مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: مع أننا كنا نفضل أن تأتي شخصية جديدة من خارج نادي رؤساء الحكومات السابقين.. إلا إننا نرى أن الوضع بحاجة إلى تضافر الجهود للخروج بالبلد من المأزق

العدد رقم 295 التاريخ: 2021-07-30

التكاليف الاقتصادية لعملية "حارس الأسوار"

التكاليف الاقتصادية لعملية "حارس الأسوار"

حدثت عملية "حارس الأسوار" في الوقت الذي كان فيه الاقتصاد الإسرائيلي في ذروة عملية النهوض من أزمة الكورونا التي أدت إلى تقليص الإنتاج وزيادة كبيرة في العجز وقفزة في الدين العام.

من جهة، فقد ساهمت التجربة التي تمت مراكمتها في فترة أزمة الكورونا في استمرار النشاط الاقتصادي حتى في زمن الإطلاق الكثيف للصواريخ على الجبهة الداخلية المدنية لدولة إسرائيل. ومن جهة أخرى فإن العملية العسكرية أدت إلى تقليص النشاط الاقتصادي، بما يشبه ما حدث في الاغلاقات في فترة الكورونا، وتركت تساؤلات كثيرة فيما يتعلق بالتكلفة الواسعة للعملية العسكرية وتداعياتها الاقتصادية أيضاً بعد انتهاء العملية.

تتكون التكاليف الاقتصادية للعملية من ثلاثة عناصر رئيسة: التكاليف العسكرية المباشرة للعملية، الأضرار التي لحقت بالاقتصاد، والضرر اللاحق بالجبهة الداخلية. تجسّد العنصر الأول بتكاليف الذخائر التي استخدمها الجيش الإسرائيلي (من بينها صواريخ الاعتراض، الذخائر الدقيقة وقذائف المدفعية)، تكاليف تشغيل مختلف المنصات (مثال الطائرات الحربية، الدبابات، ناقلات الجند المدرّعة)، وتكاليف تجنيد وتشغيل القوات النظامية والاحتياط. أما كلفة الأضرار التي لحقت بالاقتصاد شملت خسارة أيام العمل، إغلاق أو تشغيل جزئي للمصانع والمتاجر، وانخفاض الطلب. وأخيراً الضرر الذي لحق بالممتلكات، خصوصاً المباني والسيارات، نتيجة صليات الصواريخ التي سقطت على المدن الإسرائيلية، ما يتطلّب تعويض الدولة على المتضرّرين. ويجب أن نضيف إلى هذه الأمور الأضرار التي لحقت بالممتلكات الخاصة والعامة نتيجة أعمال الشغب التي اندلعت في المدن المختلطة.

 بغية تجسيد هذا الأمر، نشير إلى أنه بحسب الخبير الاقتصادي الرئيسي في وزارة المالية، في عملية "الجرف الصلب" بلغت الكلفة القتالية 7 مليارات شيكل (سعر صرف الشيكل مقابل الدولار 3.26 شيكل = 1 دولار، أي حوالي 2 مليار دولار)، بينما أضافت الكلفة الاقتصادية وتعويض الأضرار في الجبهة الداخلية 1.7 مليار شيكل، ليصل إجمالي التكلفة 8.7 مليار شيكل. ما زال من المبكر تقدير تقييم دقيق لتكاليف "حارس الأسوار"، لأنّ احتساب كلّ عنصر من هذه العناصر يتطلّب وقتا، وبعضها قد يتضح فقط بعد مرور أسابيع وحتى أشهر. لكن، الجولات القتالية السابقة مع حماس وغيرها من المنظمات في قطاع غزة قد تشكّل قاعدة جيدة للتقديرات الأولية، مع التشديد على الفوارق الملحوظة بين هذه العملية وسابقاتها.

