مجلة البلاد الإلكترونية

المجلس المركزي للتجمع: المكلفون بتشكيل الحكومة يتصارعون على أمور ليست السبب الحقيقي وراء إطالة التأليف لأشهر، فهل يُعقل أن تسمية وزيرين توقف التشكيل طول هذه المدة؟!

العدد رقم 289 التاريخ: 2021-06-19

ما بين رسالة الإسلام الثّابتة ومعايير الدّولة الحَديثة المُتغيرة

نبيل علي صالح

ما بين رسالة الإسلام الثّابتة ومعايير الدّولة الحَديثة المُتغيرة

يشكِّلُ الإسلام ديناً ورسالة سماوية لأكثر من مليار وسبعمائة مليون إنسان يعيشون على هذه البسيطة في بلدان وأمم ومجتمعات متعددة مختلفة تتباين في لغاتها وثقافاتها وعاداتها ومصالحها وخلفياتها التاريخية القومية والبشرية، ولكنها تتفق بمشتركها الديني وتستظل بمظلة الإسلام كتاريخ وثقافة ورسالة...

ومن الممكن القول هنا بلا أدنى شك إن غالبية هؤلاء المسلمين – المنتشرين في قارات العالم كله - يعتقدون بأن الإسلام مرجعية فكرية وسياسية وحياتية خاصة وعامة، ولكن قلة منهم فقط تعتبره مرجعية حضارية ثقافية شكلية فحسب، أي وعاء يختزن جزءاً من مباني ومعالم ثقافتهم ولغتهم وقيمهم التاريخية الأصيلة.. المهم أن الغالبية العظمى من مجتمعات الإسلام تعتز بهذا الانتماء الحضاري التاريخي وتستند عليه، وتنظر إليه كسفينة نجاة حقيقية في مواجهة تحديات العالم وضغوطاته، وليس كمجرد انتماء شكلي مظهري فحسب.. وأنه لا مناص من اعتماد هذا الدين (بصرف النظر عن شكل ونوعية هذا الاعتماد، فلهذا حديث وشأن آخر) كقاعدة أساسية لأية انطلاقة حياتية في المجال العام..

واليوم تجري نقاشات كثيرة حول طبيعة هذا الإسلام، وماهية دوره وأهمية حضوره في الشأن العام في كل تلك الدول والمجتمعات، على صعيد الحياة الاجتماعية للفرد والأمة ككل، وإسهامه فيها داخلاً وخارجاً، أو ضرورة انكفائه عن الساحة وعودته إلى وظيفته "المسجدية" الأولى في ممارسة دور رمزي معنوي فردي خلاصي فحسب في علاقة الفرد مع ربه.

ويبدو أن الأمر الذي دفع باتجاه تلك النقاشات الحارة اليوم حول هذا الدين، هو تلك السمات التي حاول ويحاول أعداء هذا الدين العظيم إلصاقه بها زوراً وبهتاناً، من الانغلاق الفكري والتطرف العقيدي والتعصب الاجتماعي والهيمنة السياسية، ورفض الحياة الحديثة، بكل ما فيها من قيم الانفتاح والتواصل والتشارك والتطور والعطاء.

ونلاحظ اليوم كيف تتزايد تلك الاتهامات والتوصيفات اللاذعة، خصوصاً بعد ارتفاع معدلات جرائم العنف الأصولي "الديني" في بلداننا، وأعمال القتل المهول المرتكبة باسم الدين، من قِبَلِ تنظيمات أو جماعات التيارات الإسلامية المتطرفة في خضم ما تعانيه مجتمعاتنا العربية والإسلامية من تداعيات هيمنة تلك التيارات الإقصائية على المشهد العام للساحة، كجزء من مشهد الاستبداد السياسي العام الذي تعانيه منطقتنا منذ زمن طويل، أي كنتيجة لاستمرار الأزمات السياسية العربية التقليدية المعروفة التي مررنا بها في بلداننا العربية على مديات زمنية طويلة، ولم يتم حسمها إطلاقاً، تم فيها تعقيم الحياة السياسية العامة، وإلغاء المشاركة في الحقل العام، ومنع الرأي الآخر، وإعاقة الحياة الفردية، ورفض التنوع والتعدد السياسي وغير السياسي، واستبعاد السياسة (والدين عموماً) من التداول العمومي، وتكريس النخبوية والوصاية السياسية واختزال الأمة التي خلقها تعالى على التنوع والتعدد في أشخاص ونخب تبدو وكأنها مقدسة أكثر من القديسين أنفسهم..!!!.

