مجلة البلاد الإلكترونية

المجلس المركزي للتجمع: المكلفون بتشكيل الحكومة يتصارعون على أمور ليست السبب الحقيقي وراء إطالة التأليف لأشهر، فهل يُعقل أن تسمية وزيرين توقف التشكيل طول هذه المدة؟!

العدد رقم 289 التاريخ: 2021-06-19

الولايات المتحدة - إسرائيل - تفاهمات في أعقاب عملية "حارس الأسوار"

الولايات المتحدة - إسرائيل - تفاهمات في أعقاب عملية "حارس الأسوار"

فاجأت عملية "حارس الأسوار" الإدارة الأمريكية. تعيينُ سفير لإسرائيل وقنصل عام في القدس (حيث أنه تقليدياً مسؤول عن العلاقات مع السلطة الفلسطينية) تأجَّلَ بعد أن دخل الرئيس بايدن البيت الأبيض، وإدارته لم تعتزم وضع قضية النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني عالياً في جدول الأوليات، مع أنه عمل على ترميم العلاقات مع الفلسطينيين وترك نافذة لاحتمال دفع حلّ الدولتين في المستقبل قدماً.

المواجهة العنيفة التي اندلعت بين إسرائيل وحماس ألزمت الإدارة بلورة وبسرعة سياسة واستثمار موارد زمنية كثيرة بغية تسريع التهدئة. بهذا الخصوص، في أثناء العملية وبعدها فوراً:

* الرئيس بايدن دعم إسرائيل وحقّها في الدفاع عن نفسها ومنع ما أمكن انتقاد علني ضد تصرفاتها. في المقابل أدار مسعى دبلوماسي حثيث مع إسرائيل ودول عربية، مع التشديد على مصر، من أجل تقديم مخطط لوقف إطلاق النار. يبدو أن الضغوطات على إسرائيل زادت فقط بعد أن أصبح واضحا للإدارة أن المعركة العسكرية وصلت إلى درجة الاستنزاف.

* خلافا لأحداث مماثلة في السابق، تبنى الكونغرس وظيفة "الشرطي السيء" والضغوطات على الإدارة لتشديد سياستها إزاء إسرائيل، خصوصاً من جانب الأقسام المتقدمة في الحزب الديمقراطي، لكن ليس فقط، كانت مهمة.

* وزير الخارجية الأمريكي، طوني بلينكن، وصل إلى المنطقة بغية العمل على تثبيت التهدئة وعلى ما يبدو دفع مسعى بلورة مخطط ترميم قطاع غزة قدماً. في المقابل، الإدارة والرئيس بايدن يُكرّران في الواقع ثابتة أن ليس هناك أيّ تغيير في الالتزام بأمن إسرائيل، لكن يعودان ويكرران أن حلّ الدولتين هو الطريق الوحيد لإنهاء النزاع وأن "الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء جديرين بفرصة متساوية للعيش بأمن وباحترام".

في الأيام التي ما بعد عملية "حارس الأسوار" سيكون على إسرائيل، مع بلورة سياستها، أن تأخذ بعين الاعتبار القضايا التالية:

* على ما يبدو خلافاً لتقديرات سابقة، في البيت الأبيض يخدم اليوم رئيس هو صديق حقيقي لإسرائيل، حيث يرتكز أسلوبه على سنوات من الخبرة السياسية واعتراف عميق بحاجة الولايات المتحدة لضمان مصالح إسرائيلية أساسية في كل ما يتعلق بحاجتها الأمنية. مع ذلك، هذا المفهوم لا يعني أن الرئيس والإدارة يوافقان تلقائياً على كل إجراء لحكومة إسرائيل. على شاكلة إدارات سابقة، الخطوات التي ستنتهجها إسرائيل سيتم درسها في واشنطن أيضا عبر المصالح الأمريكية والتحليلات التي ستعطى للمصالح الإسرائيلية. بهذا الخصوص، مع اتخاذ القرارات على إسرائيل أن تزن مسبقا التصرف المتوقع من جانب الإدارة.