الفرق الأول هو في طول فترة العملية وقوتها. "الجرف الصلب" استمرت 50 يوماً تقريباً، في المقابل "حارس الأسوار" انتهت بعد 11 يوماً فقط. حيث نجح الجيش في هذه الفترة في أن يلقي على الأهداف في قطاع غزة كمية مشابهة من القنابل. من هنا، عمليات القصف كانت كثيفة بخمسة أضعاف مقارنة بعملية الجرف الصلب. حماس من ناحيتها، والجهاد السلامي أيضاً، أطلقت على إسرائيل نحو 4360 صاروخ وقذيفة هاون) ألف منها لم تجتز حدود القطاع، (مثل عدد الإطلاق في عملية الجرف الصلب).

الفارق الثاني يتعلق بتوسيع نطاق المناطق في الجبهة الداخلية التي أعلن فيها "وضع خاص" لثمانين كلم من قطاع غزة، مقارنة مع 40 كلم خلال "الجرف الصلب". المعنى أن استهدافاً كبيراً لحق بنشاط المرفق الاقتصادي، لاسيّما بسبب توسيع النطاق الذي شمل أيضاً منطقة الوسط التي تضم جزء ملحوظاً من نشاط المرفق الاقتصادي لإسرائيل. إلا أنه من ناحية أخرى، الفترة القصيرة نسبياً للعملية عوّضت عن ذلك بشكل كبير.

الفارق الثالث، والمؤكد تقريباً، هي أعمال الشغب التي اندلعت في المدن اليهودية -العربية المختلطة في إسرائيل، خصوصاً في الأيام الأولى للعملية ما ألحق أضراراً فادحة بالممتلكات، وخسائر بشرية كذلك الأمر. حجم الضرر الاقتصادي الذي تسبّبت به الأحداث العنيفة سيتضح لاحقاً، فقط: من جملة أمور، تطرح تساؤلات حول جهوزية المجتمعات اليهودية والعربية للعمل مجدداً مع بعضها والتبادل التجاري، أو لعلّ الخوف والشبهة المتبادلة ستضرّ لفترة طويلة بالنسيج الرقيق للحياة المشتركة.

احتساب عناصر التكلفة كما هو معروف حتى اليوم:

1. الكلفة العسكرية المباشرة: احدى الصعوبات في تقدير هذه التكلفة هو الاختلاف في المواقف التي تظهر في هذا السياق في كل مرة بين وزارة الامن ووزارة المالية، الاسباب معروفة. هكذا، فان تقدير وزارة الامن لتكلفة عملية الجرف الصلب هو 9 مليارات شيكل، في حين أن المالية طرحت احتساب بلغ 6.5 مليار شيكل.

في النهاية، حدّد المبلغ بحوالي 7 مليار شيكل. رغم ذلك، يمكن تقدير تكاليف القتال بحسب التكاليف الأساسية، بما فيها تكاليف يوم قتالي جوّي في عملية "الجرف الصلب" (بقيمة 80-120 مليون شيكل) وكلفة صاروخ الاعتراض تامير للقبة الحديدية (50 ألف دولار للصاروخ الواحد). ولأنّ "حارس الأسوار" كانت أكثر ضراوة، من المنطقي أن نفترض أنّ كلفة يوم قتالي جوّي أغلى بمرتين من كلفة يوم قتالي في "الجرف الصلب". مع ذلك، مدة "حارس الأسوار" واعتمادها على القتال الجوّي من المتوقع أن تقلّص الكلفة العسكرية المباشرة بقيمة ما يقارب 4 - 5 مليار شيكل.