وكشفت الأحداث المفصلية التي عانت منها اندلعت منذ أكثر من عقدين وتصاعدت وتائرها تفكّكاً وانقساماً وتشظياً في غير بلد عربي من اليمن إلى ليبيا مروراً بالعراق وسوريا، عن أزمة بنيوية يعاني منها الاجتماع السياسي الوطني، تتمثل في هذا الفشل الذريع للدولة "الوطنية" العربية في بناء مجتمعاتها السياسية والأهلية على قيم العقلانية السياسية والحداثة والمواطنة وتأسيس آليات الحكم الصالح، نتيجة ما عانته من استقطابات سياسية وطائفية ومذهبية حادة، وهيمنة الانتماءات التقليدية الرّثة، بحيث أن المناخ المجتمعي العام أصبح سيئاً وموبوءً للغاية، مع حضور هذا البعد الديني وإدخال العامل الطائفي الذي يغذي "الأصوليون" من خلاله عقولَ العامة، ليكونوا مجرد وقود لطموحات سلطوية تخص هذا الطرف أو ذاك.

وقد استغل كثير من مفكري ونخب الأمة تلك الحالة لشن حملات فكرية وثقافية وسياسية على الإسلام والتشنيع به كدين طائفي غير قادر على قيادة الأمة وأنه يتناقض مع مفاهيم الوطنية والحداثة السياسية.. وبالتالي لا دور له في الحياة الحديثة للناس.. بل اعتقدوا أنه لا مجال لوجود أي ترابط وعلاقة عملية بين منظومة الدولة بهياكلها ومؤسساتها وقوانينها الحديثة، وبين الأديان (وبالذات الإسلام) كثقافة تقليدية وفكر تاريخي ومجرد ألفاظ ومواعظ أخلاقية بعيدة عن الأرض والحركية السياسية والاجتماعية للناس..!!.

في الواقع، من خلال مراجعتنا الفكرية لقيم الإسلام ومفاهيمه، وتطبيقاته التاريخية، والأطر والأدوار الحضارية التي مارسها أتباعه، والدول السياسية التي انبثقت عنه، على اختلاف صورها وتعابيرها وتجلياتها، لم نعثر على ما يفيد بوجود تناقض بنيوي "مبدئي" بين الاسلام كدين إنساني يدعو إلى "الأنسنة" والعقلنة والعلم والمعرفة وملاحقة كل ما هو جديد فكراً وعملاً، يشتغل في المجال العام، وبين مفهوم الدولة الحديثة التطبيقي بالإطار العام.. حتى وإن اعتبر بعض المثقفين والنخب الفكرية والسياسية العربية والغربية بأنّ الإسلام وعموم الأديان والطوائف والعشائر والقبائل – بفكرها وأعرافها وأنماطها السلوكية - تقف على تضاد (وطرفي نقيض) مع صيغة الدولة الحديثة باعتبارها مؤسسة متكاملة الأبعاد والجوانب.

طبعاً، الأمر الذي نستغربه كثيراً في طبيعة هذا الطرح - وغيره من الطروحات المتماهية فيه أو المتوازية معه - هو إصراره الشديد على الخلط وعدم التمييز بين الدين كحالة حضارية، ودعوة قيمية، وتجربة إنسانية لها مكوناتها الروحية - بالغة الرقي والتكامل - في الفكر والإحساس والممارسة، وبين الطائفية (والقبلية والمذهبية…) كحالات وانتماءات عشائرية ليست من الدين في شيء.. مع أنها قد تبدو في مواضع كثيرة أقوى من الدين ذاته.. فالدين دعوة روحية لكمال النفس والروح، وهداية للحق والقيم الروحية الخاصة بتهذيب النفس للترقي على طريق التكامل الممكن للفرد، وله مضمون ثقافي وروحي واجتماعي يتصل بالحياة وبالتحديات والمخاطر المتنوعة التي تواجه الإنسان فيها، في قضايا الوعي والمسؤولية، والحرية والحق والباطل، والظلم والعدل، وما إلى ذلك. ويوجد لهذا المضمون خطاب عملي يريد من خلاله أتباع هذا الدين - وهذا من حقهم بالطبيعة والفطرة - تحشيد الناس حول فكرته الحضارية في سياق عملية الإصلاح والتغيير.. تماماً مثل أي فكر أو رؤية أو تيار فكري آخر يريد أن يدعو إلى قناعاته ومبادئه وطروحاته، ويخاطب الجمهور عارضاً عليه أفكاره والتزاماته ومفاهيمه التي ينبغي أن لا تتناقض لدى الجميع (من أتباع الحركات العلمانية أو الدينية) – في العمق الفكري والعملي - مع صيغة الدولة الحديثة (القائمة على العلمنة والحرية والمسؤولية وتداول السلطة والدعوة السلمية الحضارية) باعتبارها (أي الدولة) أهم ظاهرة اكتشفها أو توصل إليها الإنسان في سياق سيرورته التطورية ووعيه لوجوده الذاتي والموضوعي.

