مجلة البلاد الإلكترونية

المجلس المركزي للتجمع: المكلفون بتشكيل الحكومة يتصارعون على أمور ليست السبب الحقيقي وراء إطالة التأليف لأشهر، فهل يُعقل أن تسمية وزيرين توقف التشكيل طول هذه المدة؟!

العدد رقم 289 التاريخ: 2021-06-19

تُرى من يعيرُ جناحاً وقد طارَ سربُ القطا

غسان عبد الله

أول الكلام

تُرى من يعيرُ جناحاً وقد طارَ سربُ القطا

يسافرُ صوتي – وأنا الصامتُ دهراً - عبرَ الفصولِ.. وينهضُ وجْهي بينَ البراري البعيدةِ.. أرتدي وحشةَ الروحِ أو أسفحُ القلبَ فوقَ رمادِ القصيدةْ.. وتنأى بيَ الريحُ.. تنأى بيَ النوافذُ والعمرُ والأمنياتُ العنيدة..

وتعدو بيَ الأرضُ.. أتوحّدُ عبرَ التواصلِ بين ارتدادِ الصدى وابتعادِ المدى والخطواتِ الوئيدةِ.. تضربُ في الوهمِ تلتفّ أيدي الرمادِ عليَّ.. تُرى أيّ همٍّ عراني ليسقطَ كاسُ اللظى من يديَّ.. ألأنّي قافلةٌ للأسى.. أمْ هو الموتُ أقربُ منِّي إلي؟!..

هو ذا دربيَ الآنَ.. سأُسرِجْ بهاجِسي الصعبِ جمرَ التوجّسِ.. نارٌ خطايَ وبرقٌ دربيَ الوعرُ.. سأُكَلِّمُ الصخرَ كي تبدو لي الصوّرُ.. أُعاودُ الأمرَ إنْ عادتْ يدايَ سدىً.. أُعانق الوهمَ إنْ أزرى بيَ القهرُ.. أتلمّسْ طريقيَ في اللحظةِ المعتمةْ.. لأمشي على نبضِ قلبي خيلُ الغبار.. وتخرجَ من هيكلِ النارِ أيقونةٌ كنتُ أجَّجْتُ فيها الرؤى.. أنا المتوحّدُ في الظلّ.. هل أطَّرتني السنينُ بصومعةِ الجمر أهزوجةً.. أمْ تُراني ضربتُ المدى خبطَ عشواء منبهراً بالتماعِ النجوم.. أمْ تراني تأمّلتُ أفقاً ورصَّعتُهُ بالدررْ.. ليكنْ ذاكَ.. لكنّ ظلِّيَّ ما زالَ موتاً وما زلتُ ظلِّي ما زلتُ أنا!.. سأُكلّمُ جواديَ ثانيةً واسترق لحظةً للصفاءْ.. إنّ أجملَ ما في الصحاري أنّها فرصةٌ للبكاءْ!.. ولأكنْ ما أكون غيرَ أنّيَ لا أمتطي فسحةَ الأرضِ دون احتراقِ.. ولا أسبقُ الوقتَ ما لمْ تعانقْ يدايَ الحقيقةَ..

أُحاولُ إدراجَ نفسيَ في الضوءِ أنسلُّ من موقدِ الذاكرة (لقد كان لي: لغةٌ وغناءْ.. قمرٌ وسماءْ.. نوافذُ للمساءْ).. وتفرُّ الدقائقُ من عجزها توغلُ في ليليَ المرمريّ.. ويمتدّ صمتي في أفقٍ قاحلٍ ليأخذ شكلَ القصيدة.. من ينادي فمَه؟.. من يعادي دمه؟.. يا غربةَ الروحِ هل بعدَ الردى حذرُ.. وهل يغنّي المغنّي وهو يحتضرُ.. دارتْ بي الأرضُ مصلوباً على حجرٍ.. الماءُ لي وطنٌ والنارُ لي وطرُ..

