مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: مع أننا كنا نفضل أن تأتي شخصية جديدة من خارج نادي رؤساء الحكومات السابقين.. إلا إننا نرى أن الوضع بحاجة إلى تضافر الجهود للخروج بالبلد من المأزق

العدد رقم 295 التاريخ: 2021-07-30

بينَ المُواطَنةِ والوَلاء.. كيفَ تُبْنَى الدَّولةُ الحَدِيثة؟!..

نبيل علي صالح

المواطنةُ قيمةٌ سياسية وإنسانية كبرى، تعلو على أي انتماء تاريخي أو قومي أو اعتقادي، أو ولاء شخصي أو أيديولوجي أو جبهوي.. وهِي أساسُ تَطوّر الدّول وازدهار المُجتمعات ورفاهية الشُّعوب.. ولم تتمكن الإنسان من تحقيق ازدهاره الاجتماعي وعمرانه العادل من دون بناء أسس تنظيمه السياسي البشري عليها..

فما هي هذه المواطنة؟!.. ما قيمها وأفكارها؟! وكيف يمكن تطبيق آلياتها في بيئة عربية فقيرة بالقيم الحقوقية، وتتعزّز يوماً بعد يوم بالقيم التقليدية والولاءات الشخصية والفئوية حيث يتم اختزال الناس والمجتمعات ككل بأشخاص وأفكار وأعراف بعيداً عن قيمة الفرد ذاته ككائن حر وخليفة مسؤول، عليه واجب الفعل والحضور والبناء الحضاري؟!!.

تعرِّفُ الموسوعةُ السّياسيةُ المُواطَنةَ بأنها المكان الذي يستقر فيه الفرد بشكل ثابت داخل الدّولة أو يحملُ جنسيتها ويكون مشاركاً في الحكم ويخضع للقوانين الصادرة عنها، ويتمتعُ بشكلٍ متساوي دون أي نوع من التّمييز - كاللون أو اللغة - مع بقيّة المواطنين بمجموعة من الحقوق، ويلتزم بأداء مجموعة من الواجبات تجاه الدولة الّتي ينتمي إليها، بما تُشعره بالانتماء إليها. ويترتب على المواطنة الدّيمقراطيّة أنواع رئيسيّة من الحقوق والحريات الّتي يجب أن يتمتّع بها جميع المواطنين كالحقوق المدنيّة والسّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة و.. و.. إلخ.. كما تُعرِّف دائرة المعارف البريطانية المواطنة بأنَّها: "العلاقةُ بين فردٍ ودولة كما يحددها قانون ونظام تلك الدولة، وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة".. وتؤكد دائرة المعارف البريطانية مفهومها للمواطنة، بأنها هي القيمة التي تسبغ على المواطن حقوقاً سياسية، مثل حق الانتخاب وتولي المناصب العامة.

وهكذا فالمواطنة ظاهرة فكرية وسياسية، محورها الفرد وجوهرها حقوقه السياسية والعملية، والعلاقة بينه وبين تسمى علاقة مواطنة.. بحيث أنه لا يكونُ الفردُ مُواطناً في الدولة ما لم يحصل تلك الحقوق السياسية وغير السّياسية، ويتمتع بجزء من السيادة السياسية.. ليكون مشاركاً بوعي وفعالية في بناءِ مُجتمعه مع مختلف أركان الجماعة الوطنية.. ونحن عندما نتحدث عن المواطنة، كعلاقة سياسية ذات بعدين، أو كنظام حقوق وواجبات قيمي سياسي واجتماعي، فإننا نعني، في الوقت ذاته، حقوق المواطن وواجباته في الدولة، وواجباتها للمواطنين، فحقوق المواطنين هي واجبات على الدولة، وحقوق الدولة هي واجبات على المواطنين.. وهي واجبات وحقوق تأخذ الطابع القانوني المضمون الإجراء والتنفيذ والتجسُّد.. ومن أهم تلك الحقوق التي يجب أن يحظى بها المواطن في دولة المواطنة، حرية الاعتقاد وحرية التعبير والنقد والمساءلة، وحرية التنظيم السياسي والنقابي والمدني، وحرية التنقل والتزوج والتملك والسكن والتعلم و.. و.. إلخ..

وللمواطن أيضاً حقوق سياسية عدة، تتجلى في المشاركة بصنع القرار والمصير لبلده ومجتمعه من خلال حرية انتمائه السياسي لأي حزب أو تيار تحت سقف القانون والنظام العام.. وحق استلام المواقع والمناصب، وحق الترشح لأي انتخابات وجمعيات وهيئات، وحق التصويت... في مقابل ذلك يجب على المواطن احترام القوانين والأنظمة والمساهمة في النفقات الجماعية وفقاً لموارده، والدفاع عن المجتمع الذي ينتمي إليه عندما تهدده الأخطار وتحدق به الأزمات والصراعات.

وهكذا نلاحظ أن المواطنة بات اليوم مبدأ جوهرياً ناظماً للدول المتطورة في علاقتها السياسية وغير السياسية مع شعوبها وأفرادها في بناء تلك العلاقة معهم على أسس العدل والمساواة وسيادة القانون.. بحيث تحوّلت (من خلال آلياتها السياسية التنظيمية) إلى قانون سياسي تتقوم به معظم دول العالم المعاصر.. وما بقي من تلك الدول تجتاحه أزمات واستعصاءات كبيرة سياسية واقتصادية لا حصر لها.. تعطينا فكرة واضحة عن حالة الإخفاق الذريع في بناء دولة المواطنة في عالمنا العربي على وجه الخصوص.. وهو إخفاق لا يعود فقط أو لم يكن فقط لأسباب ثقافية ودينية وتقليدية تاريخية تتعلق بالبنية العشائرية والطائفية والقبلية ولا بالدين ككل، بل هناك عوامل أهم وأكثر حضوراً وأشد قوةً وتأثيراً تتعلق بالناحية الجيوسياسية والاستراتيجية والتنظيمية.