وهنا نلاحظ أنّ كلّ خطاب تغييري (أو إصلاحي) لابد أن ينطلق في الحياة من خلال وجود قواعد ومرتكزات ثقافية حياتية إنسانية، الأمر الذي يلزمه - بحكم ضرورة امتداده إلى الساحة الحياتية العامة - بأن يأخذ بالأساليب والأجواء السياسية والاجتماعية السائدة، عندما تتصل قضية السياسة بقضية المصير الإنساني.. أما الحديث عن ماضوية وجمود الانتماء والخطاب الديني عند بعض المثقفين فإنه يشبه تماماً الحديث عن ماضوية وجمود الخطاب السياسي والاجتماعي المعبّر عن مضمون ثقافي معين خاص بهذا الطرف أو ذاك (يساري ماركسي، أو يميني ليبرالي، أم.. أم.. إلخ..).. ألا يمكننا الحديث مثلاً عن جمود وماضوية الخطاب الفكري عند الحركات والتيارات التي تتبع المنهج والأيديولوجيا المادية الديالكتيكية التي مضى عليها أكثر من مائة عام؟!!.. خصوصاً وأن تطبيقاتها على الأرض ألحقت دماراً هائلاً بالإنسان والواقع، وكلفت البشرية كثيراً من الدماء والدموع؟!!.. ثم إن الماضي – أساساً - هو تجربة أناس عاشوا قبلنا، فانطلقوا من خلال ظروفهم الموضوعية الثقافية والسياسية، وأوضاعهم الخاصة والعامة ليكسبوا فكراً وعلماً وتاريخاً، وليقدموا نماذج حية واقعية أو مثالية.. أي ليكون لهم حضور ودور معين بين باقي الأمم والحضارات.. ولذلك فإن الماضي كزمن فائت لن يعود بالتأكيد، هو زمن من كان قبلنا أفراداً وشعوب وحضارات، زمنهم هم، وتجربتهم هم، وهو شأنهم هم وليس شأننا نحن أبناء العصر الحاضر، إلاّ بمقدار ما يحتاجه الحاضر من الماضي، باعتبار أن الماضي قد يختزن في داخله بعض القضايا المهمة والأفكار والقيم الحقيقية التي تتصل بالحياة، وبأساس وجود الإنسان فيها. لأنها من خصوصيات الحياة، وليستْ من خصوصيات الزمن في عناصره الذاتية الضيقة والمحدودة. فالحياة تحتاج إلى أن تعطى بعض الأفكار في جميع مراحلها. ولذلك فإننا لا نستطيع أن نعتبر فكر المفكرين وثقافة المثقفين الذين قدموا لها تلك الأفكار فكراً وثقافةً ماضية، لأنه توجد أفكار من الماضي يمكن أن تكون صالحة للحياة في مدى الزمن كله، بحيث يكون الماضي مجرد حينٍ أو ظرف لها. فقيم ومبادئ العدل والحرية والعلم والتطور والتنمية، قيم ثابتة، لا تتغير مع الأيام لأنها مطلقة وهي معايير للحركية البشرية في كل تاريخها، ولكن مفاعيلها متغيرة.. وهي تكاد تكون هوية ثابتة في أي مجتمع حديث ومتطور.

ومن الطبيعي أن نؤكد هنا على أنّ هناك معارف وأفكاراً وثقافات تنطلق من خصوصيات زمانية ومكانية. أي أنها تخص الذين سبقونا في فكرهم وحياتهم وتجاربهم وخبراتهم بما يجعل إعادة إنتاجها أمراً مستحيلاً. ولكن تتم إعادة درسها وتحليله وتفكيكها من باب التذكرة وأخذ الدروس والعبر التي يمكن أن تقدمها لإغناء تجارب الحاضر. أي أن نجعل من الماضي ساحة للدرس والاعتبار على المستويين السلبي والإيجابي، وهو مجرد إطار للفكرة وللحركة في الواقع.

وهذا الوعي الفعال بمكتسبات الماضي ومواقعه وتجارب ناسه، لا يجب أن يقودنا إلى تقديس أفكاره، بما يحتويه من عناصر القداسة التي لا تتصل بزمن معين، ولكنها تتصل - كما ذكرنا - بالحياة.. فأفكار القيم العليا والمبادئ والحقوق الإنسانية الكلية الكبرى، كالــــ "الحرية" و"العدالة" و"المساواة" هي قيم ثابتة ومقدسة، وتسعى إليها الإنسانية في كل طور ودور.

