مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: مع أننا كنا نفضل أن تأتي شخصية جديدة من خارج نادي رؤساء الحكومات السابقين.. إلا إننا نرى أن الوضع بحاجة إلى تضافر الجهود للخروج بالبلد من المأزق

العدد رقم 295 التاريخ: 2021-07-30

قراءة في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي

 

الدافع أمريكي والمصير مُشتَّت..

بعد جمود سياسي طويل تخلَّلَتْهُ أربعة انتخابات متتالية فاشلة لنتنياهو بفارق "صوت واحد"، تمكن "لبيد وبينيت" من تشكيل حكومة ائتلاف مُعارضة وقد نالت الثقة على فارق "صوتٍ واحد" كذلك!.

فقد صوّتَ 60 عضواً من الكنسيت الإسرائيلي بالتأييد عليها، بينما 59 عارضوها، وبما أن المعارضة تُشكّل ما يُقارب نصف الأصوات، هل ستكون هذه الحكومة قادرةً على التوافق باتخاذ القرارات والعمل بها؟.

عقدة الفصل التي حالت دون إسقاط هذا الائتلاف الجديد هو عضو الكنسيت الفلسطيني - الإسرائيلي "منصور عباس"، العضو في الجناح الجنوبي المُنشقّ عن "الحركة الإسلامية" في الداخل المُحتل، فهل كان دخوله في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي بريئاً وبمسعىً شخصي؟ أم أن هناك مَن حاكَ الرواية...؟ وكيف كان ردُّ الفعل في الوسط الفلسطيني؟.

جناحٌ مُنشقّ عن الحركة الإسلامية

لاقى دعم رئيس القائمة الموحدة المنشقة عن القائمة العربية المشتركة برئاسة "منصور عباس" إقامة حكومة إسرائيلية والدخول فيها ردود فعل غاضبة وسط الفلسطينيين داخل أراضي الـ 48 وخارجها، كونها القائمة الأولى في الداخل المحتل التي تنضم لائتلاف حكومي إسرائيلي.

وعبّر نشطاء وشخصيات رسمية وشعبية عن رفضهم لموقف عباس وتعرّض للعديد من الانتقادات والاتهامات، كون القائمة الموحّدة تمثل "الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية" بالداخل، التي انشقت عن الحركة الإسلامية الشمالية بعد توقيع إسرائيل و"منظمة التحرير" على اتفاقية "أوسلو" لتنقسم الحركة بعدها في عام 1996 إلى قسمين هما: "الجناح الشمالي" بقيادة الشيخ رائد صلاح، و"الجناح الجنوبي" بقيادة حماد أبو دعابس. ويتمحور الخلاف بينهما حول المشاركة بالانتخابات البرلمانية للكنيست الإسرائيلي، إذ يؤيد الجناح الجنوبي المشاركة بها، بينما الجناح الشمالي يدعو لمقاطعتها.

وفي أواخر عام 2015 أعلن مجلس الوزراء الأمني برئاسة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن الجناح الشمالي للحركة الإسلامية "تنظيماً غير مشروع"، وتم استدعاء عدد من قيادتها للتحقيق، وتلقّت 17 جمعية ومؤسسة تابعة لها أوامر حظر نشاطها، الأمر الذي لاقى استنكار مؤيدي الحركة ومعظم فلسطينيي الداخل الذين خرجوا بمظاهرات ومسيرات عديدة تنديداً بهذا القرار. لذا فإن هذه القائمة الممثلة "للجناح الجنوبي" للحركة الإسلامية لا تُمثِّل معظم فلسطينيي الداخل، الذين يدعمون الحركة الإسلامية الشمالية برئاسة "الشيخ رائد صلاح" – والذي يقبع في سجن الاحتلال حالياً -، نظراً لنضالها في مواجهة مشاريع التهويد والتهجير في القدس والداخل.

من الانشقاق إلى الائتلاف

تجدر الإشارة إلى أن القائمة العربية الموحدة انشقت رسمياً في نهاية كانون الثاني المنصرم عن القائمة العربية المشتركة قُبَيلَ الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة التي جرت في آذار.

