مجلة البلاد الإلكترونية

المجلس المركزي للتجمع: المكلفون بتشكيل الحكومة يتصارعون على أمور ليست السبب الحقيقي وراء إطالة التأليف لأشهر، فهل يُعقل أن تسمية وزيرين توقف التشكيل طول هذه المدة؟!

العدد رقم 289 التاريخ: 2021-06-19

عِبَر حرب غزة

عِبَر حرب غزة

إنجازات الجيش الدفاعية أمام حماس في الحرب الأخيرة كانت مهمّة جداً، لكن مع كلّ تفوق الجيش العملاني، فهو سيجد صعوبة في حماية إسرائيل ضمن حدود 1967، فما بالك في مواجهة متعددة الساحات.

خلال الحرب الأخيرة في غزة، تعرّضت إسرائيل لأول مرة لاستراتيجية قاسم سليماني: تطويقها بحلقة نيران من جميع الجبهات، بما في ذلك الجبهة الداخلية. ساحة غزة، التي تنفجر كلّ مرّة حدّ الحرب، أخذت هذه المرّة إطاراً جديداً، حيث شكّلت ركيزة لها القدس والأقصى ما أثار شغب عرب إسرائيل.

في خطابه بعد الحرب قال مسؤول حماس إسماعيل هنية: "المعركة فتحت باباً على آفاق جديدة". من حسن حظّ إسرائيل أنّ الآفاق الجديدة لم تتجسّد بعد بكامل التهديد الكامن فيها. مع وقف النيران، من المناسب تقييم دلالاتها للمستقبل.

ما الذي كان مفاجئاً في هذه الحرب؟ فيما يتعلق بالاستعداد العملياتي، كان الجيش الإسرائيلي على استعداد للقتال. مع هذا، الجهات الاستخبارية في الجيش تُقِرُّ بوجود مقدار من المفاجأة في سعي حماس إلى إشعال هذه الجولة. المفاجأة تكمن في الإطار الجيوسياسي الجديد، حيث تركز حماس حملتها على قضية القدس.

في معارك القرن الماضي، بما في ذلك حرب الأيام الستة وحرب يوم الغفران، تطلّب شن الحرب انتشاراً مسبقاً من قبل العدو مع وجود علامات التحذير المصاحبة لنية العدو. عندما قرر الرئيس المصري جمال عبد الناصر في مايو 1967 نقل قواته إلى سيناء، منح دخول سيناء وعملية انتشار القوات المصرية لإسرائيل فترة تحذير. العلامات الدالّة على خطوات وإجراءات التحضّر للحرب كانت علنية ومكشوفة أيضاً في الفترة التي سبقت اندلاع حرب يوم الغفران، لكنّ شعبة الاستخبارات للأسف الشديد ارتأت تجاهلها. منذ ذلك الحين استند التقدير الاستخباري إلى متابعة منهجية ولصيقة للعلامات الدالة. وهنا يكمن التغيير الجوهري الذي يطرح قوة المفاجأة الكامنة لدى حماس، وأكثر منها لدى حزب الله.

على عكس المنظمات العسكرية التقليدية، تستخدم حماس وحزب الله منطقاً يحد من وقت التحضير للحملة. وقد تمَّ بالفعل نشر معظم صواريخهم بشكل روتيني في منصات إطلاقهم. هكذا أيضا بشأن قسم كبير من القوات التي ترتكز على أبناء المكان. كتيبة الشجاعية أو جباليا، على سبيل المثال، تقوم على أبناء الحيّ، من صفوف المقاتلين وصولاً إلى قائد الكتيبة. وهذا يجعل الانتقال من الظروف الروتينية إلى حالة الطوارئ سريعاً للغاية ولا يسمح لمخابرات الجيش الإسرائيلي إلا بتحذير قصير.

أمّا الدلالة فهي انتشار مكوّنات مهمة في التشكيل القتالي بجاهزية دائمة للعمل، في أوقات الروتين أيضا. الزمن المطلوب لتحرّك هؤلاء الأعداء بعمل ما، من لحظة قرار القيادة إلى العملية، يسمح ببدء الضربات النارية بشكل مفاجئ. هذا التغيير يقوّض التوجيهات الأساس الواردة في نظرية بن غوريون التي شكّل التحذير فيها حجر أساس.

ولا شكّ بأنّ اختصار هامش التحذير والإنذار يلزم إسرائيل إدخال التغيير المناسب على مبادئ النظرية الأمنية. وبالفعل، قائد الأركان أفيف كوخافي، في المخطط الجديد الذي بلوره حول نظرية عمل الجيش أجرى تغييرات أيضا في المنهجية التقليدية لجهود الدفاع. في فترة قائد الأركان السابق، أيزنكوت، استثمرت موارد في تحسين الدفاع، بينها جدار اسمنتي في جوف الأرض حول قطاع غزة.

