مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: مع أننا كنا نفضل أن تأتي شخصية جديدة من خارج نادي رؤساء الحكومات السابقين.. إلا إننا نرى أن الوضع بحاجة إلى تضافر الجهود للخروج بالبلد من المأزق

العدد رقم 295 التاريخ: 2021-07-30

منصور عباس الرضوخ لسطوة الواقع والاستسلام له

خاطَب رئيس وزراء الاحتلال الصهيوني السابق بنيامين نتنياهو، أعضاء الحكومة الجديدة، برئاسة نفتالي بينيت، بقوله: "شهوة السلطة التي لا تعرف الحدود، جرفت معها كل المبادئ".

لعلّ نتنياهو كان يقصد بهذا الكلام أيضاً، منصور عباس رئيس (الحركة الإسلامية الجنوبية)، الذي كان له "فضل" إسقاط حكومة نتنياهو عقب توقيعه اتفاقاً ائتلافياً انضم بموجبه "لحكومة إسرائيل"! الخطوة التي وصفتها "حركة أبناء البلد في الداخل الفلسطيني" في بيان صادر عنها (14/6/2021) بأنّها "إمعانٌ في المُشاركة في العداء لِشعبنا الفلسطيني، والوقوف على الطرف الآخر من المتراس، الجلوس في حكومة "بينيت لبيد" هو مُشاركة في الاحتلال وفي الحصار على شعبنا في غزة، هو مشاركة في تشريع الاستعمار أكثر وأكثر، لا بل ويتعدّى ذلك ليصبح جزء لا يتجزأ منه، هو يعني المسؤولية عن كلّ قرار هدمٍ في النقب والجليل والمثلث والساحل، هو شراكة في القتل اليومي الحاصل لأبناء وبنات شعبنا، هو شراكة في قمع الأسرى واضطهادهم، هو شراكة في التهجير والطرد والتطهير العرقي في القدس، في حي سلوان، في بطن الهوا وحي البستان، هو شراكة في تهجير حي الشيخ جراح، إنَّهُ إعطاء الشرعية لتدنيس المسجد الأقصى المُبارك على أيدي العساكر والمستوطنين، يداً بيد مع "مُسلمين" باتوا أعضاء في حكومة يرأسها جنرال سابق ورئيس مجلس المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة سابقاً".. وترافق توقيع منصور مع بينيت - أو صودف - مع إصدار "محكمة إسرائيلية" أمراً بحبس كمال خطيب نائب رئيس الحركة الإسلامية المحظورة إسرائيلياً منذ العام (2015) حتى انتهاء ما يسمى "الإجراءات القانونية". اللافت في الموضوع أن منصور وخطيب تعود جذورهما "الإسلامية"، إلى الحركة الإسلامية التي انشقّت على نفسها عام 1996، بسبب المشاركة أو عدمها في انتخابات كنيست العدو!.

خطوة غير مفاجئة

إن من يعرف منصور عباس لا يستغرب من خطوة الرجل؛ فالبعض لا يعتبرها في هذا الإطار تحوّلاً كبيراً، وليست مُفاجِئة في ممارسة الرجل للسياسة، لكنّ الغريب هذا السقوط المدوّي، وغير المحسوب على الأقل، عقب معركة "سيف القدس"، والهبّة الجماهيرية الواسعة على امتداد فلسطين التاريخية، التي أعادت الاعتبار لخيار المقاومة المسلحة، ووحّدت الشعب الفلسطيني، وأبرزت هويّته الوطنيّة وانتماءه العروبي والإسلامي. فكانت "غزوة منصور" - كما أسماها الكاتب الفلسطيني سليمان أبو أرشيد -، سبباً في إحداث التباعد لكنّها ليست اجتهاداً، ولا يمكن اعتبارها مع العدو الصهيوني اجتهاداً يمكن التعاطي معه على هذا الأساس، فهي خطوة تنسف المشتركات كلها، ولا يمكن تحمّلها ضمن إطار "الوحدة الوطنية" مهما كانت تلك الوحدة مطّاطة، لأن تلك الخطوة وضعت القابلين بها على طرف نقيض من مجموع الشعب الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة منذ العام 1948. فهذا الخيار الذي تبنّاه منصور - كما يعتبر ذلك أيضاً سليمان أرشيد - هو "تناقض تناحري أيضاً، بين الهبّة الجماهيرية التي اجتاحت مدن الداخل كجزء من الكل الوطني، وبين ما سُمّي بنهج التأثير الذي تُوّج بتوقيع منصور عباس على الدخول في ائتلاف حكومي إسرائيلي صهيوني برئاسة التيار اليميني الديني الاستيطاني وزعيمه، الذي لا يرى في قتل العرب مشكلة كبيرة، تناقض يميّز مرحلة الإرباك التاريخي التي خلقتها التسوية المتعثرة، لا بد أن يحتدم وصولاً إلى الحسم لصالح أحد طرفيه".

خطوة عدائيّة

وقد وصفت حركة أبناء البلد في الداخل الفلسطيني المحتل، خطوة دخول القائمة العربية الموحدة، إلى "الائتلاف الحكومي بأنّها ليسَت مجرّد خطوة متقدّمة في الاندماج في المشروع الاستعماري الصهيوني من بعد المُشاركة في مهزلة الانتخابات للكنيست الصهيوني وما يتبعها من التزامات سياسية، بل إن هذه الخطوة إمعان في الاصطفاف في العداء لشعبنا وقضاياه الوطنية، إنّها خطيئة تحمل من الخطورة على مُستقبل نضالنا مما يفرض علينا مراجعة حقيقية لعلاقتنا الداخلية أولاً وتأثير الخطاب الجديد المُتغلّف بأكذوبة "الخطاب المدني" على مجمل الخطاب السياسي ثانياً، هذا سيستدعي منّا حواراً وطنياً شاملاً. ويعتبر "سليمان أبو أرشيد" أن ما يجري "هو نوع من السباق بين نهجين سيكون لساحة الداخل، على ما أعتقد، شرف الحسم بينهما، لأن فشل خطوة منصور عباس ستدفن معها واقع الاستسلام لمخرجات أوسلو، وتنهي حالة الإرباك التاريخي التي أصابت القضية الفلسطينية وتدخلها في مرحلة جديدة من النضال ضد نظام الأبارتهايد الممتد بين النهر والبحر". ولكن يبدو أن رئيس ائتلاف القائمة العربية الموحدة منصور عباس، يحاول أن يُظهر أن رؤيته واضحة في هذا السياق، إذ يقول في مقابلة مع وكالة (آكي) الإيطالية للأنباء (6-11): "يمكننا أن نختار البقاء راسخين في الأعمال العدائية أو التّطلّع إلى المستقبل"، وأن "هدفنا هو العيش معاً، وليس رمي اليهود في البحر أو العرب إلى ما بعد الأردن، ولا يمكن التوصل إلى ذلك إلا بناء على القيم المشتركة بين الديانات التوحيدية الثلاث". ولا يقف منصور عند ذلك، بل يصف مناهضيه بأنّهم يلوكون شعارات بالية، لا تحقّق للفلسطينيين شيئاً، حسب زعمه. وعلى الرغم من ذلك لا يجيب على أسئلة واقعية: هل سيلتزم بينيت بالاتفاق معه؟ وما هي كلفة ذلك؟ وهل ما قام به يستأهل كل هذه "التضحية" السياسية والمعنوية؟! ولماذا يغامر ويدفع كل هذا الثمن السياسي في مقابل وعود ثبت سابقاً وفي اتفاقات مع قيادات فلسطينية رسمية، وبرعاية دولية، أن الإسرائيليين لم يلتزموا بها، ووصفوا مواعيد تنفيذ تلك الاتفاقات بأنّها غير مقدسة! وهل الاختراق الذي حققه بإيصال وزير عربي فريج عيساوي يساوي كل هذه التضحية بالوحدة التي تحققت مع معركة "سيف القدس" على امتداد فلسطين التاريخية؟!.

بكل تأكيد إن منصور عباس لا يمتلك إجابات واضحة وقاطعة على كل الأسئلة المطروحة، والتي ستُطرح لاحقاً، لأنّ الخطوة التي اتخذها منصور ومجموعته، هي خطوة خطيرة، وغير محسوبة العواقب بما فيه الكفاية، وخاضعة بشكل كلّي إلى المصالح الشخصية، وبعيدة كل البعد عن المصلحة العامة التي تدّعيها، ولا يمكن بحال تبريرها، لأنّها سقوط في وحول الكيان الصهيوني والغرق فيها، وينطبق عليها المثل الشائع: "إجا يكحّلها فعماها".

هيثم أبو الغزلان

 

إخترنا لكم من العدد