إلا أنها وبعد خطوتها الأخيرة بالانضمام إلى الحكومة بات من الممكن فهم أن المواقف الوهمية التي افتعلتها وأدَّت للخلاف والانقسام عن القوى الوطنية في الداخل كانت تُخفي وراءها النوايا المُبيَّتة للانضمام إلى الائتلاف الحكومي الإسرائيلي. القائمة العربية الموحّدة تصرفت وفق منطق "العربي الإسرائيلي" وقبلت باتفاق ائتلافي لا يشمل إنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان ورفع الحصار عن غزّة ووقف الإخلاء في الشيخ جراح ومنع اقتحام الأقصى، وبدأت تروّج لخطاب أن "القضية الفلسطينية ليست الأمر المهم!!".

خيانة لفلسطينيي 48!

ويأتي قرار عباس على الرّغمِ من الرفضِ الواسعِ لموقفِ قائمتِهِ المنشقّة المخالف لكافة القوائم المُمَثِّلة لفلسطينيي الداخل المحتل، والتي ترفض دعم تشكيل أي حكومة إسرائيلية. وبذلك يكون عباس قد دعم حكومة إسرائيلية يقودها "عرّاب المستوطنين" الذين تتصاعد اعتداءاتهم ضد الفلسطينيين خصوصاً في أراضي الـ 48 عبر ما تسمى بـعصابات "تدفيع الثمن" والتي يدعمها "لبيد" وغيره من المسؤولين الإسرائيليين الذين يقودون الحكومات المتعاقبة.

وفي محاولة من جانبه لمواجهة هذه الانتقادات قال عباس لصحيفة "لا ريبوبليكا" الإيطالية "سيتعين علينا اتخاذ قرارات صعبة والتوفيق بين هويتنا كعرب فلسطينيين وكمواطنين في دولة إسرائيل، بين الجانبين المدني والقومي".

انزلاق نحو هاوية التنازلات

واعتبر الوسط الفلسطيني أن هذه الخطوة تعتبر انزلاقاً خطيراً نحو هاوية التنازل عن الثوابت بحيث أنه:

اولاً: حكومة بينيت - لبيد الجديدة تنطلق، بخطوطها العريضة، من مبدأ الدولة اليهودية، وتكثيف الاستيطان في القدس وتعميق الاحتلال في منطقة "ج".

ثانياً: عودة مشروع برافر بحلة جديدة عبر تجميع العرب البدو في النقب في غيتوات، متجاهلة بذلك أحقية وملكية العرب لأرضهم وقراهم في النقب.

ثالثاً: تشجيع التجنيد للشرطة بحجة محاربة الجريمة عبر شرعنة الشرطة وأذرعها وتحميل المواطنين العرب مسؤولية الجريمة والعنف وترسيخ ثقافة التعاون مع الشرطة كشرط للحصول على الأمن والأمان.

رابعاً: فتح الباب أمام مشاريع جديدة للخدمة "القومية والمدنية" بإدارة ووصاية من حزب يمينا.

من الاختلاف إلى الركود

وكان خطاب نفتالي بينيت في الهيئة العامة للكنيست الذي شهد مقاطعات من أحزاب اليمين بمثابة معاينة سريعة للمستقبل، حيث تخلّلت كلمته مقاطعات كثيرة من أعضاء الكنيسيت وعلت الأصوات المعارضة له ووجّهت إليه الإساءات والإهانات خصوصاً من حلفاء نتنياهو واتهموه بأنه يساري على الرغم من أنه يميني – مثل نتنياهو -.

فلا شكَّ بأن هذا التحالف سوف يواجه العديد من القضايا الشائكة التي قد تؤدي إلى زعزعته. ويرى محللون سياسيون إسرائيليون أن بينيت خاطر كثيراً بقيادة تحالف من أطياف مختلفة أيديولوجيا، فهو لن يكون تحالُفاً سِليماً ومستقراً وهادئاً، وستواجه هذه الحكومة الجديدة التي يقودها بينيت الكثير من الصعوبات.

