مجلة البلاد الإلكترونية

المجلس المركزي للتجمع: المكلفون بتشكيل الحكومة يتصارعون على أمور ليست السبب الحقيقي وراء إطالة التأليف لأشهر، فهل يُعقل أن تسمية وزيرين توقف التشكيل طول هذه المدة؟!

العدد رقم 289 التاريخ: 2021-06-19

"عقدة الذنب".. لا أعني أحداً بالذات ولكني أفترض

غسان عبد الله

هامش ثقافي

"عقدة الذنب".. لا أعني أحداً بالذات ولكني أفترض

"الإحساس بالذنب".. هذه العقدة النادرة التي تمكّنت مدنيةُ هذا القرنِ مشكورةً من استئصالِ شأفتها من النفوس، حتى لم تعد توجد إلا عند شِرْذِمة قليلة ممن لم ينصاعوا للعلاج الحضاري، فظلوا محصورين ضمن تعاليم القرن الأول الهجري.

أن يحس المرءُ بالذنب - حسب تعريف علم النفس- فهذا يعني أنه أدركَ خطأهُ بعد فوات الأوان، فيضطرب، ويقلق، ويوبّخ نفسه توبيخاً قاسياً يتناسب مع حجم إحساسه البغيض، ولن ينفعه أن يولول كامرأةٍ ثكلى فُجعتْ بكامل أسرتها.

لنفرض جدلاً أنه - أنا لا أعني أحداً بالذات ولكني أفترض- لنفترض أنّ أحدهم يحمل فكرة قبيحةً عن فلان الفلاني، أنه مثلاً، نذلٌ، ودنيءٌ، ومنحرفٌ وتافهٌ، وسخيفٌ ومؤلمٌ ومنحطٌّ وحشرةٌ، وما إلى ذلك.. وفلان الفلاني يعرف رأيُ هذا الـ "أحدهم" فيه - هذه نقطة مهمة في مثالنا – يلتقي هذا الـ "أحدهم" بفلان الفلاني يوماً في مناسبة ما، مصادفة أو مع سبق الترصد، فيحييه فلان الفلاني بأدب، ويجامله بلباقة، ويحدِّثه بود، ويسأله عن صحة المدام، ويضحك لنكاته السخيفة، ويقنعه بآرائه، وما أن يغادره حتى يبدو هذا الأـ "أحدهم" كرجل مسلوب، كحصان مصاب بدوار الخيل.. ماذا سيحدث له؟.

إن قال لا شيء، فهو حتماً أبله، غبي، وبعبارة أخرى، هو مصاب بمس الحضارة.. وإن جهازه العصبي سيضطرب شاء أم أبى - هذا تشخيص طبي وليس من عندي -.. وسيحدث في عقله فوضى لا تنفعها كلُّ هندسة الديكور، وكلما قابَلَهُ بعد ذلك، سيتخبط في كلامه مثل عصفور علق جناحه، يتعثر حول موضوع النقاش، ويناور بحثاً عن ثغرة للدخول، وفي النهاية، يستسلم كفأر يائس، بل وأغامر بالقول إنه لن يجرؤ على تفنيد مزاعمه حتى لو أصرّ على أن كوكب الأرض شبه منحرف، قائم الزاوية وأن جان جاك روسو بائع فجل في أسواق بغداد!!.

إنّه يحس بالذنب - هنا بيت القصيد - يشعر بأنه ظلمه واعتدى عليه، وإذا كان يملك ذرّةً إضافيةً من العقل فسوف يُدرك أن خيبةَ أمله فيه، هي دليل قاطع دامغ لا ريب فيه، على جهله وغبائه وتسرّعه في إطلاق الأحكام على الآخرين.

إذا سترافق عقدة الذنب هذه، عقدةٌ أخرى أشد استحكاماً، هي اكتشافه لنفسه الموبوءة بالرعونة والطيش، عندما نطقَ بحكمه الأول عليه.

ثم.. يبدأ باستعراض الماضي: الوقائع والأدلة والقرائن والشهود، ثم حيثيات الحكم وأخيراً قرار الإدانة.

بأمانة ذاتية وصدق مع نفسه يعترف بأنه لم ينظر في الوقائع ولا الأدلة ولا في القرائن ولا استمعَ إلى شهود عدل.. فوراً قرار ظالم يستند على حيثيات منهارة، هي عبارة عن افتراءات لا محل لها من الإعراب، المشكلة الآن مع نفسه، ففلان الفلاني هذا لم يعد له دور.

كان واحداً من اثنين:

1- إما أنه لم يبالِ بحكم هذا الـ "أحدهم" عليه ولم يتعطّف بالرد عملاً بقول الشاعر إذا جاريت في خلق دنئياً فأنت ومن تجاريه سواءُ.. وهو كره أن يساويه فلم يجارِهِ، فبالتالي فهو أكبر منه نفساً.

2- إما أنه سامحه وغفر له، وبالتالي فهو أفضل منه خُلقاً.

مشكلة الـ "أحدهم" الآن مع نفسه، بل المشاكل!!، فهي ليست واحدة: هناك أولاً افتراءاته عليه، وهناك ثانياً حكمه العلني ضده، وهناك ثالثاً تغاضي فلان الفلاني عن حقارته، أو عفوه عنه، أي أفضليته عليه، ثم سيتساءل.. لماذا هو أفضل منّي؟.

- هكذا سيتساءل بكل وقاحة - فبعد كل ما جرى يريد أن يكون هو الأفضل؟ أمرُ فلان الفلاني عجيبٌ.. عجيب.

نعود الآن إلى الأمانة الذاتية والصدق مع النفس.. إذا وقعَ أحدنا بينهما فعلى الدنيا السلام.! سوف يلخص كل إحساساته في لعنة موزونةٍ يسددها بإحكام على رأسه الأجوف، ثم يتخذ قراراً شبه حكيم.

إذا التقى خصمه في الطريق يجب أن يفر من وجهه، طبعاً و.. وإلا بأي لون يقابله؟.

ليس لديه إلا احمرار الوجنتين واصفرار الشفتين وتغضّن الجبين، أما اللون الوردي الطبيعي الذي يتمتع به كل خلق الله، فهو لم يعد تملكه، هو مسلوب الصفات النظامية، محتل، وهذا النوع من الاحتلال، هو الوحيد الذي لا تنفع معه ثورة أو تمرد أو انتفاضة، ولا يجتمع من أجله مجلس الأمن الدولي أو الأمم المتحدة.

سأسدي لنفسي ولكَ أنت عزيز القارئ لهذا الهامش نصيحة لوجه الله: لا تتسرع في إطلاق الأحكام، ولا تستند إلى تخميناتك البتة.. ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. وهذه الآية تنطبق عليك وعلى من يوسوس لكَ.. والسلام.

غسان عبد الله