* حتى ولو تمسّكت الإدارة بجداول الأولويات التي خططتها، فقد أثبتت لها الأحداث الأخيرة أنهم منشدّون للشرق الأوسط حتى ولو كانوا غير معنيين بذلك. يبدو انه في الفترة المقبلة على الأقل، ستكون الإدارة منخرطة بمحاولات لبلورة مخططات عمل تسمح باستقرار الوضع في قطاع غزة بهدف منع تجدد أعمال العنف ما أمكن. وزير الخارجية بلينكن شدّد مجدداً قبل زيارته للمنطقة أن الهدف في الوقت الراهن هو "إعادة بناء طرق ملموسة تبعث بأمل حقيقي، احتمالات وفرص للأشخاص". بحسب كلامه في مرحلة أولى سيكون هناك حاجة إلى مواجهة الوضع الإنساني الخطير في غزة عن طريق إقناع دول للمساهمة في ترميم المنطقة وتطويرها. في موازاة ذلك، ستستأنف الإدارة علاقاتها مع الفلسطينيين وستتابع الحوار الجاري مع إسرائيل. مع ذلك، من المتوقّع أن تواجه الإدارة صعوبات، سواء بسبب تشريعات تحدّ من قدرتها على مساعدة الفلسطينيين أو، على ما يبدو، عقب رفض فلسطيني تأسيس حوار معها من دون إعادة القنصلية إلى القدس.

* لا يزال مبكراً تحديد هل ستدفع المواجهة بين إسرائيل وحماس الإدارة إلى تعميق، خلافا لنيتها في البداية، تدخلها في القضية الفلسطينية. في هذه المرحلة تشدد الإدارة انه من المُبكر حاليا التطرق إلى مبادرات سياسية لحلّ النزاع. ومع ذلك، الرئيس بايدن والمتحدثين الكبار في الإدارة يعودون ويؤكدون أنه لحل الدولتين فرصة للنجاح في تهدئة النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني.

في الوقت نفسه، تُلزم تصرفات مشرعين ديمقراطيين إسرائيل - بعد أن ركّزت في فترة الرئيس ترامب وحتى قبله، في فترة الرئيس أوباما، خصوصاً في العلاقة مع الحزب الجمهوري - بمساعي كثيرة بغية إعادتها إلى مكانتها كما في السابق في مركز الإجماع المكون من حزبين في الولايات المتحدة. غالبية المشرّعين الديمقراطيين في الكونغرس يتمسكون حاليا بموقفهم الموالي لإسرائيل. إلا أن التصرفات الانتقادية ضد إسرائيل في الجناح المتقدم للحزب الديمقراطي تبدأ بالتوغل باتجاه المشرعين الذين ينتمون للتيار الوسطي. بهذا الخصوص يبرز الانتقاد الكبير الذي أعلنه السيناتور الديمقراطي بوب منندوز، من الداعمين البارزين لإسرائيل، في أعقاب تدمير مبنى الجلاء في غزة، الذي يضم من بين جملة أمور، مكاتب الجزيرة ومكاتب وكالة الأنباء الأمريكية AP، أشار هو أيضا إلى أنه "انزعج كثيراً من التقارير حول نشاط الجيش الإسرائيلي في غزة والذي أدى إلى موت مواطنين أبرياء، واستهداف مقصود لمكاتب وسائل الإعلام الدولية، وأيضاً مجموعة 28 سيناتور من الحزب الديمقراطي، الذي وقّع على دعوة الرئيس بايدن التوصل إلى تهدئة في الحرب بين إسرائيل وحماس. أكثر من ذلك، يوجد مشرعين ديمقراطيين، وعلى رأسهم السيناتور اليهودي بارني سندراوس، الذين يطلبون من الرئيس - يعارض ذلك بشدة - أن تكون المساعدة العسكرية لإسرائيلي مشروطة بتقديم حلّ للنزاع. فضلا عن ذلك، في أثناء العملية قاد مشرعين ديمقراطيين محاولة فاشلة لوقف صفقة أسلحة طلبت الإدارة تسريعها إزاء إسرائيل. يُشدد على أنه ليس لدى إسرائيل اليوم سفير بعمل كامل في واشنطن - الأمر الذي من شانه أن يُصعّب على تقديم حل فعاّل للتطورات.