ى نطاق أوسع، فإن التهديد الذي تشكله حماس من خلال القوة النارية الصاروخية التي وجهتها ضد المدن الإسرائيلية يجب أن يدق أجراس التحذير بشأن انسحاب إسرائيلي محتمل من الضفة الغربية. لن تكون الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 منزوعة السلاح وستكون لديها القدرة على أن تصبح تهديداً أكبر بكثير من قطاع غزة. إن حجم الإنتاج الذاتي للسلاح في ظل حماس والجهاد الإسلامي يكشف عن فجوة وهم نزع السلاح. الحيّز الأكبر من الإنتاج الذاتي يحصل بواسطة آليات إنتاج ومواد خام مدنية. لا سبيل لتجريد دولة من ماكينات الخراطة المحوسبة، من الأنابيب المعدنية ومن الفوسفات. حقيقة عدم إنتاج القذائف الصاروخية، حتى الآن، في المدن الفلسطينية ومخيّمات اللاجئين، ناشئة من قدرات المراقبة والإحباط المتوفّرة جراء انتشار الجيش والاستيطان في عمق الضفة الغربية.

في هذه الأثناء، لا شكّ بأنّ نجاح قيادة المنطقة الوسطى في هذه الجولة في كبح أنشطة الإرهاب والعنف الشعبي داخلها دليل على الأحقية التكتيكية والبنيوية لمطلب إسرائيل بالإبقاء على حضورها وتواجدها في المنطقة. عندما يقارن المرء الموارد والجهود المطلوبة لتأمين السهل الساحلي لإسرائيل، والذي تم بناؤه حول نشاط جيش الدفاع الإسرائيلي في الضفة الغربية ودعم المجتمعات الإسرائيلية هناك، بما يجب أن تستثمره مؤسسة الدفاع في قطاع غزة، يتضح أن الوضع الحالي في الضفة الغربية أكثر فاعلية واقتصادية وملاءمة.

المنظّرون الذي يعظون بانفصال آخر، مع اقتلاع مستوطنات والتراجع ضمن خط السياج الفاصل، يؤسسون موقفهم على فرضتي أساس:

• إن الانسحاب إلى خطوط 1967 مع تعديلات طفيفة سينهي "الاحتلال" ويمنح إسرائيل الشرعية الدولية والدعم لعملية عسكرية إذا قوضت الدولة الفلسطينية أمنها.

• الجيش بتفوّقه الدائم يستطيع إزالة أي تهديد أمني في وقت قصير وبثمن معقول.

حجم التهديد الذي تواجهه إسرائيل من غزة، إلى جانب الرأي العام المعادي في الدول الغربية (تذكر أن المؤيدين الإسرائيليين لفك الارتباط أحادي الجانب من غزة لعام 2005 وعدوا بأن يدعم المجتمع الدولي أي رد عسكري إسرائيلي على الهجمات الإرهابية من القطاع، ونتيجة لذلك أبداً)، يلقي بظلال من الشك على صحة تلك المقدمات.

في هذا الإطار، لم يكن واضحاً ضمناً دعم الرئيس بايدن لحقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها، ويمكن أن نخمّن أنّ الغطاء الذي حصل عليه رئيس الحكومة نتنياهو لمدة عشرة أيام، سيكون له ثمنه. الإدارة الأمريكية الملتزمة بالدفع قدماً باتجاه حلّ الدولتين، أدركت جيّدا أنّ عدم دعم إسرائيل في وقت تتعرّض لهجوم إرهابي من القطاع، سيجعل صعبا جدا مطالبتها مستقبلا بالانسحاب من الضفة الغربية.

تشير الأحداث التي وقعت في الأسابيع الماضية، والتي أظهرت محدودية قوة الجيش الإسرائيلي في حالة نشوب حرب متعددة الميادين (بما في ذلك الحرب الداخلية)، وهي احتمالية تتزايد احتمالية حدوثها، إلى أن عمليات الانسحاب الإضافية ستشكل خطراً وجودياً على إسرائيل. مع كلّ التفوق العملاني لدى الجيش، إذا ما اضطرّ حتما للقتال في نفس الوقت في الساحة الشمالية، فلن يكون قادراً على الدفاع عن الشريط الساحلي الضيق من حدود ما قبل عام 1967 (نتانيا- كفر سابا).

مركز بيغن – السادات - غرشون هكوهين

ترجمة وإعداد: حسن سليمان