إن الإسلام جاء لمحاربة القبليات والعصبيات وبناء الدولة - الأمة القائمة على قيم الإسلام الإنسانية، ولكن ما جرى لاحقاً أن السبب الجوهري الذي قاد عندنا إلى نشوء العصبيات، وإشاعة مناخات التطرف والعنف، وعودة الولاءات التاريخية العتيقة -وتوظيفها سياسياً- يتحدد (بالعنوان الأولي) (منذُ التاريخ الباكر حيث أن المسلمين منذ لحظة وفاة الرسول"ص" دخلوا في صراعٍ سياسي طويل قبل أن يبلوروا أية نظريات فقهية اجتماعية عملية. وبالتالي لم تكن نظريات ورؤى واجتهادات وممارسات المسلمين الأوائل ثمرة لأخلاقيات النص الديني ولا من صنع المجتهدين، وإنما مجرد تاريخ بشري دنيوي) أقول يتحدد بما قامت به النظم السلطوية الحاكمة في اجتماعنا السياسي العربي والإسلامي (التي استثمرت الخلافات والتعقيدات التاريخية) من حروب وصراعات على السلطة، واتباعها لسياسات فوقية قسرية باطشة وقامعة، تعتمد على الإقصاء والقهر والغلبة، وهي قاعدة معيارية التزمتها كاستراتيجيات عمل دائمة في كل تاريخها السياسي والاجتماعي في حالة مضادة ونقيضة لرؤية الإسلام ذاته، فاستبعدت من خلالها كثير من الجماعات الاجتماعية الوطنية الأخرى في تعبير صارخ عن اللا مساواة واللا عدالة والظلم التاريخي؛ الأمر الذي ولّد لدى هذه الجماعات - المقصيّة والمحرومة من حق المشاركة في صنع السياسة وتداول السلطة والمشاركة في القرار والمصير – شعوراً متزايداً بالقهر والتمييز والحرمان والظلم في توزيع السلطة، والاستفادة منها، مما كان يدفعها بالتدريج للانكفاء، والانعزال، والتفكير بالعمل تحت الأرض، أو على الأقل التقوقع على همومها، وعصائبها الذاتية، وهواجسها المرضية، بما يضمن لها الدفاع – بالحد الأدنى – عن وجودها.

وقد أسهم أيضاً إفلاس الفكر السياسي العربي المعاصر - تحديداً فكر النخب السياسية وكثير من المواقع الثقافية المرتكز أساساً على ثقافة سياسية مضى زمنها، وأصبحت عبئاً ثقيلاً على الواقع، ولم تعد قابلة للصرف في عوالم راهنة مفتوحة ومتشابكة وتشاركية وتبادلية - في إعادة إنتاج وصياغة أمثال تلك الأزمات والكوارث التي لاتزال تستنزف الجسد العربي. ولذلك لا بد من البدء الفوري بإنتاج ثقافة سياسية جديدة تبنى على معايير وأسس واقعية وإنسانية، تضمن للفرد حرياته الفكرية والسياسية كاملة، وتضع الشروط المعنوية والنفسية والسياسية التي تحمي هذا الفرد المستقل، وتقوم عليها فكرة المواطنة والحكم الصالح. وما لم تبدأ الدولة العربية السير على هذا الطريق الواضح والصريح فإن أزمتها - التي تمثلت في إرادتها القسرية الهادفة لبناء مواطن مستقل ومتحرر من ضغط المجتمعات المتخلفة والعصبيات الجزئية المتحكمة – ستستمر وتتوالد ذاتياً بمظاهر وألوان جديدة متنوعة تقف على رأسها أزمة التطرف والعنف الرمزي والمادي التي ستزداد من جانب بعض الحركات الدينية أو من جانب بعض الحركات العلمانية الإقصائية، لأن العنف يستولد العنف، والظلم ينبئ بفيض من الكوارث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.. وهذا ما نعاينه اليوم على الأرض العربية من اليمن إلى لييا مروراً بالعراق وسوريا..

ويبدو أن التركيز على الطائفية والبنيات العشائرية في البلدان العربية لا يعكس إدراكاً لمخاطر حقيقية وحتمية، بقدر ما يعبّر عن الكسل والبؤس اللذين اتسم بهما الفكر القومي، والوطني المحلي، الذي اتجه (في سعيه إلى إقامة دولة وطنية حديثة، وإضفاء المشروعية السياسية عليها) إلى التركيز على مسألة الهوية والتجانس والاندماج، بدل بناء مفهوم المواطنة، والتأكيد على واجب الدولة الحديثة في تأمين شروط تحقيقها، وهي الحرية والمساواة القانونية وحكم القانون الذي لا تقوم من دونه أي مواطنة، ولا رابطة سياسة، أي وطنية.