تصرفات الرئيس بايدن في أثناء العملية تشهد في الواقع على انه ينجح في الوقوف كالسد المنيع. لا حاجة للأخذ بعين الاعتبار أن الرئيس وإدارته لا يستطيعان التغاضي عن الاتجاهات الآخذة في الاستقواء داخل الحزب ووسط الجمهور داعميها في شوارع الولايات المتحدة. من استطلاع أجراه معهد غالوف في شباط 2021 يظهر أنه زاد دعم الفلسطينيين، مع انه لدى الجمهور الأمريكي تصرف إيجابي من إسرائيل. ويبرز أيضاً أن الغالبية وسط الديمقراطيين معنيين برؤية ضغط أكبر من جانب الولايات المتحدة على إسرائيل. بحث أجري في جامعة مريلاند ونُشر في واشنطن بوست أظهر أن وسط ناحبين ديمقراطيين يوجد غالبية تدعو لاتخاذ خطوات عقابية ضد إسرائيل بسبب تصرفاتها. وبحسب البحث، أمريكيون كثيرون يستعدون اليوم للتخلي عن حلّ دولتين ويفضّلون إسرائيل ديمقراطية وليس يهودية، مقابل دولة يهودية لا تمنح حقوق مدنية للفلسطينيين. إضافة إلى ذلك، يجب الأخذ بعين الاعتبار أنّ الكثير من المشرعين الديمقراطيين يوجهون الحوار الكلام المتزايد وسط جمهور الناخبين الديمقراطيين الذين يربطون بين النزاع على حقوق الإنسان في الولايات المتحدة وبين نزاع الفلسطينيين لتحقيق حقوقهم.

الرئيس بايدن أكّد في الواقع فوراً بعد عملية "حارس الأسوار" أن الحزب الديمقراطي يواصل دعم إسرائيل، لكنّه احتاج في أثناء العملية إلى بذل مساعي مقابل حزبه. التوتر بين الموقف الأساسي للرئيس بدعم إسرائيل وبين التناقض الذي يفسر من ذلك نظراً لأهميّة أنّه وإدارته يتطرقان إلى حقوق الإنسان، ألزمه أثناء أيام العملية إلى المناورة، خصوصاً عندما أعلن علناً عن موقفه، مقابل خصومه في الساحة العالمية. وذلك، خصوصاً مقابل الصين، عندما اتّهمه وزير الخارجية الصيني بالنفاق على خلفية الانتقاد الأمريكي لسياسة الصين إزاء المسلمين في سينغيانغ. بايدن، على ضوء صداقته والتزاماته العميقة مع إسرائيل، يتوقع أن يواصل دفع مطالب استثنائية من جانب أعضاء حزبه، لكن الواقع الذي يحتاجه بغية دفع جدول أعمال الإدارة قدماً من شانه أن يضعه أمام تحديات مُعقّدة.

إضافة إلى أنّ تصرّفات الإدارة في أثناء عملية "حارس الأسوار" أبرزت موقف الرئيس بايدن الإيجابي إزاء إسرائيل، وقد جسّدت كما في السابق الوظيفة الأساسية للولايات المتحدة في إدارة أزمات لها تأثير على المصالح الأمنية الإسرائيلية. على خلفية ذلك وكعبرة مباشرة، على حكومة إسرائيل أن تفهم وأن تأخذ بعين الاعتبار مصالح الولايات المتحدة وحاجات الإدارة. من أجل تقليص المفاجآت ما أمكن ولمنع ثغرات بين مواقف الدولتين، على إسرائيل إدارة حوار استراتيجي متواصل وحذر، إذ من خلاله سيكون من الممكن التأثير على الإدارة وخصوصاً من أجل فهم وبشكل أفضل المصالح الأمريكية. بهذا الخصوص، يوصى أن تتبنى إسرائيل موقفاً يؤدي قدر الإمكان إلى تجسيد استعداد للذهاب إزاء الإدارة الأمريكية، وبالطبع عدم تجاهلها علناً، من خلال تقدير أن طلباتها تتطابق مع المصالح الإسرائيلية. وهكذا تستطيع إسرائيل مساعدة الإدارة في مواجهة الاتجاهات المعادية لإسرائيل وسط الجمهور الأمريكي، حيث ستجد إسرائيل صعوبة في مواجهتها بطريقة مباشرة.

مركز أبحاث الامن القومي - ألداد شابيت

ترجمة وإعداد: حسن سليمان