مجلة البلاد الإلكترونية

المجلس المركزي للتجمع: المكلفون بتشكيل الحكومة يتصارعون على أمور ليست السبب الحقيقي وراء إطالة التأليف لأشهر، فهل يُعقل أن تسمية وزيرين توقف التشكيل طول هذه المدة؟!

العدد رقم 289 التاريخ: 2021-06-19

سوريا الأسد تُفشِل المشروع الأمريكي الصهيوني!

زينب عدنان زراقط

سوريا الأسد تُفشِل المشروع الأمريكي الصهيوني!

بعد عشر سنوات من اندلاع ما يُسمّى بـ "ثورة الربيع العربي السورية" في 2011 والتدخّل العسكري الأمريكي لإسقاط حكم الرئيس بشار الأسد ومن خلال زرعِ الإرهابيين من القاعدة وداعش في سوريا لإسقاط النظام..

أثبت الشعب السوري أن خياره طوال الـ 11 عاماً، لم يتبدل ولم يتغير، وانتُخب الأسدُ مُجدداً بنسبة 95.1% من نسبة المقترعين، ليقطع دابر أمريكا مرةً أُخرى والتأكيد على أن الأزمة في بلاده هي نتيجةَ مؤامرات خارجية بحتة.

أثبتت "سوريا الأسد" بعد حربٍ فُرِضَتْ عليها عالمياً دامت لأكثر من عشر سنوات، أنها البلد الرائد في المحور الإقليمي والتي لا يمكن لأحد أن يتجاوزها، وأن جميع الدول التي رضخت للإملاءات الأمريكية بإخراجها من الجامعة العربية وقطع العلاقات الدبلوماسية والعلنية معها كمحاولةٍ لعزلها وتمكين الحصار المفروض عليها، ها هي اليوم تُقرِّ وتعترف بلزوم إحياء هذه العلاقة العربية السورية مُجدداً.

فوز الأسد: صفعة لأمريكا

انتصار سوريا وجَّه صفعةً إلى للاحتلال الامريكي من خلال رَدِّه مرة أخرى بعد عام 2014، على الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" الذي قال في 18 آب 2011، إن مستقبل سوريا يجب أن يقرّره شعبها، زاعماً أن الرئيس الأسد يقف في طريقه، وداعياً الرئيس الأسد للتنحي لمصلحة الشعب السوري!. أوباما الذي فوَّض شركة نفط أمريكية لبناء مصفاة بتكلفة 150 مليون دولار للتنقيب عن النفط وسرقته من أرض سوريا ذات السيادة بعدما أعطى عام 2013 الطابع الرسمي للدعم الأمريكي طويل الأمد للإرهابيين من خلال التصريح سراً لوكالة المخابرات المركزية بتدريب وتسليح ودفع آلاف الإرهابيين للقتال ضد سوريا لمحاربة النظام الذي كانت تُهمتُه "استخدام السلاح الكيميائي لقمع الشعب"! وقال: لقد "كانت تلك الجيوش الإرهابية تحت سيطرتنا تماماً". حيث عاثَ الخراب في سوريا، ذُبِّحَ أهلُها وتهدّمت مُدنها على أهلها وانتُهكَت أعراضُها واستُحلَّت خيراتُ أرضها. وأتى الرئيس السابق "ترامب" ليُكمل عُدوانه من بعد خلَفهِ ليعطي الأوامر بتوجيه الضربات المعلنةِ من خلال قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وتعاون مع الأتراك لإفلات الأمن عند الحدود، وبالإضافة إلى كل ذلك فرض مزيداً من العقوبات ومزيداً من التشديد في الحصار المفروض على كافة الصعد ومحاولته إخضاعها تحت مُسمّى قانون قيصر!.

ترامب هو الآخر الذي كشفَ باعترافه الخاص عن خطته للتخلّص من الرئيس بشّار في عام 2018 ولكنه تراجع عنها بعدما نصحه وزير دفاعه "ماتيس" حينها، وأعرب نادماً في اعترافه عام 2020 بأنه "كانت لدي فرصة للتخلص منه لو أردت.. كنت أفضل قتله، لقد جهزت للأمر تماماً"!!.

سقط الرهان الأمريكي بإسقاط الدّولة الوطنية في سوريا، سقط أوباما وسقط ترامب وسقطت أخلاقيات الكثير من الأعرابِ الذين خانوا عروبتهم وباعوا هويتهم كي يلتحقوا بالركب الأمريكي والذين لم يتوانوا عن الإمعان في الخرابِ في كافة أرجاء بلدان العالم العربي وتحديداً في قلب محور المُمانعةِ والذي لم تستطع يدهم الوصول إليه، ولن يستطيعوا!.

بايدن أيضاً حاول إسقاط الأسد!

الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن الذي انتهج سياسة "الدبلوماسية" في حواراته مع الأفرقاء ظهرت نواياهُ في الأيام الأولى من الشهر الماضي بأولِ موقفٍ واضحٍ وصريحٍ تُجاهَ المِلفِ السوري منذ توليهِ سدةَ الحكمِ في البيتِ الأبيض وذلك بإعلانه تمديدَ حالةَ الطوارئِ في سوريا عاماً إضافياً. لا شكَّ بأنها كانت مُحاولةً أُخرى عقيمة لتوهين النظام قُبيلَ الانتخابات.