لدى هذا الائتلاف اتفاق صارم للغاية ينص بشكل أساسي على أنه إذا لم يكن هناك اتفاق بين مختلف أجزاء التحالف فعندئذ سوف يلتزمون بالوضع الراهن ما يعني في الواقع أنه لن يكون لديهم القدرة على المضي قدماً في أي إصلاحات بشأن أي من القضايا الكبيرة مثل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والاستيطان ولا حتى في قضايا الدولة والدين...

على كُلٍ، هكذا يكون نفتالي قد أنجز الخطوة الأولى بإعلانه رئيساً للوزراء ولكن الآن قد بدأ العمل الأكثر صعوبة وهو عملية الحكم فعلياً بأغلبية ضئيلة من بينيت، حيث أنه أيَّ انشقاق وأي تصويت ضدَّ الائتلاف يمكن على الأقل من الناحية النظرية إسقاط أي قرار يُتخذ وبالتالي العودة إلى الركود السياسي السابق.

حكومة غير نافذة عسكرياً؟!

حكومة كهذه لن تكون قادرة على مواجهة التحديات الكبيرة لإسرائيل بصرف النظر عن إدارة صراعاتها مع الفلسطينيين والدول المجاورة الأخرى مثل لبنان وسوريا فمن المرجح أن تستمر في العمل العسكري ضد الأهداف الإيرانية في جميع أنحاء الشرق الأوسط كما حدث في عهد نتنياهو. وقد أشار بينيت في خطابه إلى أن هدفه الرئيسي هو "رأب الصدع في المجتمع الإسرائيلي". وكزعيم لحزب يميني قومي متشدد، سيتعين عليه "التخلي عن بعض أيديولوجيته من أجل قيادة الحكومة".

فمن المحتمل أن يركز الوزراء الجدد على القضايا التي تم إهمالها في السنوات الأخيرة. وقال جوناثان رينهولد الأستاذ بقسم الدراسات السياسية بجامعة بار إيلان "سوف يسعون إلى بناء مستشفيات وزيادة عدد الأطباء، هذه قضايا معروفة جيداً في إسرائيل والتي يوجد إجماع واسع عليها".

نتنياهو يتوعّد..

رئيس الوزراء السابق لم يُظهِر حتى الآن أي مؤشر على نيته الانسحاب من المشهد السياسي، بل على العكس تماماً فإنه تعهد بالعمل على إسقاط الحكومة. ولكونه زعيم أكبر حزب في البرلمان، يمكن لنتنياهو أن يستخدم سلطته البرلمانية لإحراج بينيت من خلال التأثير على عضو أو عضوين في الائتلاف الجديد.

نتنياهو انتقد علناً إدارة بايدن خلال خطابة الأخير قبل تسليمه المنصب والذي من المعلوم أن هذه الحكومة الجديدة قد شُكّلت بموافقة ومساعي من الإدارة الأمريكية، التي سُرعان ما نالت التبريك باتصال هاتفي جرى بين "بايدن ونفتالي" في غضون ساعات من تنصيبه وهي واحده من العديد من رسائل التهنئة العديدة التي وصلت من الولايات المتحدة وخارجيتها.

وأضاف نتنياهو أنه الآن بعيد عن السلطة ولكن ليس ببعيد عن الأنظار واعداً بإسقاط هذه الحكومة بسرعة كبيرة ووصفها بالضعيفة والخطرة. كما أنه رفض تسليم السلطة ضمن المراسم العلنية التقليدية وبدلاً من ذلك التقى على انفراد مع بنيت.

المُنزلق الأول

من المرجّح أن يقوم نتنياهو بتأجيل مسيرة الأعلام خوفاً من تصعيد المقاومة ونزولاً عند تهديدها بتجديد المواجهةِ ضد الانتهاكات لساحات مسجد الأقصى، إلى ما بعد تنصيب الحكومة الجديدة، وهذه خطوةٌ مقصودة لوضع "بنيت" بموقفٍ حرج ما بين عدم استطاعته إلغاء المسيرة التي يُقيمُها اليمينيون المتشددون للاحتفال - بمناسبة ذكرى احتلال إسرائيل للجزء الشرقي من القدس ووقوع المدينة برمتها تحت الاحتلال، حسب التقويم العبري - وبين تخوّفه من ردّ المُقاومة التي حذّرت من الرد العسكري.