وفي قناعتي أن الناس والمجتمعات هنا جاهزة نفسياً وفكرياً لتقبل فكرة المواطنة والتعامل الإيجابي معها، لأنها فكرة عملية تتعلق بالحقوق وعلى رأسها العدالة والمساواة والحريات وإقامة دول العدل والكرامة.. وأما ما يغيّبها ويحاربها بشدة ليس قناعات الناس الفكرية والتاريخية والاعتقادية الدينية، بل وجود نظم سياسية متخلفة ما زالت تتسلط على رقاب الناس وتستهدف وجودها المادي والرمزي، وتحاربها في مصالحها وسيادتها.

إن المواطنة جوهر الصراع التحرري الاستقلالي الذي يجب أن يخاض ضد عقلية الحروب والصراعات.. فمن خلالها يمكن للشعوب أن تستعيد حقها في تقرير مصيرها، وتستعيد سيادتها على مواردها وثرواتها كشرط لتطوير دولتها بما يعبر عن إرادتها ومصالحها هي، خصوصاً على صعيد قيام نظم سياسية تستمد شرعية وجودها السياسي من هذه الشعوب والجماهير ومن التعبير عن هذه الإرادة وتلك الحقوق (حقوق المواطنة) وعلى رأسها - كما قلنا - حق العدل والمساواة.. وحق الولاء والانتماء.. وحق المشاركة والمسؤولية..

إننا نعتقد أن المشكلة عند العرب، لا تكمن في الناس والعلم والقناعات، ولا في الآخر وتناقض المصالح معه، فالاختلاف والتعارض أمران طبيعيان في العلاقات بين الدول.. كما أنَّ الناسَ تكونُ كما تربّيها وتعلِّمها وتنمّيها وتُنْشِئُها، والعلومُ هائلةٌ ومتاحةٌ، والمعارفُ واسعةٌ ومنتشرةٌ، والقوانينُ (في السياسة والمواطنة وغيرها التي توصّل إليها الإنسان، وثَبُتَ نجاحها وفاعليتها) قائمة وغبّ الطلب، وهي تحتاج فقط لمن يتبنّاها عملياً (وليس نظرياً) ويلتزم بها وبمقتضياتها.

المشكلة في واقع العرب عموماً، تكمنُ أولاً وأخيراً في أمرين:

1- استبداد وفسادُ بنى الحُكم السياسي العربي العتيقة والتقليدية، القائمة والمؤسَّسة على الفردية والقبلية والاختزالية والنهب العاري.. وهي أدت لبناء دول الولاءات الشخصية.

2- اهتراءُ وابتذالُ آلياتِ الوصول للمصالح.. وتفضيلُ الخاصة الجزئية منها على العمومية الكلية.

.. إنّ الايديولوجيات العربية التقليدية وحتى الحديثة العلمانية (القومية منها أو اليسارية) التي مرت على عالمنا العربي، من أقصى اليمين حتى أقصى اليسار، نخرت فينا وفي اجتماعنا العربي حتى العظم، وحوّلت كثيراً من البشر إلى أشباه عقول، ومجرّد آلات فاقدة للحس والتفكير والقدرة على الوقوف والحضور.. بات الجميع تقريباً لا وزن ولا قيمة ولا معنى له، إذ لا يتحرك الناس إلا بـــ "الأوامرية"، و"الريموت كونترول" والوصايات الفوقية.. بعيداً عن مرجعية الحرية والعقل والعلم، وهي المرجعية الأساس التي صنع الإنسان من خلالها حضارة مذهلة في كل البلدان المتقدمة.

في مثل هذا الواقع البعيد عن قيمة المواطنة وعلاقات الوعي السياسي العقلاني المسؤول.. كيفَ يمكنُ أن تنشأ مجدداً مناخات للتفكير العقلاني الحر، القائم على التسامح والانفتاح والاعتراف ببعضنا بعضاً وبالآخر المختلف؟.. وكيف يمكن أن تتولّد وتتفجّر سلوكيات تفكيرية معتدلة بعيدة عن الغلو والتعصب والاسفاف القيمي والاخلاقي والسلوكي؟!!.. وكيف بالتالي أن ننجح في بناء نظم سياسية تتقوم بعلاقات المواطنة المدنية مع ذاتها ومع شعوبها؟!..

الناس ملّت ويئست من أصحاب الشعارات والنظريات الطوباوية.. تريد أن تعيش في عصرها بلا أيديولوجيات ولا من يحزنون.. تريد أن تسكن وتأكل وتشرب بشكل صحي لائق.. تريدُ أنْ تأمنَ وتسعدَ ولو قليلاً في مجتمعاتها وبلدانها التي تراها تُنهب وتُسرق وتُستبَاح أمام ناظريها.. تريد أنْ تربّي أبناءها بــ "شوية" كرامة وحقوق بعيداً عن حياة الإذلال الأيديولوجية وغير الأيديولوجية..!!. فهل من مجيب ومستمع؟!.. وهل من يضمن عدم تفجّر ساحات العرب وميادينهم مجدداً في حالة رفض للإذلال السياسي الرسمي العربي القائم حالياً، والذي لن تنجح العصا الغليظة في لجمه دائماً وأبداً، ومنعه من التفجر والثوران في قادِمِ الأيام؟!!.

 

إخترنا لكم من العدد