إن ما يجب الالتفات إليه هو أن حالة الطوارئ الأمريكية ضد سوريا تلك لم تكن من تبعات الأزمة السورية كما يظنُّ البعض، بل تعود بدايتها إلى أيار من العام 2004 أي بعد 4 سنوات من وصول الرئيس الأسد إلى الحكم. وجاء إعلان واشنطن للحالة آنذاك على خلفية ما أسمته تدخّلات السلطة السورية وهيمنتها على مفاصل الحياة السياسة في لبنان، قبيل نحو عام من اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. لتبدأ مفاعيل القرار بتجميد ممتلكات بعض الأشخاص ومنع تصدير أو إعادة تصدير بعض السلع إلى سوريا وصولاً إلى إجراءات تصاعدية أكثر صرامة من تجميدِ ممتلكاتِ ومصالحِ الحكومةِ السورية، إلى إدراج المزيد من الأفراد على قوائم العقوبات الأمريكية، ومنع أي مواطن أمريكي من أي استثمار في سوريا أينما كان. كما تتقاطع حالة الطوارئ مع قانون "قيصر" في بنودٍ كالعقوبات المتعلقة بالبنك المركزي السوري، والأجانب المنخرطين في تعاملات نقل الأسلحة والمواد المتعلقة بها إلى سوريا.

وهكذا بقيت سوريا على اختلاف الأوجه الرئاسية في أمريكا تشكِّل "التهديد للأمن القومي الأمريكي" ما يؤكد أولاً أنَّ السياسة الأمريكية مبنية على توجُّهٍ ثابت، ومن جهةٍ أُخرى يُبرز أهميَّة دور سوريا الحسَّاس في محور المقاومة المُستهدف.

سوريا الخطر المُحدِّق بإسرائيل

لأن سوريا هي الداعم الأول للقضية الفلسطينية بموقفٍ راسخ عبر التاريخ، والصراع العربي مع كيان الاحتلال الإسرائيلي فهي تُشكّل الداعم الأساسي العربي الوحيد للمقاومتَيْن الفلسطينية واللبنانية، ولم تكتفِ بالتأييِد الكلامي والسياسي، بل قدّمتِ الدَّعمَ الماديَّ والتسليحيَّ والتدريبيّ، حين كان العرب بأغلبيَّتهم غير مؤمنين بجدوى المقاومة العسكرية. ولأنها الشريك الأساس في انتصارات المقاومة قي لبنان وفلسطين وله دور كبير فيما باتوا فيه من اقتدار وقوة. كذلك إنها لم تؤمن بأي تفاوض مع إسرائيل من أشكال التطبيع أو اتفاقيات السلام الاستسلامية على أنها ليست بالخيار الذي يكفل إرجاع الأراضي المحتلة. شكّلت سوريا الخطر المُحدّق بإسرائيل.

القلق الإسرائيلي من سوريا

لطالما كانت سوريا تنظر إلى الدور الأمريكي في المنطقة، على أنه يهدف إلى تدمير وتفتيت الدول، من خلال تأجيج التوترات وإعاقة أي حلول للأزمات، خدمةً لمصالحها وضمانةً لاستمرار وجود كيان الاحتلال الإسرائيلي، الذي يضمن هذه المصالح في المنطقة. كما أن الموقع الإستراتيجي الذي تُشكّله سوريا، الدولة الكبرى الثانية على حدود فلسطين المحتلة بعد مصر، وعلى الرغم من هدوءِ جبهة الجولان فإن إسرائيل تخشى من انفتاح سوريا على باقي محور المقاومة وما يمكن توريده إليهم عبرها.

وفي تصريح أدلى به "مايكل أورين" سفير الكيان الصهيوني بالولايات المتحدة آنذاك، واصفاً فيه أهمية سوريا الاستراتيجية، قال: "يتمثل الخطر الأكبر الذي يهدِّد إسرائيل في المحور الإستراتيجي المُمتد من طهران إلى دمشق وحتى بيروت ونظام الأسد بمثابة حجر الزاوية في هذا المحور" وذلك ما يُفصح عنه أيضاً رئيس وزراء كيان العدو "نتنياهو" بزعمه أن " طهران تستخدم الأراضي السورية لتهديد أمن إسرائيل بطريقتين رئيسيتين: الأول هو أن إيران تستفيد من حرية المناورة والحركة في سوريا لتزويد حزب الله بأسلحة متطورة وعتاد عسكري، والثاني هو أن وجود إيران العسكري المتوسّع والمكثف في سوريا قد يترتب عليه قيام جبهة عسكرية جديدة على مرتفعات الجولان".

إلاَّ أن آخر ما تريده إسرائيل – التي تواجه بالفعل تهديدات من غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان – هو المواجهة العسكرية على طول الحدود الفلسطينية/السورية لإدراكها أنها معركة لن تكون حصراً مع القوات السورية بل ستفتح الجبهة عليها من إيران ولبنان وغزة. إسرائيل التي لا تستطيع خوض مواجهة مباشرة مع سوريا، عوّضت عنها أمريكا بما ألحقته من دمار وحرب وحصار لضمان أمن الكيان الصهيوني وبما يعود عليها بمنفعةٍ اقتصادية بنهب الغاز والنفط من أرض سوريا.

الدلالات المحلية لفوز الأسد

بعد أكثر من عشر سنوات على محاولة أمريكا لإسقاط النظام في سوريا أتت نتائج الانتخابات لتُظهرَ العجز حتى في التأثير على شعبية الرئيس بأي شكل. فمن وقائع هذه الانتخابات أنها:

1- شملت للمرة الأولى مناطق كانت تسيطر عليها مجموعات المعارضة المسلحة الأمر الذي يؤكد عمق الانتماء للدولة السورية.

2- دخلت كل دمشق العاصمة في كنف الدولة ومنها دُومَا، بعد أن اتُّخِذَتْ هذه المدينة سابقاً كعاصمةٍ لـ "جيش الإسلام" الإرهابي والتي كما ظهر لم تعد تشكّل بيئة حاضنة للمسلحين.

3- تحدّي الإرهاب بالمشاركة الكثيفة للناخبين السوريين في الخارج ما يعكس رفض الدولة المزعومة التي أرادها الغرب والقوى الداعمة للإرهاب

4- أظهر خيار الشعب السوري، من خلال المشاركة الكثيفة، اختيار الدولة السورية الوطنية القومية العروبية، وأثبت هذا الشعب انتماءه إلى وطنه، وعدم تخلّيه عن دولته القوية والعزيزة.

المكاسب الإقليمية والدولية

كما أن لهذا الانتصار أبعاداً من المكاسب التي تنفتح على الإقليم ودولياً كذلك، منها: 

- استعادة سوريا لدورها الريادي في العالم العربي، وبالتالي اسقاط المخططات والمؤامرات التي حيكت ضد الشعب السوري، وفشل الرهانات السياسية والمخططات الأميركية المعادية لسوريا ومحور المقاومة الذي أثبت وأكد انتصاره على الإرهاب.

- تعزيز الموقف السوري في المفاوضات السياسية من منطلق وحدة الصف الداخلي وهو ما سيدفع الإدارة الأمريكية والأوروبيين إلى اعتماد خارطة سياسية جديدة للحل السياسي بعيداً عن خطاب الاستعلاء الذي كان يعتمد سابقاً.

- سعي الدول العربية والغربية لإعادة فتح صفحة سياسية جديدة مع سوريا ما يؤكّد الاعتراف والاقرار بقيادة الرئيس بشار الأسد الذي هو خيار الشريحة الأكبر من الشعب السوري.

- المساهمة بقوة في وَصْلِ دول المنطقة ببعضها البعض، بفضل تحالفها الاستراتيجي مع الجمهورية الاسلامية في إيران، لذا سيكون لها الدور المؤثر في نجاح أي حوار، بين إيران والدول الخليجية مستقبلاً.

- إعادة العلاقات العربية مع سوريا، سيساهم في النهضة الاقتصادية لكل دول المنطقة، خصوصاً: العراق، الأردن، لبنان، مصر (عبر تفعيل السوق المشرقية المشتركة) والدول الخليجية المتضررة من انخفاض أسعار النفط العالمية، كما أنها تشكل مركز المسار البري، لمبادرة الصين الاستراتيجية "حزام وطريق".

- إن حضورها المستقبلي على صعيد البلدان المنتجة للغاز في حوض البحر المتوسط، سيساهم في تحصيل الدول العربية لأفضل شروط تجارية مع الشركات المنقبة عن الغاز والنفط، بعد تشكيلهم لاتحاد مشترك يضمن حقوقهم.

- المساهمة في حل المشاكل التي تعاني منها البلدان العربية مثل اليمن، العراق، لبنان، وليبيا.

سوريا تُركع أمريكا

في الختام، إن ما حاولت الإدارة الأمريكية القيام به منذ عهد جورج بوش بتفكيك أواصر الحكم في سوريا وفرض الحصار عليها ظنّاً منها أن ذلك سيوهن محور المقاومة أو يضعف من قوة المقاومة الفلسطينية في غزة برزت نتائجه مُسبقاً بالنصر الذي لقي صداه حول العالم ومرّغ هيبة الكيان إسرائيلي بالوحل. وليُكمل هذا الانتصار نتائجه بأنه سيكفلُ أولاً: استكمال خروج الوجود الأمريكي من كل المنطقة نهائياً، وثانياً: ستبقى سوريا تُشكّل التهديد الأكبر للأمن القومي الإسرائيلي لما تُقدِّمه إيران من مساعدات لفصائل المقاومة في القطاع الفلسطيني المحاصر وللمقاومة الإسلامية في لبنان عبرها، وتبقى المفاجآت المعدّة للعدو رهينة الأيام لما سيؤول إليه هذا التعاون بين فصائل محور المقاومة من تطوّر وانتصارات.

زينب عدنان زراقط