وقد أسهم ذلك كله (وعلى رأسه عدم بناء دول وطنية تقوم على العدالة والمساواة) مع وجود أرضية تاريخية خصبة بطبيعة الحال، في تصاعد موجات العنف، وانتعاش أفكار ومواقع الإرهاب، وتفشي التوحش والهمجية في التعامل حتى مع الموافقين.. فما بالك بالعلاقة مع المخالفين.

لقد كان من الممكن للقوى الحاكمة في بلداننا (وحيث توفّرت ظروف مثالية لديها) أن تبذل مزيداً من الجهود لإعادة ضخ الدماء الجديدة في شرايين الانتماءات التقليدية القبلية والعشائرية لبث الحياة الجديدة (الحيوية) فيها، وبنائها مجدداً على قيم الحداثة والانتماء الوطني الحقيقي. وإعلاء قيم الأمة وليس قيم العشيرة.. والأمة هنا يختلف معناها السياسي عن معناها الديني، إذ إن الأمة، بتعريف "بندكت أندرسون" الشهير، هي الجماعة السياسية المتخيلة، "حيث يشمل التخيّل أنها محددة وسيدة أصلاً"، وهي متخيلة وليست خيالية، بل هي جماعة واقعية، لكن أفرادها لا يعرفون بعضهم مباشرة، ويحتاجون إلى تخيّل أنفسهم داخل هذه الجماعة، عبر أدواتٍ، مثل اللغة المطبوعة والثقافة والتاريخ المشترك، ولهذه الجماعة أهداف سياسية، وحدود تقف عندها، وسيادة على رقعة جغرافية محددة، والسيادة مفهوم حديث، كما هو مفهوم الأمة هذا، ولم يكن موجوداً في عصر الامبراطوريات، حين كان الامبراطور (أو الخليفة في الحالة الإسلامية) يحكم مناطق شاسعة، فيها شعوب مختلفة، لا يجمعها سوى نفوذ الامبراطور عليها(1). الجماعات الدينية والمذهبية متخيلة أيضاً، لكنها ليست محدودة بحدود معينة. لذلك، الأمة الدينية ليست أمة بالمعنى السياسي الحديث، حيث لا حدود لوجود أتباع الأديان المختلفة، فالمسلمون مثلاً موجودون في كل أنحاء العالم، وليس هناك سيادة لهم على أرضٍ محددة، كما أن مفهوم الأمة الوارد في القرآن الكريم حمل معاني مختلفة، بحسب السياق، مثلما يشرح ناصيف نصار في كتابه (مفهوم الأمة بين الدين والتاريخ)(2)، وفي كل هذه المعاني، لا يوجد معنى يشابه المعنى السياسي الحديث للأمة، الساعية إلى تقرير مصيرها، وإيجاد كيانٍ سياسي يعبر عنها.. وهناك أزمة معروفة داخل الوطن العربي، تمثلت في عدم تعبير الكيانات الوطنية القائمة عن أمم ذات هوية متماسكة، وعدم مطابقة حدود الدولة القُطرية حدود الأمة العربية.

إنَّ الإسلام هوية قادرة على الدخول في المجال العملي بالبعد الحقوقي القيمي الإنساني كونها تملك إرادة الحث والدفع وخلق أجواء الفاعلية الحضارية، فالقيم الواردة والمستخرجة من النصوص تتحول إلى تكليف وواجب إلزامي وشرعي وليس مجرد نص شكلي زمني فائت.. والإسلام نفسه ينظر إلى الإنسان نظرةً راقية، ويعتبره ذا مكانة كبيرة ومهمة، فقد كرمه الله سبحانه وتعالى عن باقي المخلوقات، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾(الإسراء/70).

نبيل علي صالح

هوامش

1- الإبراهيم، بدر. "المنطق الطائفي للأكثرية والأقلية". صحيفة العربي الجديد، تاريخ: 6/7/2015م. رابط المقال:

http://www.alaraby.co.uk/opinion/2015/7/5 المنطق - الطائفي - للأكثرية - والأقلية/

2- نصار، ناصيف. "مفهوم الأمة بين الدين والتاريخ.. دراسة في مدلول الأمة في التراث العربي الإسلامي". ص: 135، دار الطليعة، لبنان/بيروت، طبعة ثالثة 2005م.