مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: مع أننا كنا نفضل أن تأتي شخصية جديدة من خارج نادي رؤساء الحكومات السابقين.. إلا إننا نرى أن الوضع بحاجة إلى تضافر الجهود للخروج بالبلد من المأزق

العدد رقم 295 التاريخ: 2021-07-30

قمة بايدن.. بوتين: تنظيم الخلافات لا حلها

ابتسام الشامي

كسر لقاء القمة الأمريكي الروسي الجليد المتراكم بين البيت الأبيض والكرملين، من دون أن يزيل أسباب التوتر القائم بينهما..

وباستثناء الإعلان عن بدء حوار حول الحد من التسلح النووي، وتفعيل العمل الديبلوماسي بعد تبادل سحب سفيري البلدين في آذار الماضي، بفعل اتهام الولايات المتحدة روسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية، بقيت الكثير من الملفات مفتوحة، وحرص الرئيسان على توجيه رسائل في اطارها ومنها الملف الأوكراني والحرب السيبرانية وقضية المعارض الروسي اليكسي نافالني.

لقاء جنيف

لم يكن اختيار العاصمة السويسرية جنيف مكاناً لقمة الرئيسين الأمريكي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين، بلا صلة بالماضي المضطرب الذي ظلل علاقات واشنطن وموسكو منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبقيت رواسبه قائمة حتى بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وولادة روسيا الجديدة، فالعاصمة نفسها كانت قد جمعت عام 1985 في ذروة الحرب الباردة الرئيس الأمريكي في حينه، رونالد ريغان، والزعيم السوفيتي، ميخائيل غورباتشوف. لكن التواصل الشخصي في العلاقات الدولية من دون أن يكون مقروناً بأجندة سياسية وقرار بمعالجة أسباب التوتر والعمل على احتواء تداعياته، يبقى إجراءً شكلياً لا يمكن التعويل كثيراً عليه، على الرغم من أهميته في فتح الأبواب المغلقة. هذه القاعدة تنطبق على لقاء بوتين بايدن، الذي جاء بعدما ارتفعت جدران التوتر بينهما لدرجة وصف فيه الجانبان علاقات بلديهما بأنها في أسوأ حالاتها، وذلك بفعل الكثير من الملفات الخلافية المتراكمة، والاتهامات المتبادلة. وإذا كانت إدارة بايدن تتهم روسيا بالتدخل بالانتخابات الرئاسية ومحاولة التأثير فيها والتجسس عليها عبر اختراق حواسيب مؤسساتها، فإن الأخيرة ترى أن أمريكا تحاول العبث بأمنها عبر البوابة الأوكرانية، وقيادة احتجاجات المعارضة الداخلية على خلفية اعتقال المعارض الروسي اليكسي نافالني.

هذه القضايا الخلافية رفعت حدة الخطاب السياسي بين الجانبين خلال الأشهر الماضية لدرجة وصف فيها الرئيس الأمريكي نظيره الروسي بالقاتل قبل أن يضطر إلى الجلوس معه إلى طاولة جنيف واصفاً إياه بالخصم الجدير بالاحترام.

نتائج الاجتماع

لكن لقاء الساعات الأربع مع "رجل الدولة المخضرم"، كما وصفه بوتين لم يفضِ إلى الكثير من النتائج، على الرغم من الأجواء الإيجابية التي انتهى إليها في الشكل، حيث أشاد الرئيسان في ختام القمة بمحادثاتهما، وقال بايدن لقد جرى النقاش في الخلافات، "ولكن ليس بطريقة مبالغ فيها" مشيراً إلى أن "روسيا لا تريد حرباً باردة جديدة".

بدوره وصف الرئيس الروسي المحادثات بأنها كانت "بناءة"، وخلت تماماً من أي لهجة عدائية. مؤكداً أن كلا الجانبين اتفقا على عودة سفيري البلدين إلى موقعيهما وإعادة الدبلوماسيين الذين جرى طردهم من قبل واشنطن وموسكو في الفترة الأخيرة.