2. أضرار بالممتلكات نتيجة لإطلاق الصواريخ على إسرائيل: في "الجرف الصلب"، بلغ عدد الشكاوى عن أضرار مباشرة 4600 وبلغت قيمة التعويضات حوالي 200 مليون شيكل، أيّ حوالي 44 ألف شيكل كمعدل وسطي للشكوى. حسب بيان سلطة الضرائب، مع انتهاء "حارس الأسوار" قدّمت 5245 شكوى لصندوق التعويضات عن الأضرار المباشرة. من المؤكد أنّ هذه المرة الأضرار ستكون أخطر بسبب القدرة المتزايدة لعمليات الإطلاق من القطاع بإحداث أضرار، وعليه من المنطقي أن يكون متوسط التعويض أعلى - كتقدير أولي - سنفترض أنها ستبلغ 60 ألف شيكل. ومن هنا تقدير حجم التعويضات يصل إلى ما يقارب 315 مليون شيكل.

3. استهداف نشاط المرفق الاقتصادي: بحسب التقديرات الأولية لشعبة اقتصاد اتحاد الصناعيين، التكلفة الاقتصادية لاستهداف النشاط الاقتصادي خلال العملية بلغت ما يقارب 1.2 مليار شيكل. يعتمد التقدير بشكل أساسي على خسارة أيام العمل لحوالي ثلث العاملين في القطاع الجنوبي، بينما يقدّر أنّه خلال القتال تقلّصت أيام العمل في الوسط بنسبة 10% فقط. أي: المسافة عن القطاع كانت مصيرية في هذا الصدد. من هنا عنصر التكلفة انخفض هذه المرة بـ 20% مقارنة مع "الجرف الصلب" (1.5 مليار شيكل). المسألة الأخرى في هذا الصدد تتعلق بانخفاض الطلب خلال العملية، وتضرّر الاقتصاد نتيجة لذلك. تظهر التجارب من عمليات سابقة أنّ المرافق الداخلية تزيد الطلب بعد جولات عسكرية، وعليه يعوضون إلى حد كبير عن الخسارة الأولية. نحن لا نعلم في هذه المرحلة إن كان هذا ما سيحصل في الأسابيع والأشهر المقبلة، في حين انه يضاف هذه المرة كما أسلفنا انزلاق المواجهة إلى الساحة الداخلية.

إن مواجهة شديدة إضافة إلى اشتعال الساحة الداخلية توجد فيها إمكانية كامنة لزيادة التكلفة. ولكن الشك أن الفترة الزمنية القصيرة نسبياً لعملية حارس الأسوار ساهمت جداً في تقليص التكلفة الاقتصادية مقارنة بالتكلفة في الجرف الصلب. لذلك، يجب إضافة العوامل الخاصة التي ساعدت الاقتصاد على الانتقال من الحياة الروتينية الى حالة الطوارئ والعودة مرة أخرى إلى الحياة الروتينية بسهولة أكبر:

• "عودة عامة" بعد سنة كورنا: خلافاً للجولات القتالية السابقة، في "حارس الأسوار" اعتاد المرفق سريعاً على آليات عمل اكتسبها خلال أزمة كورونا وخصوصاً العمل عن بعد، لذلك هناك كثير من القطاعات لم تتضرر. وبالكاد تذكر الأضرار التي لحقت بقطاع الهاي تك، المسؤول عن 52% من الصادرات الإسرائيلية. كذلك ساهمت في تخفيض التكاليف، قدرة المنظومة التعليمية على مواءمة نفسها بسرعة فائقة مع التعليم أون لاين، بالاعتماد على التجربة التي راكمتها خلال أزمة كورونا. هكذا تفادت الإقفال التام، الذي كان يزيد ثمن العملية نتيجة التضرّر الفادح في أيام عمل أهالي الأطفال.

• تجنيد مقلص للاحتياط – التكلفة اليومية لجندي الاحتياط أكثر من 500 شيكل بقليل. في عملية حارس الأسوار تجنيد الاحتياط كان محدود جداً أقل من 10 آلاف جندي في الاحتياط. والعملية كانت قصيرة نسبياً، لذلك كانت التكلفة منخفضة جداً، أقل بكثير مما كان في الجرف الصلب التي فيها تم تجنيد 40 ألف جندي احتياط لفترة زمنية طويلة.

• إغلاق المرفق الاقتصادي نصف أيام القتال فقط: خلال اليومين الأولين من القتال لم تكن القيود المفروضة على المرفق مهمة وفي نطاق 80 كلم من قطاع غزة لم تسجّل أيام غياب كثيرة عن أماكن العمل. في قسم من أيام العملية - عيد الأسابيع الذي استمرّ لأربعة أيام - كان من المفترض أن يكون نشاط المرفق مقيداً من تلقاء ذاته.

• مواءمة وتحصين المصانع: بالاستناد إلى التجربة المتراكمة خلال الجولات القتالية السابقة، معظم المصانع العاملة على مقربة من قطاع غزة لم تتوقف عن العمل بل تم تحصينها وعملت وفق آليات مكنتها من مواصلة عملها رغم إطلاق الصواريخ على المنطقة.

• السياحة: أولاً، للسياحة ثقلها المحدود من الناتج الإسرائيلي (بحجم 2% فقط). ثانياً، نتيجة لأزمة كورونا لم يتوافد إلى إسرائيل الكثير من السيّاح وعليه الضرر اللاحق بالقطاع السياحي نتيجة "حارس الأسوار" كان ضئيلاً، وعلى المدى القصير معدوماً.

للمقارنة، أورد تقرير بنك إسرائيل لعام 2014، فترة اندلاع "الجرف الصلب"، أنّ الخسائر التي تكبّدها القطاع السياحي نتيجة للعملية بلغت 2 مليار شيكل.

إضافة إلى ذلك، الاقتصاد الإسرائيلي يمكن أن يجد التشجيع من قوة سوق المال الإسرائيلية: في السنوات الأخيرة سجل منحى بارز يظهر أن سوق المال المحلي يتأثر بدرجة أقل بالأحداث في ساحة النزاع بين إسرائيل والفلسطينيين، وبدرجة أكثر بالأحداث العالمية. في حارس الأسوار ظهر مرة أخرى كيف أن الإضرار بالاقتصاد أثناء المواجهة لم يؤثر على سوق المال المحلي، وحتى المؤشرات الرئيسية ارتفعت قليلاً مقابل مستواها عشية العملية. مع ذلك يجب الإشارة إلى أن استمرار طويل للعملية كان يمكن أن يضر سوق رأس المال.

هذا المقال يتطرّق إلى التكاليف الظاهرة حتى الآن، لكن يجب أن نفترض أنّ "حارس الأسوار" ستسفر عن المزيد من التكاليف في المستقبل. على سبيل المثال، مسألة تحصين الجبهة الداخلية التي عادت إلى جدول الأعمال سواء بسبب حقيقة أنّ نسباً ملحوظة من المدن ضمن نطاق النيران، وخصوصاً أشكلون، غير محصّنة أو لأنّه من المرجح أنّ التحصين الموجود غير فعّال كفاية. التقدير الأولي لتكاليف تحصين أشكلون هو 1.4 مليار شيكل، وعلى ما يبدو يجب إدراج المزيد من المستوطنات في المحيط ضمن حزمة ميزانية التحصين. المسألة الأخرى هي تضرّر صورة إسرائيل في العالم: نشر الإعلام الأجنبي وشبكات التواصل الاجتماعي صوراً انحيازية في سياق توجيه الاتهامات لإسرائيل أثناء القتال. لا إمكانية في هذه المرحلة لتقدير الضرر الاقتصادي نتيجة تضرّر صورة إسرائيل، سواء تعلق الأمر بالسياحة أو بالاستثمارات والأسواق، لكن يجب الافتراض أن لذلك ثمنه. وعليه، ينبغي الاستعداد أيضاً لهذه الجبهة، مرة تلو أخرى فشلت إسرائيل في نقل صورة موزونة عنها، سواء بسبب عمق الجولات القتالية أو بسبب ما يحصل فعلياً خلالها.

معهد أبحاث الأمن القومي 

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

إخترنا لكم من العدد