم وراحت تتغنى "بصندوق المساعدات"، ولا أحد يعرف ماذا حل بهذا الطفل بعد انتهاء التصوير؟..

غداً، وربما بعد ألف عام، سنكتب ماذا حل بالشاعر الفلاني الذي ألقى قصيدة فرجم حتى الموت.. سنكتب ما أمرنا أن ننشره مليون مثقف وكاتب وعالم رفضت دور النشر أن تنشر أبحاثهم وكتبهم عن المستقبل، وراحت تنشر "مغامرات علي بابا"، و"أكاذيب سندبادية عن حياة جهنمية"... سنكتب عن الجندي الذي أقنع العالم أن الكاميرا تطلق قذائف صاروخية تهدّد أمن وسلم العالم، واقتنع العالم.. سنكتب عن شجرة زيتون وشتلة حبق وغرسة برتقال لم تعد لنا.. سنكتب عن أمٍّ وأبٍ توفيا دون أن يعرفا كيف أصبحت أشكال أولادهم.. سنكتب أننا خلقنا في دنيا ليست لنا وأرض سرقت منا، وبعد ذلك سنواجه تهمة حبنا لأرضنا!!.. وسنكتب أيضاً عن فتوى ضد الفتوى، فتوى تقول إن الحقَّ على الحجاب لأنه يقلقُ حريةَ فرنسا.. سنكتبُ عن العين التي ترى ولا ترى، عن الذي أعطى ترخيصاً دينياً لفرنسا لتخلع نساؤنا سترها على أعتاب الأمم المنتحرة.

غسان عبد الله

 

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد