مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: مع أننا كنا نفضل أن تأتي شخصية جديدة من خارج نادي رؤساء الحكومات السابقين.. إلا إننا نرى أن الوضع بحاجة إلى تضافر الجهود للخروج بالبلد من المأزق

العدد رقم 295 التاريخ: 2021-07-30

"واشنطن، لدينا مشكلة": كيف نرمم علاقات إسرائيل – الولايات المتحدة؟

عاد وكشف التصعيد الأخير في غزة تدهور مكانة إسرائيل في الولايات المتحدة. برز خلال الأحداث خط انتقادي تجاه إسرائيل بين صفوف الحزب الديمقراطي ووسط ناخبيه، بمن فيهم اليهود، وحتى في معقل الدعم التقليدي لها - الكونغرس.

في خضم القتال، أصدرت أغلبية 28 من بين 50 عضواً ديمقراطياً في مجلس الشيوخ بياناً دعا فيه إلى وقف إطلاق النار، على عكس الموقف الإسرائيلي.  يتعلق الامر بفرق ملحوظ مقارنة بعملية "الجرف الصلب"، حينها خلال عشرة أيام من القتال أقر مجلس الشيوخ بأغلبية ساحقة قراراً مؤيداً من حزبين وغير متحفظ من إسرائيل. من الواضح أن الخط الانتقادي ضد إسرائيل في الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي قد أثر أيضاً على التيار المركزي بين صفوفه، وعلى مواقف أبرز أصدقائه، مثل السناتور المخضرم بوب مينينديز.

أجبرت هذه الديناميكية الرئيس بايدن على أن يوضح في نهاية العملية في غزة أنه لا يوجد أي تغيير في التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل (والمساعدة الأمنية الأمريكية)، وأنه كجزء من حل الدولتين، على المنطقة ان تعترف بحق إسرائيل بالموجود كدولة يهودية ومستقلة.

على الرغم من وقوفها إلى جانب إسرائيل، علاقات الرئيس بايدن مع القدس بالحضيض. في اعقاب انتخابه، وحتى قبل دخوله إلى البيت الأبيض، خطوات إسرائيل اثارت الغضب في معسكره. تصفية العالم النووي الإيراني، فخري زاده، العملية التي نسبوها في الولايات المتحدة إلى إسرائيل، اعتبرت كعملية تهدف إلى احباط العودة إلى المسار الدبلوماسي مقابل إيران؛ كذلك مصادقات بناء اللحظة الأخيرة في الضفة الغربية، بما في ذلك خارج الكتل الاستيطانية؛ تأجيل الاعتراف بفوز بايدن الانتخابي على خلفية التعاطف مع الرئيس ترامب وأمور أخرى.

استمرت الأجواء المشحونة بين إسرائيل وحليفتها الكبرى حتى بعد تولي بايدن منصبه. بايدن أخر عن قصد المكالمة الهاتفية مع رئيس الحكومة نتنياهو، واختار عدم ذكر إسرائيل عندما تطرق إلى حلفاء الولايات المتحدة القريبين، في خطابه الأول حول السياسات الخارجية. من جانبه، واصل رئيس الوزراء نتنياهو مهاجمة نية الولايات المتحدة العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، وفي الخلفية أشارت إسرائيل إلى الإدارة انها تعد بدائل عسكرية مقابل إيران.

في المجال الاستراتيجي، تركز احتمالات الاحتكاك والتوترات بين إسرائيل والإدارة الأمريكية على ثلاث قضايا أساسية: إيران، الصين والساحة الفلسطينية.

إيران - بايدن وأعضاء مجلس الوزراء الذين عينهم هم مهندسو الاتفاق النووي، يؤمنون به ويرون فيه مرة أخرى حلاً للمستقبل المنظور، الذي يجعل من الممكن التعامل مع القضايا الأكثر إلحاحاً ذات الأولوية الوطنية الأمريكية، وأبرزها التحدي الصيني. لأسباب استراتيجية وعالمية الإدارة الأمريكية مصرة على العودة إلى الاتفاق النووي ومساعي إسرائيل لثنيها عن ذلك تبدو غير مجدية.

في هذه الظروف، التحدي الإيراني والعودة إلى الاتفاق النووي، اللذين أصبحا نقطة أرخميدس (نقطة ضعف) بين إسرائيل والولايات المتحدة، قد تنعكس سلبا على مجمل العلاقات بين الحليفين. وذلك، بشكل متوقع ان يلحق ضرراً بالقدرة على الحصول من الولايات المتحدة على المساعدة، الدعم والضمانات من الولايات المتحدة لإسرائيل مقابل إيران ولكن أيضاً مقابل ساحات أخرى مختلفة.

الصين- ترى الإدارة الأمريكية في الانتصار على الصين مهمة تاريخية شبه "دينية" تقع على عاتقها.

أولاً، من وجهة نظر الإدارة، فإن الصين تهدد الاقتصاد الأمريكي، وإعادة تحسبنه شرط للقيادة العالمية.

ثانياً، تشكل الصين تهديداً عسكرياً مباشراً وخطيراً على الولايات المتحدة في البحر، الجو، البر والفضاء؛ وفي المجالات الناعمة مثل السايبر والتكنولوجيا والملكية الفكرية وغير ذلك.

ثالثاً، تنظر الإدارة الأمريكية إلى المنافسة مع الصين بأنها صراع على النظام العالمي والحرية وسيادة النظام الديمقراطي.

رابعاً، الإدارة مقتنعة بأن موقع القيادة الأمريكية ضروري لحل مشاكل العالم المشتعلة العابرة للحدود، مثل أزمة المناخ، وانتشار الأسلحة، السايبر، الأوبئة وأمور أخرى.

تركز الاستراتيجية الأمريكية على إنشاء جبهة دولية من الدول الديمقراطية مقابل الصين. بين القوة العظمى، تعتبر القيادة التكنولوجية مكوناً رئيسياً. وبالتالي، فإن الإدارة الأمريكية تعزز مشروعاً طموحاً لتحالف تكنولوجي بين الديمقراطيات، والذي يتضمن طبقات مختلفة بما في ذلك الحماية والتطوير المشترك للتقنيات الرائدة.

يمكن لسياسات إسرائيل تجاه الصين أن تتركها خارج الجبهة الدولية التي تقيمها الإدارة الأمريكية. حيث توضح واشنطن لإسرائيل، بما في ذلك علناً، أنها قلقة بشأن مستوى إشرافها على الاستثمار الصيني، لا سيما في قطاع التكنولوجيا، الذي يعرض المصالح الأمريكية للخطر.

الساحة الفلسطينية – لا يتوقع ان تبادر إدارة بايدن إلى بذل مساعي لاستئناف العملية السياسية على ضوء عدم الجدوى التي تلاحظها في فرص تحريكها. مع ذلك، التصعيد الأخير في غزة قد يدفع إلى زيادة التدخل الأمريكي على الساحة الفلسطينية، ولو بهدف التأكد من حفظ التوازن الأمني والاستقرار في المنطقة، وأن الأحداث لا تخرج عن السيطرة وتحرف الولايات المتحدة عن سلم أولوياتها الاستراتيجية.

في هذه الظروف أيضاً، لا تزال هناك فجوات بين سياسة إسرائيل والأهداف المباشرة لإدارة بايدن في الساحة الفلسطينية: الدَّفع نحو رزمة دولية لإعادة إعمار غزة بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية؛ إعادة الالتزام بأمن واقتصاد الفلسطينيين في الضفة الغربية وتعزيز أبو مازن والسلطة (عبر استئناف العلاقة معها بواسطة القنصلية في شرق القدس).

في نظرة واسعة، يعتقد بايدن شخصياً أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد للمضي قدماً بين إسرائيل والفلسطينيين. لذلك تحذّر الإدارة من خطوات أحادية الجانب على الأرض التي من شأنها الإضرار باحتمال إقامة دولة فلسطينية في المستقبل. من المتوقع أن تؤدي المعارضة الإسرائيلية المستمرة لحل الدولتين والتوسع الاستيطاني، خصوصاً تبييض البؤر الاستيطانية و "الضم الزاحف"، إلى خلافات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل من الصعب على الأخيرة حشد الدعم الأمريكي لموقفها محكمة العدل الدولية في لاهاي.