على حافّةِ النارِ ألمحُ برقاً وأرنو إلى الرعد.. يتمٌ هو العمرُ إنْ لمْ نعمّدْ بماء الحقيقةِ أوجاعَنا ثمّ نسمو على نغمِ الذاتِ أو نطلقُ الصرخةَ النازفة وما بين هذا وذاك ندخلُ قسراً إلى جسد العاصفة هكذا.. يتضخّمُ رحمُ النساءِ فيولدُ بينَ المسافةِ والضوءِ دربٌ إلى الشجرةِ الوارفة نرتمي في المتاهةِ أو نحتمي باكتناز الولادةِ سرَّ الهوى واصطياد الرؤى الشاردة ولجْنا فصولَ البلوغ – التسابقِ، طفْنا مع الذاتِ قلنا: هي الجذوةُ الواقدةْ، ثمَّ أرّقنا هاجسٌ كان ينمو مع الجمرِ من أيّ بارقةٍ نصطفي نجمَنا في سماءِ الوجومْ؟ كيف نصطادُ هذي النجومْ؟.. غيرَ أنّا اهتدينا إلى شرفةِ الشمسِ إذْ باركتْ أمُّنا الأرضُ خطوتَنا المستحيلةَ قلنا: سينبجس الماءُ في جلمدِ العمرِ تورقُ أحلامُنا في حجر.. ما الذي أورثتنا الحياةُ تُرى هل سيغتالنُا شبحُ الوقتِ في اللحظةِ القادمة أمْ هوَ الوعيُ سوفَ يسوقُ خطانا إلى النقطةِ الحاسمةْ إنها القاصمةْ!.

وأنتَ.. أيها الصامتُ مثلي.. ماذا اعتراكَ؟!.. وجهانِ وجهكَ!!.. لا.. لا تلتفتْ أبداً.. بعضُ التلفّتِ هذا الهمُّ والضجرُ.. اركنْ إلى الجمرِ.. أنّى صوّحتْ طرقٌ.. واستنطقِ الوهمَ أنّى أورقَ الحجرُ. وحدكَ الآنَ تعرفُ دربَ الرياحْ.. ومن أينَ يأتي الهوى.. والتماعُ الأسنَّةِ في.. كأسِكَ المشتهى وذبولُ الرماحْ.. وحدكَ الآنَ تدركُ أنَّ الرمادَ اشتعالُ الليالي.. ودربٌ إلى الجمرِ لا يعرفُ المنتهى.. وابتداءٌ من الموتِ.. حتى الصباحْ!.

لا تمتْ يا صديقي انتظاراً ولا تتخشّبْ يداك فإنّ لنا موعداً – سلّماً لعيونِ المها والحديثِ المباحْ.. فلتدرْ هذهِ الأرضُ دورتها.. واحتكمْ للرؤى واعتصمْ بالرمالْ.. وارقب النجمَ ثانيةً.. خوفَ ذلّ السؤالْ.. ها أنتَ تمشي ويمشي خلفَكَ الشجرُ.. ويلتقي الماءُ في عينيكَ والشرَّرُ.. مرَّتْ عليكَ رياحُ القحطِ أجمعُها.. وأنتَ تنظرُ مسلوباً وتنتظرُ!.

وحدكَ الآنَ تُدركُ.. أنَّ المسافاتِ ليلٌ وعينا غرابْ فابتدعْ لغةً للرحيلِ المفاجئ واخترْ طريقاً إلى الجمرِ.. إن الهوى محنةٌ والليالي اغتصابْ.. وكنْ مثلما كنتَ يا أيها المتكوّرُ في غابة الماءِ والنارِ.. عانقْ يديكَ يسافرْ فيهما السفرُ.. واشفقْ عليكَ فإنَّ الملتقى وعرُ.. أنتَ الترابُ وأنتَ الجوعُ والبطرُ.. أنت الطريقُ وأنتَ الموعدُ الخطرُ.. لنْ تخرقَ الأرضَ.. مفضٍ إلى الوهمِ قلبُكَ.. ليلُكَ داجْ.. ونجمتُكَ المرتجاةُ… احتجاجْ.

قلتَ: المدى صبوةٌ واقترابٌ من الألقِ المرّ قلتَ: الردى صاحبٌ والرياحُ صديقةْ ولكنَّ نجمكَ لم يلتمسْ في الأعالي طريقه.. وأغضيتَ طرفاً وأصغيتَ ما بين خمرٍ وأمرٍ إلى لغةٍ أنتَ سيدّها مقلةٍ أنتَ أجَّجْتَ فيها الرؤى والبكاءْ وأورثكَ الرملُ همّاً وشقَّ لكَ الجمرُ درباً.. فآخيتَ لفحَ الهجير تُرى مَن يجير؟.. تُرى من يعيرُ جناحاً وقد طارَ سربُ القطا وانتهتْ غيمةٌ في حجرْ واستفاقَ الحمامُ، وهاجرَ حتى الشجرْ!.

غسان عبد الله