وردّاً على سؤال حول ما إذا كان قد ناقش مع جو بايدن إمكانية انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي، قال بوتين: "تطرقنا إلى ذلك" من دون أن يعطي تفاصيل إضافية، لكنه في ملف الهجمات الإلكترونية حرص الرئيس الروسي على التوضيح أنه ونظيره الأمريكي "ملتزمان بمناقشة" قضايا الأمن الإلكتروني.

وأضاف: "لا أعتقد أن الولايات المتحدة مهتمة بالنظر في هذا الأمر"، في إشارة إلى المزاعم الأمريكية بأن الهجمات الإلكترونية التي تعرضت لها مؤسسات في الولايات المتحدة نفذت من روسيا. وقال إن بلاده سلمت للولايات المتحدة "معلومات وافية" عن الهجوم الإلكتروني المزعوم، لكن واشنطن لم ترد. موضحاً أن الأمر يحتاج إلى خبراء للبت به وليس إلى تلميحات فحسب.

بوتين "حقق ما يريد"

القمة الأولى بين الرئيسين الأمريكي والروسي منذ عام 2018 والتي جاءت على هامش جولة بايدن الأطلسية حظيت باهتمام كبير على المستوى الإعلامي عالمياً، سواء لناحية مواكبة الحدث بالتغطية المباشرة لمصافحة الرئيسين والمؤتمر الصحافي في أعقابها أو لجهة قراءة نتائجها التي وصفتها صحيفة ذا هيل "The Hill" الأمريكية بالمهمة، خصوصاً لناحية العودة إلى تفعيل البراغماتية، في وقت تحدثت فيه قناة "cnn" عن تفوق بوتين وعن الثقة التي أظهرها في المؤتمر الصحافي إثر انتهاء اللقاء. وكتب مراسلا القناة الأمريكية "ماثيو تشانس" و"لوك ماكجي" تحليلاً في الموقع حول نتائج قمة جنيف جاء فيه "إن المراقبين المنتظمين للرئيس الروسي معتادون على هذا المستوى من الثقة والرفض. فبوتين رجل مؤمن جداً بسلطته المطلقة في بلاده بحيث يمكنه الدخول في اجتماع مع أقوى شخص على وجه الأرض من دون أن يخسر شيئاً تقريباً. وأضافا أن هندسة القمة صُممت تقريباً لتناسب احتياجات بوتين الداخلية. فالولايات المتحدة هي التي طلبت هذه الاجتماعات، وبذلك هي تؤكد، من وجهة نظر الكرملين، أن بوتين زعيم له مكانة مماثلة لرئيس الولايات المتحدة. "واستشهد الكاتبان بما قاله "أوليغ إغناتوف"، كبير محللي الشؤون الروسية في "مجموعة الأزمات" في موسكو، "هذا هو تماماً ما يريده الكرملين.. التحدث إلى الولايات المتحدة على قدم المساواة وبطريقة لا يطالب بها الطرف الآخر بتغيير الموقف كشرط للحوار.. لا شك في أن بوتين سيواصل اختبار بايدن إذا تعثر الحوار أو تطور في اتجاه غير مؤات لموسكو.. هذه ليست بداية لتطبيع العلاقات.. إنها توقف في تدهورها المتزايد". وخلص تحليل القناة الأمريكية لنتائج القمة إلى القول "باختصار، ذهب بوتين إلى جنيف وحصل على ما يريده بالضبط. وغادر سويسرا بانتصار دبلوماسي ضخم، بمجرد حضوره".

خاتمة

لم يكن متوقعاً للقمة أن تنتهي بأكثر مما انتهت إليه على المستوى العملي، خصوصاً أنها جاءت بعد فترة من التوتر والخلافات المتراكمة، لكن أهميتها تكمن في أنها جاءت بطلب أمريكي ما يؤكد التحول الذي طرأ ليس على مكانة الولايات المتحدة في إدارة العالم فحسب وإنما على شعورها هي نفسها بالحاجة إلى الشركاء من دون فرض شروط مسبقة عليهم، وهو ما كان الرئيس الروسي حريصاً على لفت الانتباه إليه، في تأكيده عدة مرات أن روسيا كانت قوة نووية، دولة مهمة، ذات اقتصاد أصغر من اقتصاد الولايات المتحدة، لكنها لا تزال مهمة ولهذا السبب جاء بايدن للحديث معنا.

 

 

 

إخترنا لكم من العدد