حكومة جديدة في إسرائيل: فرصة لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة

إقامة الحكومة الجديدة في إسرائيل هو فرصة لسياسات تحسين علاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة. من المتوقع أن ترحب الإدارة في واشنطن برئيسها وكبار المسؤولين بأذرع مفتوحة.

يجب أن تكون الحكومة الجديدة في إسرائيل تنظر إلى الاتجاهات الخطيرة التي تظهر في المواقف تجاه إسرائيل داخل الولايات المتحدة، وأن تجري تعديلات في سياسات إسرائيل وعلاقاتها مع حكومة بايدن حول القضايا الأساسية الثلاثة في المجال السياسي والأمني (إيران، الصين، الساحة الفلسطينية).

المطلوب من الحكومة الجديدة إنشاء طاقم بين الوزارات يركز على بلورة سياسات عاجلة لمعالجة تحديات تحويل إسرائيل إلى القضية الخارجية الرئيسية التي تقسم الحزب الديمقراطي، والضرر الجسيم الذي لحق بمكانتها باعتبارها إجماعاً سياسياً داخلياً يتجاوز الأحزاب؛ وتراجع مستوى التضامن معها، حتى بين اليهود الأمريكيين، وخصوصاً الشباب منهم.

في المسألة الإيرانية، يجب على الحكومة الإسرائيلية أن تتوقف عن نهج المواجهة غير المجدي حول العودة إلى الاتفاق النووي، الذي يقود إسرائيل فقط إلى العزلة الدولية ويمكن أن يحول المشكلة الإيرانية إلى مشكلة إسرائيلية. وبدلاً من ذلك، يجب على الحكومة الإسرائيلية أن تسعى جاهدة للحصول على ضمانات وتفاهمات ثنائية هادئة مع الإدارة الأمريكية، بناءً على التزامها المعلن والصريح بأمنها القومي، وعلى أساس الاتفاق بين البلدين على منع الأسلحة النووية من إيران.

يجب أن تركِّز المحادثاتُ الحواريةُ مع الإدارة على سُبُلِ الوصولِ إلى اتفاق أقوى وأطول مع إيران والخطوات التي سيتم اتخاذها إذا لم يتم التوصل إلى مثل هذا الاتفاق؛ مراقبة البرنامج النووي الإيراني لضمان عدم انطلاق إيران أو "التسلل" إلى أسلحة نووية؛ لكشف المبكر عن هذه الأعمال وضمانات لإحباطها في الوقت المناسب؛ الإبقاء على تهديد عسكري ذي مصداقية مقابل النظام في طهران؛ جوانب بناء القوة والتمكين وأمور أخرى.

في المسألة الصينية، يجب على الحكومة الإسرائيلية أن تُعرِّف لنفسها هدفاً طويل المدى يتمثل في الاندماج في جبهة الدول الديمقراطية التي تبنيها الولايات المتحدة، بما في ذلك ما يتعلق بالتكنولوجية. إضافة إلى ذلك، فإن إسرائيل مطالبة باتخاذ قرار بشأن استراتيجية الدعم الكامل للمصالح الأمريكية تجاه الصين، والتصرف في مواجهة الإدارة بتنسيق وشفافية كاملين فيما يتعلق بعلاقاتها مع الصين.

في المجال الفلسطيني، المطلوب من إسرائيل التعاون مع خطوات الولايات المتحدة لاستقرار الساحة الفلسطينية: إعادة إعمار غزة؛ تعزيز السلطة الفلسطينية كنظام حكم يدير حياة السكان الفلسطينيين؛ الامتناع عن خطوات أحادية الجانب تشكل تهديدا على طابع حل الدولتين على المدى البعيد. موقف بايدن المعلن، والذي بموجبه يجب على دول المنطقة الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية ومستقلة، هو فرصة في هذا السياق.

معهد هرتسيليا – أودي أبينتال (باحث كبير في معهد السياسات والاستراتيجية – هرتسيليا)

    ترجمة وإعداد: حسن سليمان

 

 

 

إخترنا لكم من العدد