مسيرة الأعلام بقيت على موعدها على الرغم من تهديد فصائل المُقاومة بأن الخيارات مفتوحة أمامها وأنها سوف تقدّر الأمور وفق تطور الأحداث للرد على الاعتداءات التي تطال المقدسات وأن إصرار الاحتلال على تنظيم مسيرة الأعلام سيفجر المنطقة برمتها.. ومضت المسيرة عصر يوم الثلاثاء الماضي في ترقّبٍ وحذر مع انتشار أكثر من 2000 عنصر من الشرطة الإسرائيلية وفي اتفاق مع مُنظمي "رقصة الأعلام"، وتم الاتفاق على أن يصل المستوطنون إلى حائط البراق غربي المسجد الأقصى، عبر الحيين اليهودي والمسيحي، وليس عبر الحي الإسلامي كما طلب المنظمون الذي كان هو المسار التقليدي السنوي للمسيرة. حتى أن هذا المسار المُعدّل لم يتجرّأوا على استكماله أو أن المستوطنين تراجعوا عن وجهتهم في اللحظات الأخيرة خوفاً من تصعيد المقاومة التي أشعلت المستوطنات في الغلاف المحيط لقطاع غزة بالبالونات الحارقة منذ صباح يوم الثلاثاء. وهي ما زالت تشتعل حتى الساعة ولم يعقُبها أيُّ تحرك عسكري إسرائيلي.

حكومةٌ لحفظ الوجود!

تعكس الحكومة الجديدة صورة الواقع الصهيوني في الداخل القائم على "التشتت"، وهي بالتالي لن تودي بهذا الكيان إلى أي نُقطةٍ من إجماع، بل لمزيدٍ من التمزُّق وعدّادُ الزمن لما تبقّى من وجودها يتناقص.

على ما يبدو، وعلى الرغم من أن هذا الائتلاف قد جمع وجوهاً متعصّبة دينياً وعسكرياً، إلاَّ أنه بدا وكأنه يحمل في طيّاته راية الاستسلام العسكري، وأمراً بالحفاظ على هذا الوجود الكياني لدولة الاغتصاب "إسرائيل" ليس أكثر.

"سيف القدس" أقصت نتنياهو!

الهالة السوداء التي غطّت سماء نتنياهو مع قدوم الرئيس الأمريكي بايدن الذي يخطو بحذرٍ على ما يبدو حتى الآن ويسعى لخلق وضع من الاستقرار في المنطقة من بعد الخراب الذي خلّفه ترامب وكانت إيذاناً بسقوطه.

لطالما كان نتنياهو الصديق المُطيع لترامب الذي لا يختلف عنه بهمجيته وعدوانه، ولرُبما كانت مواجهة "سيف القُدس" التي تهوّر ومضى فيها للقضاء على المُقاومة حرب التحرير الكامل وانصهار محور المقاومة بأكمله لطرد الكيان، وذلك ما لا تُريده أمريكا أبداً!! وبناءً عليه، هل تدفعُنا مُجريات الأحداث إلى الجزم بأن "منصور عباس" هو ورقةٌ أمريكية أقصت نتنياهو بطريقةٍ غير مُباشرة؟؟؟.

التصدُّع لدى الكيان..

إسرائيل هي مخطط أمريكي خلقته في منطقة الشرق الأوسط لإحلال أمنه واحتلاله، ومبدأ هذا الكيان لا يتغير، وفي ظل هذا الاختلاف الصاخب في السلطة والتصدّع الجسيم في قدرته على الاستمرار وفق مسارٍ مُعين، فإن ذلك يُنذر بالعديد من المواقف المُتهوّرة التي من المُحتمل جداً أخذ المنطقةِ إلى خضَّة عسكرية تشمل المنطقة الإقليمية وحينها ستحملُ المعركة اسم "سيف النَّصر والتَّحرير" ولن تُبقي للكيان الصهيوني باقية على أرض فلسطين!.

زينب عدنان زراقط

 

 

إخترنا لكم من العدد